الاتحاد

الملحق الثقافي

زهرة الشعر بين المزغنّي وأولاد أحمد

أن يقرّر شاعران من أهم شعراء تونس راهنا، أعني بذلك المنصف المزغني وأولاد أحمد، إصدار كتاب مشترك، فهذا له أكثر من مدلول وأكثر من معنى..
وأول شيء أريد أن أقوله هو أني سعيد، بهذا الكتاب. فهو ثمرة صداقة شعرية وإنسانية نشأت وتطورت بفضل الصراعات والمعارك الأدبية التي خاضها كل واحد منهما بطريقته ووسائله الخاصة، ولم يكن الهدف من ورائها غير السمو بشعرنا التونسي إلى المراتب التي نبتغيها له، وإبقاء الكلمة الجميلة نضرة وحية في الذاكرة وفي القلوب. ثم إني من جيل هذين الشاعرين.

بكل واحد منهما ارتبطت بعلاقة كانت تتوتر أحيانا، وتتوثق أحيانا أخرى، غير أنها لم تصل أبدا إلى القطيعة الحادة والعنيفة التي تفضي إليها العلاقات الموسومة بالأحقاد والضغائن.

مقهى الزنوج
عرفت الأول، أي المنصف المزغني، أواسط السبعينات من القرن الماضي، وقتها كانت الأجواء السياسية متوترة في البلاد بسبب المواجهات العنيفة بين النظام وبين التيارات اليسارية داخل الجامعة وخارجها. وكانت الشبيبة التونسية غاضبة إلى حد كبير. وكانت تعبّر عن غضبها هذا من خلال المنشورات السرية، والتظاهرات، والسجالات الساخنة داخل نوادي السينما.
وأنا كنت أتردد على مقهى “الزنوج” الذي كان يرتاده الغاضبون والحالمون بالثورة أمثالي. وذات يوم قدّم لي الصديق علي المهذبي شابا من مدينة صفاقس يدعى المنصف المزغني قائلا: “هذا شاعرنا مستقبلا!”. ورغم أن المنصف المزغني كان يتردد على القيروان أوائل السبعينات من القرن الماضي لزيارة المنصف الوهايبي ومحمد الغزي، كما سأعرف ذلك في ما بعد، فإني لم أكن قد سمعت باسمه حتى ذلك الحين. وفي تلك الفترة التي تعرّفت فيها عليه، كان المنصف المزغني يعمل مدرّسا في أرياف جندوبة. وفي عطلة آخر الأسبوع، كان يأتي إلى العاصمة ظامئا إلى الكتب والمجلات والمجالس الأدبية في مقهى “الزنوج” وفي غيرها من الأماكن.
وفي أول جلسة معه، قرأ المنصف المزغني بعضاً من قصائده، وجميعها كانت تعكس غضب الشبيبة وثورتها على كل ما هو قديم في الأدب وفي الحياة. وكانت مباشرة، إلا أن مباشريتها كانت مختلفة عن مباشرية قصائد جماعة “في غير العمودي والحر” إذ أنها كانت مصاغة بشيء من الإتقان، وخالية من الركاكة اللغوية التي كانت تطبع تلك القصائد. وكان واضحا أن المنصف المزغني كان يغرف من مصادر شعرية مشرقية أساسا، غير أن السّمات التي ستتميز بها شخصيته الشعرية في ما بعد كانت واضحة.
تعدّدت جلساتي مع المنصف المزغني وأعترف أنني لم أكن أشعر بالملل وهو يعيد قراءة قصائده. وقد يعود ذلك إلى أن هذه القصائد كانت تعطي شرعية لغضبي وغضب أبناء جيلي، وتجعلنا جميعا نتطلع بحماسة أكثر، وبأمل أكثر إلى الثورة العارمة التي كنا نحلم بها.
ثم اندلعت المواجهة الدامية بين النظام وبين النقابات، وسقط عشرات القتلى في العاصمة، وفي مدن أخرى. وعاشت البلاد أياما سوداء قاتمة. وكنا نظن أن السلاح انتصر على القلم، وأسكت الشعراء، إلا أن المنصف المزغني خرج علينا بقصيدة “عياش” التي يروي فيها بطريقة شعرية سردية استشهاد عامل بسيط لم يقترف أي ذنب سوى أنه كان يناضل من أجل كرامته وخبزه اليومي. وأذكر أن تلك القصيدة انفجرت في حياتنا الأدبية والاجتماعية مثل قنبلة، وسرعان ما انتشرت في جميع أنحاء البلاد مستنهضة الهمم، ومعيدة الحياة للأحلام والآمال التي كانت قد تهاوت ذاوية صفراء يوم المواجهة الدموية، أي يوم 26 يناير 1978، وقد استقبلت مختلف التيارات النقابية واليسارية قصيدة “عياش” بابتهاج كبير. بل إنها تسربت إلى السجون ليقرأها القابعون هناك بسبب أفكارهم ومواقفهم ونضالاتهم. ولم يلبث المنصف المزغني أن أصبح شاعرا جماهيريا بالمعنى الحقيقي للكلمة إذ أن قصيدته المذكورة باتت على ألسنة الكثيرين، وكانت بمثابة “المانيفستو” الشعري لضحايا المواجهة الدموية.
والحقيقة أن أي شاعر من شعراء تونس في تلك الفترة لم يكن يحظى بالجماهيرية التي كان يحظى بها شعراء المشرق العربي من أمثال نزار قباني ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور ومحمد الفيتوري وغيرهم. حتى أبو القاسم الشابي لم يصبح شاعرا جماهيريا إلا عقب وفاته بفترة طويلة. أما في حياته، فقد غمط حقه، وحقّر من شأنه، وحورب بشدة من قبل أشباه الشعراء الأمر الذي أجبره على “الهجرة” الأدبية مرسلا قصائده إلى مجلة “ابولو” المصرية التي احتفت بها احتفاء كبيرا. غير أن المنصف المزغني تمكن بفضل قصيدة “عياش” من أن يصبح شاعرا جماهيريا قبل أن يبلغ سن الثلاثين. ولأول مرة بادرت اللجان المشرفة على المهرجانات الكبيرة، مثل مهرجان قرطاج، بدعوته لإلقاء قصائده أمام جماهير غفيرة. ولم يخيّب المنصف المزغني ظن هذه اللجان بل أبدى براعة مذهلة في إلقاء قصائده، معتمدا في ذلك على المسرح والموسيقى. وبذلك استطاع أن يسيطر على المستمعين إليه بشكل لم يسبق له مثيل في الشعر التونسي الحديث.

انتعاش ثقافي
مطلع الثمانينات، استعادت البلاد عافيتها بعد حادثتين أليمتين، أحداث يناير 1978، وأحداث قفصة، يناير 1980. ولأن النظام تراجع عن سياسة القوة التي انتهجها حتى ذلك الحين، مطلقا سراح النقابيين والطلبة اليساريين، وسامحا لصحف المعارضة بالصدور، فإن القوى المعارضة أحسّت أنها حققت خطوة إلى الأمام باتجاه الديمقراطية المبتغاة، والحريات العامة التي كانت تطالب بها، ومن أجلها دفعت الثمن غاليا. وهكذا انطلقت الألسن تناقش القضايا الساخنة في البلاد، وتتحدث في الشأن العام، وخرج الكتاب والشعراء عن الصمت الذي كان مفروضا عليهم، وشرعوا يكتبون بحماسة ومرارة في مختلف المجالات. وبذلك انتعشت الحياة الثقافية مجدّدا، وظهرت أعمال فنية تعكس “الانتفاضة” الجديدة للشبيبة التونسية. وقد تجسّد ذلك من خلال مسرحية “غسالة النوادر” لفرقة “المسرح الجديد”، وأيضا من خلال أعمال قصصية وشعرية ونقدية. وكانت أشعار المنصف المزغني في طليعة الأعمال الأدبية والفنية التي عكست الموجة الطلائعية التي انبثقت عن التحولات المهمة التي كانت تعيشها البلاد في تلك الفترة. ولأني كنت قد انسلخت عن التيارات اليسارية التي كنت من أنصارها في السبعينات، فإني نشرت نصا بعنوان “مملكة الفتية الشرسين” فيه حاولت الدفاع عن آرائي وأفكاري الجديدة بخصوص الفن، والأدب، والثقافة عموما.
كما أنني ناصرت فيه أصواتا أدبية وشعرية كانت مناهضة لما يسمى بـ “الواقعية الاشتراكية”. وقد أثار هذا النص ردود فعل مختلفة لدى الأوساط اليسارية وغير اليسارية. وأما المنصف المزغني فقد استقبله بكثير من التحفظ المشوب بالغضب. وقد يكون على حق في ذلك. فأنا أهملته، ولم أكتب عنه ولا عن شعره. وكانت النتيجة أن اندلعت بيننا خصومة أدبية سوف تستمر لسنوات طويلة.
وكان نص “مملكة الفتية الشرسين” لا يزال يشعل حرائق هنا وهناك لما ظهر أولاد أحمد يابسا، غاضبا، محتدا، ومعتدا بنفسه أكثر من اللزوم. والحقيقة أني لم أتعامل معه في البداية بجدية فقد بدا لي دون مستوى المعارك الأدبية التي كانت تخاض في ذلك الوقت. غير أنه سرعان ما فرض نفسه بلسانه وبقلمه ليصبح مهابا من قبل العديد من الأطراف. ثم لم يلبث أن أصبح “نجما” بامتياز بسبب مقالاته النثرية اللاذعة التي كان ينتقد فيها الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها والتي سوف يجمعها في ما بعد في كتابه “تفاصيل” وعندما أجيء إلى العاصمة “كنت وقتها أعيش في القيروان”، كنت أراه جالسا إلى المنصف المزغني في مقهى “الزنوج” وقد انهمكا في تدبير ما يلزم للمعركة الأدبية القادمة.
