الاتحاد

الملحق الثقافي

لا إكراه في اللعب الروائي

يعتبر الناقد المغربي المعروف الدكتور حسن المودن أن اللعب مفهوم ملتبس ومتعدد المعاني، وقد صاحبته على الدوام إيحاءات سلبية. فاللعب، باعتباره نقيضا للجدّ ونقيضا للبحث المستخلص من الحقيقة، ينتمي تراثا وتقليدا إلى ممارسة السفسطائيين. ويمكن أن نفترض أن عصرنا هو الذي أسند إلى اللعب مكانة متميزة، وحوله إلى أداة مفهومية ناجعة في مختلف الحقول الخطابية للمعرفة، كما حوله إلى عنصر أساس للكتابة والقراءة.

يضيف الدكتور حسن المودن في مداخلته القيمة التى شارك بها في “الملتقى الخامس للإبداع الروائي” الذي احتضنته القاهرة مؤخرا أن الرواية العربية اليوم “أصبحت كنظيراتها في أقطار العالم، منشغلة ببنائها الفني، وصارت تستدعي البنيات اللعبية الانتهاكية، وتوظف أشكالا وأساليب جديدة في السرد والتخييل، وتعمل، إلى هذا الحدّ أو ذاك، على تفجير النص الروائي بمعناه التقليدي، بشكل يبدو معه كأن هناك قواعد جديدة للكتابة وميثاقا للقراءة جديد”.
وفي الأحوال كلها – يضيف الدكتور حسن – نحن نفترض أن الكتابة الروائية المعاصرة عامة، والعربية خاصة، لم تعد تحتكم إلى مفاهيم المحاكاة والتعبير والانعكاس قدر ما أصبحت متعلقة بطريقة جريئة باللعب. واللعب، هنا، بعيد عن أن يكون استسهالا للإبداع أو قيدا جديدا لحدود الكتابة والتخييل، بل انه بالعكس تماما وسيلة عجيبة للاستكشاف، فهو يسمح بالتحرر من تأثيرات المفاهيم والتصورات التقليدية للكتابة والإبداع، ويساهم في توسيع مجموع أدوات الابتكار والتأليف.

اللعب والسؤال
يضاف إلى ذلك أن اللعب حاضر هنا ليس من أجل تسلية ناقد أو إغراء قارئ، فاللعب موجود بكل معانيه في الرواية المعاصرة، لكن بالطبع، وعلى حدّ تعبير أحد رواد الرواية اللعبية المعاصرين: Jean Echenoz، فالكتابة ليست هنا من أجل اللعب، فالحديث عن الرواية اللعبية يفترض أن للعب رهانات ووظائف وغايات، منها ما عبّر عنه أوليفيي بيسار ـ بانكي (الرواية اللعبية 2003)، عندما سجل أن وظيفة اللعب الروائي يمكن أن نحددها في هذه الإشارة إلى القيمة الجديدة التي للموقف اللعبي داخل نسق من السلوكات المعاصرة، خاصة وأنه الموقف الذي يقوم على القلق والشك والسؤال والحيرة والتردد، ويدفع القارئ إلى الانخراط في حوار تخييلي مع العمل الروائي، والانفتاح على فضاء أساس لا محدود: فضاء السؤال.
وإذا كانت للعب هذه المكانة في العلم والإبداع، فانه سنتقدم قليلا في استكشاف علاقة الكتابة (الروائية) باللعب. لنلاحظ في البداية أن الدراسات المعاصرة لإشكالية الكتابة واللعب تقدم مقاربات متعددة ومختلفة، نذكر من بينها:
? مقاربة تقيم توازيا بين أنطولوجيا العمل الفني وأنطولوجيا اللعب، ومعنى ذلك أن هذا المنظور يسجل أن كل واحد من النشاطين لا يخضع لإكراه ما، فالأمر يتعلق بنشاط يصاحبه وعي خاصّ صادر عن واقع ثان، وهو نشاط مستقل عن الأنشطة الأخرى في الحياة الإنسانية، يذهب إلى أبعد الحدود في ممارسة الحرية والابتكار.
? مقاربة تنظر إلى الأدب على أنه شبيه بباقي اللّـعب والألعاب، ذلك لأنه لعب محدد بقواعد وضوابط، علينا أن نتعلّمها، ويمكنها أن تكون أساس عمل أدبي جيّد، خاصّة بابتكار أسلوب شخصيّ في اللعب أو باللعب.
? مقاربة ترى أن اللعب لا يكون باحترام القواعد المعيارية، كما يرى المنظور السابق، بل على العكس تماما، إذ لا يمكن الحديث عن اللعب إلا بالخروج عن القواعد المعيارية، أي بأن نكون حريصين على أن نبتكر، في كل مرة، قواعد وأنظمة جديدة للعب، فاللعب هنا لا يعرف الثبات والاستقرار في أنظمته وقواعده، وإلا لما سمي إبداعا. فالرواية اليوم لا ينبغي لها أن تتشبّه برواية الأمس، ورواية الغد يجب ألا تماثل رواية الحاضر. وبمعنى أدقّ، فالرواية لا تكون جديدة إلا إذا كانت تتقن اللعب بالأنظمة السردية المستعملة، فاللذة، على حد تعبير رولان بارت، لا تتحقق باللعبة الجاهزة، بل بأن يكون هناك لعب”.
وبرأي الدكتور حسن لا بد من استحضار هانس ـ جورج جادامر الذي ينطلق من أنه لايمكن التفكير في الثقافة الإنسانية من دون عنصر اللعب، وأنّ الفنّ هو في أساسه لعب تحول إلى عمل فنّي، وأن اللعب مفهوم يسمح بإثارة مشكلة استقلالية الفن، هذه الاستقلالية التي تتأسس على اعتبار اللعب تمثيلا ـ ذاتيا، فمهمة الفن لا تتجلى في محاكاة عالم واقعي موجود مسبقا، فالفن هو شيء مستقل، ومنغلق على نفسه، ولا تشابه بينه وبين الواقع، وهو يجد لذّته في ذاته، باعتباره لعبا.
ولابد كذلك من الإشارة إلى فون نيومان مؤسس نظرية اللعب كمبحث جديد مستقل في الرياضيات، لها اليوم دور مهم في المعلوميات والاقتصاد السياسي والبيولوجيا، وتسربت إلى علوم إنسانية أخرى، وخلقت حيوية جديدة.
أما إذا انتقلنا إلى اللعب باعتباره أداة أساسا للإبداع وعلومه، فيمكننا ملاحظة أن الكثير من الدراسات النقدية المعاصرة (رولان بارت، جيرار جنيت، هنري ميتران، دومينيك فيار، بيير شارتيي، أوليفيي بيسار – بانكي، جاك جووي، بيير ـ لويس راي، بروس موريسيت، هايدي سيلفا أوكوا، دانييل بيناك، برونيل فيليب فورست...) تركّز على أن النص الأدبي هو في أساسه شيء لعبيّ، فالكلمات بمرونتها ولينها وطاقاتها الكامنة، وبإمكاناتها الإيحائية والترميزية، وبقدراتها المحتملة التي لا تنضب ولا تنفد، وبما تسمح به من قراءات وتفسيرات وتأويلات، ليست إلا أحد المظاهر الأكثر وضوحا على اقتران الكتابة باللعب.

