صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أمير تاج السر: رهنت ساعتي لأطبع روايتي الأولى

الكاتب والروائي السوداني أمير تاج السر المقيم بالعاصمة القطرية “الدوحة” منذ 17 عاماً، يمارس الطب ويحترف الكتابة ويعشق الإبداع ولا عجب في ذلك، فهو من بلد يزخر بالمواهب ويحفل بالمبدعين وخاله هو المبدع الراحل الكبير الطيب الصالح الذي يشبهه بدرجة كبيرة. ويمثل أمير تاج السر نموذجاً فريداً للأديب السوداني المغترب عن وطنه لكنه يعيش هموم هذا الوطن الذي لا يفارقه ولا يغيب عنه لحظة، ويحمل هموم أبنائه من البسطاء والمهمشين. وهو من الأصوات الروائية المتميزة واللافتة في المشهد الإبداعي السوداني، وأحد أبرز الروائيين العرب.

ولد أمير تاج السر بشمال السودان عام 1960، وتلقى تعليمه الأولي هناك، وعاش بمصر بين عامي “1980-1987” حيث تخرج في كلية الطب جامعة طنطا، وهو يعمل حالياً طبيباً باطنياً بالدوحة.
صدرت له أعمال روائية عدة، منها “زحف النمل” عن دار عين 2008، و “توترات القبطي” 2009، و”مهر الصياح” 2004، و”العطر الفرنسي”، وغيرها من الروايات. بالإضافة إلى كتابين في مجال السيرة، هما: “مرايا ساحلية”، و”سيرة الوجع”، وديوان شعري بعنوان “أحزان كبيرة”.
ونالت أعماله اهتماماً كبيراً في الأوساط الأدبية والنقدية، كما حققت شهرة عالمية، بعد ترجمة معظمها إلى الكثير من اللغات.

صائد اليرقات
رشحت روايته “صائد اليرقات” للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، النسخة العربية لجائزة “بوكر” البريطانية الشهيرة، التي سيعلن عن الفائز بها في مارس المقبل، بعد أن اشتملت القائمة القصيرة للمرشحين على خمس روايات أخرى إلى جانب “صائد اليرقات”، واختيرت الأعمال الستة من بين عشرات الروايات التي تأهلت للمشاركة، وحول روايته وتجربته في الكتابة وغيرها كان هذا الحوار الذي خص به “الاتحاد الثقافي”.
? روايتك الأخيرة “صائد اليرقات” أحدثت دوياً وقوبلت بحفاوة نقدية من أسماء بقيمة فيصل دراج وصبري حافظ وغيرهما، كيف قابلت كل هذه الأصداء؟
? الجوائز التي تمنح للكتابة الأدبية بشكل عام والأدب الروائي بشكل خاص لها تاريخ طويل في العالم الغربي، لكنها حديثة العهد في عالمنا العربي مقارنة بالعالم الغربي.
وعندما وجدت جوائز مثل الجائزة العالمية للرواية العربية الشهيرة باسم “البوكر العربية”، وجائزة الرواية العربية التي يمنحها ملتقى القاهرة الروائي، وغيرهما من الجوائز الأخرى. كل هذا حفز الروائيين والكتاب على التنافس الإبداعي، وعلى الارتقاء بمستوى الكتابة والسعي نحو التجويد الفني، لأن كل كاتب يكتب رواية يتوقع أنه لابد أن هناك رواية أفضل منها، وهذا سبب كاف للبحث والطموح للوصول إلى أعلى مستوى من الإجادة والتماسك والإتقان.
والهدف المرجو أو المبتغى من هذا التنافس تحقق ويتحقق مع كل دورة للجائزة على مدى السنوات الثلاث الماضية التي طرحت فيها، وهو الوصول إلى أعلى مستوى من الكفاءة والتميز والجودة، بالإضافة إلى وصول العمل المكتوب إلى شرائح عديدة من الجمهور.
ومهما وجه للبوكر من آراء أو انتقادات من وجهات نظر متفاوتة ومتعددة بتفاوت أصحابها في دورات سابقة، فإنها تبقى جائزة ذات أهمية كبيرة حفرت لنفسها مكاناً في أعوام قليلة، نجحت خلالها في أن تكون الحدث الأهم والأبرز المنتظر في أوساط الكتابة الروائية كل عام.

