الاتحاد

تقارير

هل أدار العالم ظهره لدارفور؟

غطت أزمة شريكي الحكم في السودان خلال الأسابيع الماضية على ماعداها من أزمات في السودان؛ وبينما الناس مشغولون بمتابعة مسلسل أزمة الشريكين والحمى النزفية، وهل هي حقيقة أم مؤامرة خيالية من صنع الأعداء، كانت الأوضاع بالنسبة لدارفور، تنحدر من سيئ إلى أسوأ، حاملة نذرا لا يعلم مداها حتى المشاركون في صنعها·
عندما صرح الدبلوماسي ''رودلف ادادا'' -رئيس البعثة الأممية المشتركة لدارفور- لوكالة فرانس برس في الخرطوم: بأن البعثة تعاني من صعوبات لوجستية مقلقة، وشدد على أهمية توفير الطائرات العامودية لبعثة السلام، وكرر محذرا (إن فشل المجتمع الدولي في توفيرها سيؤدي إلى إعادة النظر في العملية برمتها)، واتهم المجتمع الدولي صراحة بأنه أدار ظهره للعملية الهجين، وتساءل بمرارة إن كان من المستحيل حقا على المجتمع الدولي، أن يوفر أربعا وعشرين طائرة عامودية لقوات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في دارفور؟!
لم تجد صرخته وتحذيراته آذاناً صاغية، برغم معرفة من يهمهم الأمر، أن ذلك بعضا من حقائق مرة مسجلة في التقارير الرسمية للبعثة، وكلها تؤكد الأمر نفسه، على رغم كل الحديث المتكرر والمناورات المتتابعة في مجلس الأمن والتي لم يصحبها عمل جدي وحقيقي على أرض الواقع، وقد أصبح بيننا وبين الموعد المضروب لبدء نشر القوات الدولية المشتركة مجرد أسابيع قليلة!
ويضيف ''رودلف'' على ذلك في تقريره لمجلس الأمن الجمعة الماضية ''إن نجاح مهمة القوات الهجين في دارفور مهدد بسبب نقص المعدات، الأمر الذي يجعله يعتقد أن المهمة كلها باتت في خطر)· إذن فالسؤال الذي بات على كل لسان الآن، هل إن المجتمع الدولي قد أدار ظهره حقا لدارفور، وبدأ يتخذ هذا الموقف السلبي وفقا لتطورات خطيرة تجري، ليس على الحدود التشادية السودانية فقط، بل وإنما مرشحة لتشمل الإقليم كله؟
ليس معقولا أن يقف المسؤول التنفيذي الأول في المنظمة الدولية ويشتكي لمجلس الأمن، من أن نداءاته للدول واتصالاته بها لا تجدان استجابة، رغم أنها ذات الدول التي قررت بعد جهود استغرقت أشهراً، أن تدفع بأكبر قوة دولية في تاريخ قوات حفظ السلام الى دارفور، تعجز الآن عن توفير معدات كالمروحيات التي يقول المسؤولون عنها إنها ضرورية ولازمة وإن عدم توفرها سيدفع إلى إعادة النظر في العملية برمتها، فليس معقولا أن يكون هذا من باب إبراء ذمة بيروقراطيي المنظمة الدولية حتى لا يتخلصوا من شبح مأساة ''رواندي'' الذي مازال يخيم على أجواء الأمم المتحدة، ومازالت الذاكرة الإنسانية تتذكرها والدالة عن عجر المؤسسة الدولية في تجنب هذه المأساة الإنسانية، بدلالة ما قاله الجنرال الكندي ''روميو'' -قائد قوات الأمم المتحدة انذآك - ومازال يقوله ويحذر من تكراره في دارفور، باتهامه صراحة وبوضوح الأمم المتحدة ومجلس أمنها في التسبب بهذه المأساة، وبأن موقفهم من نداءاته وتحذيراته المتكررة قبل وأثناء المذبحة البشرية، لم تقابل بما يستحق الاهتمام والمسؤولية الواجبة، وهو موقف فيما يقول كان يتعلق بمصير شعب أفريقي! بل أكثر من ذلك ومما يدعو ليس للتساؤل والتعجب -كما عبر رئيس البعثة المشتركة- بل للشك في مصداقية الدول التي جعلت يوما من مأساة دارفور قضية داخلية في بلدانها، ودفعت بها إلى أبعد الحدود في لعبتها السياسية الداخلية، إن مصائر ملايين من السودانيين الدارفوريين أصبحت معلقة فيما يبدو على لعبة دولية تتعدى أبعادها وحدودها حدود السودان؛ والمؤسف والأشد مرارة أن إدارة الظهر ليست من قبل المجتمع الدولي فقط، بل -وهذا ما نخشاه- بانتقاله إلى ما تبقى من المجتمع السوداني·
إن الجهد المبذول سودانيا من أجل دارفور لا يرقى إلى مستوى خطورة الحال هناك، ولا إلى مستوى التوقعات والتحذيرات التي صدرت والتى تصدر عن مسؤولين دوليين ومن أهالي دارفور المكتوين بنار وجحيم الدراما اللاعقلانية التي تجري على أرضهم، وتلك مأساة أخرى إذا لم نتداولها ستظل عالقة بنا وبأجيالنا ستأتي بعدنا، وسيدفع ثمنها السودان المغلوب على أمره·
عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا