الاتحاد

الملحق الثقافي

المسرح في الإمارات.. حكاية تستحق أن تروى

للعام الثاني على التوالي وفي إنجاز جديد يضاف الى الفعل المسرحي في الدولة، حصدت مسرحية “السلوقي” ثلاث جوائز كبرى في “مهرجان المسرح الخليجي” في دورته الـحادية عشرة التي أقيمت في الدوحة في الفترة من 23 الى 29 ديسمبر الماضي. وعادت فرقة الفجيرة المسرحية بجائزة أفضل عمل مسرحي متكامل وجائزة أفضل نص للكاتب إسماعيل عبدالله وجائزة أفضل ممثل دور أول للمثل حميد فارس الذي قام بدور البطولة في هذا العمل المسرحي الذي جاء لافتاً بشهادة نقاد ومتخصصين في حقل المسرح، وبشهادة الحضور الجماهيري الكبير والتصفيق الحار الذي شهدته المسرحية بعد عرضها من مختلف الوفود المشاركة الذين أكدوا أنها تستحق الفوز، بعدما أبهرت جمهور المهرجان في آخر أيام عروضه المسرحية.

وجد الفوز أصداء إيجابية في الساحة المسرحية، واعتبر بلال البدور وكيل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع المساعد لشؤون الثقافة والفنون الذي استقبل وفد الدولة والفرقة المسرحية في المطار أن “التفوق الإماراتي بدأ مع الدورة الرابعة من المهرجان وهو مستمر حتى الآن بفضل الجهود المبذولة من قبل المسرحيين الإماراتيين”.

سرّ الخشبة
ها هنا مربط الفرس كما يقال، فهذه ليست المرة الأولى التي تحصد فيها الإمارات جوائز وتسجل حضوراً لافتاً في المحافل المسرحية العربية والعالمية، والنماذج كثيرة ربما تتأتى لنا فرصة للعودة لها في مرات مقبلة، لكن الشيء بالشيء يذكر، وما دمنا في حدث فوز السلوقي بالجوائز الثلاث فمن الطبيعي أن تكون نموذجاً لمقاربة بعض جوانب الحركة المسرحية في الإمارات. فهذه النجاحات المتواترة التي يشهدها المسرح المحلي في المحافل الخارجية لم تأت من فراغ بل هي تتويج لسنوات من العمل المخلص والجهد الحقيقي الذي يميز معظم المشتغلين في المسرح في الإمارات، وهذا سرّ تعرفه الخشبة التي لطالما شهدت عذاباتهم وسهرهم المضني في الليالي الحالكة وبحثهم المجتهد عن نص خلاق يقول الروح ويعلي من شأن الإنسان.
ومن يعرف كيف نشأت ونمت وتطورت الحركة المسرحية في الدولة، يعرف لا شك كم أعطى المسرحيون من جهدهم وتعبهم وكم عملوا بإخلاص في أقسى الظروف ليضخوا الحياة في جسد هذا الكائن الساحر، ويلمس تلك الروح العاشقة للمسرح، والإخلاص غير المتناهي للإبداع والرغبة في العمل والخلق من دون النظر إلى أي اعتبارات مادية أو وجاهات•
هذه واحدة، والثانية أن الفوز – أي فوز – وفي أي مجال يشي ويصرح بما يكمن وراءه من جهود او رعاية او اهتمام توليه المؤسسة او الدولة للمسرح، ففي السنوات الماضية استطاعت الدولة تأسيس بنية تحتية مسرحية بما في ذلك الكوادر والممثلين والمخرجين وكتاب النص وغيرهم من العاملين في المسرح، فضلاً عن تأسيس جمعية للمسرحيين تعنى بهم ومعهد للتدريب المسرحي ومسابقة للنص المسرحي علاوة على أيام الشارقة المسرحية ومهرجان المونودراما في الفجيرة، كل ذلك أسهم بلا شك في صقل الخبرات المسرحية لدى المسرحيين وفي إغناء خبراتهم وتجاربهم وتزويدها بالجديد في الحقل المسرحي عربياً وعالمياً.. وكان لابد لكل هذا أن يثمر، وقد أثمر ليس جوائز وعروضاً مسرحية جيدة ومهمة فقط، بل كرس سمة مهمة يتحلى بها المسرح في الإمارات وهي الرصانة والجدية وعدم الوقوع في حبائل المسرح التجاري وفخاخه، وهو الأمر الذي لم تنج منه تجارب أكثر عراقة (من حيث النشأة التاريخية) من المسرح في الإمارات. والمراقب الفاحص للمشهد المسرحي في الإمارات يستطيع ببساطة أن يلاحظ ذلك الميسم الإبداعي الذي تتميز به.