التخييل الصالح
وبالنظر إلى الأدب الروائي الحديث، يلاحظ أن كتّاب ونقّاد الرواية الجديدة بفرنسا يحتلون مكانة مهمة عندما يتعلّق الأمر باستدعاء البنيات اللعبية كأداة للإبداع والتحليل. ويتفقون كذلك على أن في الآداب السردية المعاصرة من التراكم الكمّي والنوعي ما يدفع إلى الاقتناع بأن التخييل الصالح في الوقت الراهن هو الذي يحاول تفجير إمكانات التخييل إلى أبعد الحدود، وهو الذي يحاول أن يتحدّى التقليد، ويخلخل العقلانية المتضخمة التي تتحكّم في التقاليد الأدبية، ويكشف الجانب اللاعقلاني واللعبي في الإنسان وحياته وعالمه ومتخيله، وهو ما يفسر أن الرواية اللعبية اليوم هي غير الرواية اللعبية بالأمس.
وتوقف الدكتور حسن المودن عند رواية “لعبة النسيان” الصادرة سنة 1987 للكاتب المغربي محمد برادة’ وقال: “إن محمد برادة من الكتّاب العرب الذين تميزت كتاباتهم بهيمنة اللعب، ففي “لعبة النسيان” لا يمكن أن نفهم اللعب الذي هو شكل النص وبنائه وأصواته ولغاته، إذا لم نأخذ بعين الاعتبار أن لعبة النسيان هي اللعبة التي تسمح بالبقاء والاستمرار في الحياة؛ فهذه الرواية صرخة شعرية لإنسان محتدّ يتألم من فقدان أمّه، لكن الراوي بدل أن يأخذنا إلى أجواء الحزن والبكاء، يدعونا إلى ممارسة لعبة النسيان: نسيان الوجع وصداع الرأس وتحاشي ما يؤلم النفس، واستحضار الطفولة والذكريات الملأى بالحياة والحب واتخاذ اللعب والضحك والسخرية أسلوبا في الحياة.