? ماذا يعني لك وصول روايتك “صائد اليرقات” إلى القائمة الطويلة ثم القائمة القصيرة؟
? شعرت بسعادة بالغة وأنا شديد الاحترام والتقدير للقائمين على الجائزة، وأحترم قرار لجنة التحكيم عند اختيار الرواية الفائزة بالجائزة. أما جائزتي الحقيقية والفعلية التي نلتها مغتبطا وفرحا بها بوصول الرواية للقائمة القصيرة، فهو وصولها لقطاع عريض وعدد أكبر من القراء والجمهور، وهذا يسعدني ويرضيني لأقصى درجات الرضا والرواية أصبحت مطلوبة الآن، ويبحث الكثيرون عنها لقراءتها. كما أستشعر غبطة حقيقية لما ألاحظه وأتابعه على المنتديات الثقافية والمواقع الاجتماعية من حوارات ونقاشات ومداولات خصبة حول الرواية ورؤية كل قارئ لها من منظوره الخاص وتحليله لها ولشخوصها.
ومن المؤكد أن هذه الجائزة ومثيلاتها تثير حراكاً ثقافياً كبيرا لا نظير له، ونشهد في نوفمبر من كل عام حالة من الترقب والانتظار لإعلان القائمة القصيرة والبحث عن الروايات التي وصلت لها، ومن ثم البحث عنها وقراءتها وإحداث هذا النشاط المحمود.

روايات القائمتين
? هل قرأت أياً من الروايات التي وصلت للقائمة الطويلة أو القصيرة للبوكر؟
? قرأت كثيراً منها، وكلها أعمال جيدة جداً وذات مستوى فني عال وذات بناء روائي محكم. وقد قرأت “البيت الأندلسي” لواسيني الأعرج، وفصولا من رواية ميرال الطحاوي “بروكلين هايتس” وأنا مستمتع بقراءتها وهي رواية جيدة جدا، رغم أنني لم أتمها حتى الآن. وسأحاول الانتهاء قريبا من كل الروايات التي عثرت عليها، مثل رواية “القوس والفراشة” لمحمد الأشعري، ورواية خالد البري “رقصة شرقية”.

? كيف أفدت ثقافياً وإبداعياً من الفترة التي قضيتها بمصر؟
? قضيت فترة دراستي الأولية، غرب السودان، إلى أن سافرت إلى مصر لاستكمال دراستي الجامعية بكلية الطب جامعة طنطا، وهي مرحلة بالغة الأهمية والتأثير في حياتي، فخلال تلك الفترة التي امتدت لسبعة أعوام كاملة تعرفت، أثناء فترة إقامتي بمصر، على نجوم الكتابة ومشاهير الأدب من الروائيين والقصصيين والشعراء، مثل الشاعر محمد سليمان من شعراء السبعينيات المرموقين، وصداقتنا مستمرة حتى الآن، والشاعر محمد عبد المنعم رمضان، وغيرهما ثم تعرفت على جمال الغيطاني، وعبد الحكيم قاسم، هذا الإنسان الجميل، وخيري شلبي، وسعيد الكفراوي وآخرين، وصادقت الكثير منهم، ومازلت على صلة طيبة بهم، وكان الراحل محمد مستجاب لا يناديني إلا بـ”الولد الروائي”.
بالطبع تأثرت بالكثير من هؤلاء الكتاب، وكنت شديد التفاعل مع الحركة الثقافية والأدبية بمصر خلال تلك الفترة، وبعدها عدت إلى السودان وعملت بمناطق عديدة بها مثل منطقة توكر، ومنطقة الحدود المشتركة مع إريتريا. وفي تلك الفترة لم أكتب حرفاً وانقطعت عن الكتابة تماما.

? لكن البدايات الباكرة في رحاب الأدب والكتابة جاءت قبل ذلك بقليل؟
? بدأت الكتابة مبكرا بمحاولات في كتابة الشعر العامي أو الكتابة بالعامية السودانية، وظلت أكتب الشعر بالعامية أعواماً كثيرة، وأثناء فترة دراستي الجامعية أصدرت عدة دواوين شعرية بالعامية السودانية، كنت أكتبها على الآلة الكاتبة وأطبعها بطريقة الأوفست القديمة ثم أوزع نسخها على أصدقائي وزملائي بالجامعة، وفي عام 1985، بدأت أكتب بالدوريات والصحف المصرية ونشرت أول قصة لي بمجلة “إبداع” إبان رئاسة الراحل د.عبدالقادر القط لها، ثم نشرت بعد ذلك بالعديد من الدوريات والصحف المصرية والعربية. وصدرت أول رواية لي عام 1988 بعنوان “كرمكول”.