وفي ذلك الصيف الذي ظهر فيه مقالي المذكور، صيف 1981، انعقد بالحمامات مؤتمر الشعر التونسي الحديث. ومنذ اللحظات الأولى، اشتعل الجدل ساخنا بيني وبين من كانوا يدافعون عن “الواقعية الاشتراكية” من أمثال المنصف المزغني وأولاد أحمد وأحمد الحاذق العرف والطاهر الهمامي وآخرين اختفوا الآن ولم يعد لهم وجود يذكر.. ورغم حدة المعارك التي كانت تندلع بيننا خلال الجلسات النهارية، فإننا كنا نهدأ في الليل، ونجتمع في غرفة هذا أو ذاك، أو نجلس قبالة البحر القريب منا، لنضحك ونغني، ونتبادل الأخبار والطرائف وكأن شيئا لم يكن. وكان أولاد أحمد أشد عنفا وشراسة من المنصف المزغني في التعامل مع خصومه.
ففي حين كان الثاني يميل إلى الحوارات الهادئة الرصينة، كان الأول يبتغي أن تكون المواجهة مع الآخر، أو مع الآخرين، شبيهة بمعارك البدو التي تستعمل فيها الهراوات والسكاكين. لذا سوف يشتد العداء بيني وبينه. في حين سوف تظل علاقتي بالمنصف المزغني باردة لا أكثر ولا أقل. فلما هوجم صاحب كتاب “تفاصيل” من قبل المتزمتين والقوى المحافظة، وبعض اليساريين بسبب مقاله الشهير “الايديولوجيا والتكنولوجيا” وقفت إلى جانبه. وفي أيام قليلة نشأت بيننا صداقة سوف تتعرض لبعض الرجات، لكنها لم تمت إلى حد هذه الساعة. وكانت هذه الصداقة مثمرة إلى حد بعيد إذ أنها ساعدتنا على القيام بأعمال مشتركة قد يكون لها تأثير مهم على مسارينا الأدبيين. وأنا لا أنسى أبدا الرحلات التي قمت بها مع أولاد أحمد. فقد التقيت به في باريس مطلع التسعينات، قبل تأسيس “بيت الشعر”. ومعا أمضينا أوقات لا تنسى في مقاهي “الحي اللاتيني”. كما أني دعوته إلى ميونيخ بصحبة المنصف الوهايبي وزهرة العبيدي، فأقاموا أمسية شعرية بديعة لا تزال حاضرة في ذاكرتي إلى حد هذه الساعة. ومن ميونيخ توجهنا بالقطار إلى بون حيث قرأوا قصائدهم في قصر قديم أمام نهر “الراين” بحضور عدد غفير من الديبلوماسيين العرب والأجانب. وكنت مع أولاد أحمد في برلين وفي امستردام وفي أماكن أخرى. ودائما كانت الأوقات التي أقضيها معه لذيذة وممتعة.
وبالنسبة للمنصف المزغني، يمكنني أن أقول إن علاقتي به توطدت بعد أن عدت إلى البلاد. وأظن أني نفذت الآن إلى خفايا شخصيته، وبدأت أدرك مراميه الشعرية أكثر من أي وقت مضى. وقد أكون ظلمته في يوم ما. وقد يكون ظلمني هو أيضا في يوم ما. غير أن الضباب انقشع الآن، ولم تبق بيننا سوى الصداقة والمحبة.
زهرة الشعر التونسي أينعت الآن. والمنصف المزغني وأولاد أحمد حريصان على رعايتها. كل واحد بطريقته وبوسائله الخاصة. وما داما متكفّلين برعايتها، فإن ربيع هذه الزهرة سوف يظل مشرقا ومتوهجا دائما وأبدا!

اقرأ أيضا