الآخر فينا
كما توقف عند عدد من الروايات العربية من بينها رواية “القارورة” للروائي السعودي يوسف المحيميد التى قال عنها: “في “القارورة” نجد الآخر بالمعنى الخارجي، فالآخر هو ذلك الشخص الآخر الذي يختلف عن الذات، ويقع في الخارج بالنسبة إلى الأنا، كما نجده بالمعنى الداخلي، فالآخر هو هذا الغريب في دواخلنا، أو هذه الأنا الأخرى التي نجهلها أو نتجاهلها، أو هذه الأنا المقموعة المكبوتة المخفية، والتي توجد بداخل الذات نفسها. نسمي الأول الآخر الخارجي، ونسمي الثاني الآخر الداخلي.
تتأسس رواية القارورة على بنية ثنائية مزدوجة مؤسسة على لقاء بين فردين، شخصيتين، المثقفة الصحافية منيرة الساهي، والجندي الذي يحمل اسمين، علي الدحّـال وحسن بن عاصي” وله أكثر من وظيفة، عسكري برتية رائد، وجنديّ مراسل، وله أكثر من شخصية وأكثر من وجه وأكثر من أهل! “(ص 121).
أما منيرة الساهي فهي امرأة متعلمة مثقفة صحافية في مجتمع ذكوري لا يقبل بعد أن تقتحم المرأة العالم الخارجي، وأن يشتهر اسمها، وأن يعلن رأيها، كأنما الخارج هو فضاء ممنوع على المرأة خاصّ بالرجل.
وقد نجحت الصحفية منيرة في التحرر من قيود وتقاليد مجتمعها، وبدأت تؤسس نموذج المرأة التي تفكر وتبحث وتتساءل، المرأة الصحفية التي غامرت بكتابة زاوية خاصة بها كل ثلاثاء في جريدة المساء اليومية، فكان ظهورها للخارج، وبزوغ اسمها لعنة على أهلها ورجال قبيلتها (ص 71).
ليلة الثالث عشر من يوليو 1990، ولنلاحظ كيف يتكرر هذا التاريخ من بداية الرواية إلى نهايتها، ففي هذه الليلة، ستتعرّف منيرة الصحفية على أحدهم. اتصل يعلن إعجابه بما تكتب في زاويتها، فــ “دخل بفرسه البيضاء من أفق الكتابة ..(و) كشف لي عن قارئ متابع وواع وذكي ...، (و) كان محاورا جيدّا”، بل الأكثر من ذلك، فمن خلال هذا الاتصال الأول استطاع هذا القارئ أن يلمس شيئا ما في دواخل منيرة الساهي، أن يوقظ شيئا ما كان نائما.
وبعبارة أخرى، ففي الثالث عشر من يوليو عام 1990، “بدأ حسن العاصي يسلك الخط السريع إلى قلب منيرة” (ص 168)، ولما انتبه إلى “درجة الحب والحرمان لدى طريدته منيرة الساهي” (ص169)، شرع يوظف بذكاء روعة أفكاره ونعومة كلماته، فأحس بقلبها ينفرج قليلا، وجعلها تعطيه مساحة أكبر للتعبير عن نفسه. وبدأت مكالماته الليلية تطول، وسألته ذات ليلة عن اسمه، فقدم نفسه باسم: ابن الدحال. ومن الاتصالات الهاتفية إلى الاتصالات واللقاءات المباشرة، وسيتطور الحب إلى خطوبة، إلى عقد قران الزواج.
وفي ليلة الزفاف، ذاك المساء الحادي والعشرون من فبراير، وأمام الأقارب والأهل والأصدقاء والمدعوين، ستنكشف حقيقة ابن الدحال، الحبيب الذي ليس بعده حبيب، هذا الحبيب ليس رائدا في الجيش، بل اسمه الحقيقي هو حسن العاصي، متزوج وله أبناء، فهو ليس إلا مجرد جنديّ مراسل في مكتب الرائد صالح الساهي، شقيق منيرة الساهي. استغل غياب رئيسه في مهمة خارجية، واستغل ثقته وماله، وقرّر أن ينتقم منه من خلال أخته منيرة. هذه التي جعلها تصدق شخصيته الجديدة، فتدخل معه هي في علاقة حبّ حقيقي، اعتبرها هو منذ البداية مجرد لعبة يتحدى من خلالها زميليه اللذين يسخران من أحلامه الكبرى في التودد إلى بنت عائلة عريقة وراقية، وينتقم من خلالها من رئيسه/ شقيقها الذي قد يكون أهانه أو داس كرامته.
ما حدث أن هذا الذي اعتقدته منيرة حبيبها المعثور عليه، آخرها في صورته المثالية، لم يكن إلا شخصا ممثلا مزيفا، يؤدي دورا في مسرحية من خلالها يريد أن ينتقم من شقيقها، وهو لا يدرك ما يمكن أن تحدثه هذه اللعبة المزيفة بنفس امرأة صدّقت اللعبة، بمصير امرأة مثقفة تعلن التحرر في مجتمع ذكوري قاهر”.

اقرأ أيضا