? ربما لا يعرف الكثيرون ما عانيته في بدايات الطريق عند محاولتك نشر هذه الرواية؟
? كان لنشر رواية “كرمكول” روايتي الاولى قصة طريفة كي أتمكن من تحقيق ذلك وحين بدأت كتابتها وكنت طالباً في كلية الطب، في مصر، أكتب الشعر، وأجلس للثرثرة في المقاهي كما يفعل الكتاب، تحدثت عنها، وأنها ستكون روايتي الأولى، ونشرت إحدى الصحف خبر صدورها عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بخطوط عريضة على خلفية سوداء، وحين انتهيت منها بعد أشهر من ذلك، ظللت أحملها كما أحمل كنزًا، أقرأ مقاطع منها لكل من أعرفه، وأعرضها على الناشرين واحدًا بعد الآخر، من دون أن يكلف أحد نفسه حتى مد يده، وقراءة صفحة منها ليقرر إن كانت تصلح للنشر، أم لا؟! وكنت محظوظًا بشدة، كما أعتقد، لأن أحد الإخوة المثقفين، نظر فجأة بتمعن إلى معصمي الأيسر، وطلب مني أن أريه ساعتي، وكانت من ماركة روليكس الغالية، هدية وصلتني ولا أعرف قيمتها، واصطحبني ذلك المثقف إلى أحد أماكن الرهن، حيث بقيت تلك الساعة حبيسة هناك، إلى أن استرددت قيمة رهنها من جراء بيع كتابي، وكنت أحمل نسخاً في حقيبة على كتفي، أتسلق بها القطارات، وباصات النقل العام، وأطوف به أقاليم مصر كلها، أوزعها للطلاب.

? كيف ترصد الحركة الأدبية بالسودان؟
? السودان مثله مثل أي بلد عربي آخر، ينتج إبداعاً ويكتب أدباً غزيراً ومتميزاً، خصوصا مع وجود عدد كبير من دور النشر التي ظهرت في العقود الأخيرة، والمشاركة في معارض الكتب العربية، وإقامة معرض سنوي للكتاب بالسودان.
كل هذا كان من أسباب إنتاج أدب جديد، وصار هناك كُتاب سودانيون يكتبون بصورة مكثفة وجيدة ومستوى عال. كما صار هناك اتصال بينهم وبين كتاب آخرين، يشاركون في المؤتمرات والملتقيات العربية والدولية، وهناك شباب سودانيون يشاركون في ورش الكتابة الإبداعية ومنهم اثنان شاركا في ورشة كتابة البوكر. وشاهدت وأنا في معرض الدوحة للكتاب إقبالا كبيراً على الأدب السوداني، ووجدت قراء عرباً حريصين على شراء الكتب السودانية واقتنائها وقراءة الأدب السوداني.

?? هل هناك أجيال جديدة من الكتاب السودانيين كسروا أحادية النظرة التي كانت تختزل الأدب السوداني في الطيب صالح؟
? ليس بالطبع من ناحية الشهرة العريضة التي نالها الطيب صالح والتمثيل في المحافل الدولية واللقاءات الخارجية، بالتأكيد هو نجم من نجوم الكتابة السودانية والعربية بلا جدال، وبالتأكيد أيضاً، لم يحصل أي كاتب سوداني قديم أو جديد أو معاصر على شهرة تفوق شهرة الطيب صالح أو حتى تدانيها، لكن هذا لا يمنع من وجود أسماء مهمة مثل الكاتب الكبير إبراهيم إسحاق، وعبدالعزيز بركة ساكن، وبثينة خضر المكي.

? كيف ترى نجاحاتك ورواج أعمالك بعد ترشيح “صائد اليرقات” للبوكر؟
? لا أريد أن أدعي أنني كاتب ناجح أو أنني قدمت نتاجاً ذا جدوى. لي تجارب راضٍ عنها بشدة، وتجارب أعتبرها من تلك التي ساهمت في تعقيد الكتابة، ولم تجذب قراء كثيرين، يتفهمونها، أو يتعاطفون معها.