تكرار الفوز
من يذق طعم الفوز يستسغه ولا يستطيع التراجع عنه، لكن هذا وحده لا يفسر تكرار الفوز في عدد من التظاهرات المسرحية العربية وليس في مهرجان المسرح الخليجي. وربما يفسره ما قاله المسرحي حبيب غلوم مدير إدارة الأنشطة الثقافية والمجتمعية بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع رئيس الوفد الإماراتي إلى المهرجان، الذي رآى أن “تكرار الإنجاز على مدار 4 سنوات يؤشر إلى أن تلك الجوائز لا تعبر فقط عن القيمة الفنية المميزة للعمل المشارك، ولكنه يعبر أيضا عن تميز وتقدم المسرح الإماراتي بشكل ملموس وبخطى ثابتة”.
وبهذه الرؤية يصبح من الطبيعي أن يضع المسرحيون في اعتبارهم ما ينتظرهم من تحديات على هذا الصعيد وأن لا يركنوا إلى ما تحقق، فالمسرح يعطيك بقدر ما تعطيه، ويفتح لك فضاءاته بقدر ما تحلق في عملك. لهذا يؤكد غلوم أن “التحدي الأهم يبقى في المحافظة على المستوى الجيد والصيت الذائع الذي أصبح يتمتع به المسرح الإماراتي في مختلف المحافل الخليجية والعربية”.
وتزداد وطأة المسؤولية إذا ما قرأنا متابعات الصحف ووكالات الأنباء وما شهد به الممثلون عن المنافسة الشديدة التي شهدها المهرجان، وهذا لا يضفي أهمية على الفوز وحسب بل يؤشر على ما ينبغي فعله في المستقبل. وهذه نقطة وضع يده عليها المخرج حسن رجب، صاحب جائزة افضل مخرج في المهرجان ورئيس قسم المسرح في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، حين وصف المنافسة بأنها “كانت شديدة جداً بين العروض المشاركة”، وبالتالي فإن فوز مسرحية السلوقي بثلاثة جوائز كبرى “يعد إنجازاً رائعاً منوهاً إلى أن الفرقة المسرحية قدمت عملاً متكاملاً استطاع أن يلفت الأنظار بقوة خلال المهرجان”.
وهو ما أكد عليه أيضاً الفنان الشاب حميد فارس بطل “السلوقي” من أن الفوز بجائزة أفضل ممثل في أهم محفل خليجي مسرحي، وفي ظل وجود العديد من الأسماء المهمة في الساحة الخليجية، هو شرف كبير توازيه مسؤولية أكبر للتأكيد على أن هذا الفوز لم يكن وليد الصدفة، ومن أن فوزه هو نتاج تعاون سائر زملائه في العمل.
وفي السياق نفسه يرى الفنان المسرحي إسماعيل عبد الله، رئيس جمعية المسرحيين، أن “الإنجاز الذي تحقق لـ “السلوقي” يرسخ بالفعل المكانة المهمة التي يحتلها المسرح الاماراتي، ويأتي ثمرة لجهود طويلة من العمل الدؤوب والمخلص سواء على المستوى الرسمي المتمثل في المراهنة على دعم الحراك الثقافي، أو من الطاقات والمواهب المسرحية التي باتت حريصة على استثمار المناخ الإيجابي المشجع على الإبداع في مختلف مسارح الدولة”.
ولا تبتعد الفنانة المبدعة هدى الخطيب (بطلة السلوقي) في تعليقها على الفوز عن هذا المعنى، فقد رأت فيه “دليلاً على الطفرة التي شهدها المسرح الإماراتي خلال السنوات الماضية”.
وفي نظرة ثاقبة لطبيعة المسرح والطريقة التي ينبغي التعاطي بها مع هذا الفن المهم، بل ربما الأهم بين أشكال الإبداع الأخرى، تلفت الفنانة أمل محمد إلى أن “العمل المسرحي جهد متواصل لا مجال فيه للراحة، وأن عجلة التطور في العمل المسرحي وحصد الجوائز لا يعرفان التوقف”.

البدايات الأولى
يمكن العثور على بذور المسرح الإماراتي الأولى في المدارس والمقاهي الشعبية، كما في تجارب مسرحية عربية أخرى، فهناك بدأت الإرهاصات الأولى للمسرح• أما البداية الحقيقية للمسرح في دولة الإمارات فبدأت في مطلع ستينيات هذا القرن بعد التحول الاقتصادي الكبير في بيئة الدولة وخصوصاً بعد اكتشاف النفط واستثماره بشكل حكيم في تطوير وتحسين البنية المعيشية والاجتماعية للفرد في دولة الإمارات• وكان من أولويات ذلك إعطاء الجانب التعليمي الحصة الأكبر من الاهتمام من خلال إنشاء عدد كبير من المدارس وإيفاد البعثات الدراسية إلى خارج الدولة للاطلاع واكتساب الخبرات في شتى ميادين العلم والمعرفة والثقافة• وقد أدى ذلك إلى تغيير النظرة إلى فن المسرح في ذلك الحين وأصبح هنالك وعي حقيقي بضرورة فن المسرح ودوره الإيجابي في بناء الإنسان والمجتمع.
وانطلاقاً من ذلك بدأت بعض المدارس في الدولة بإنشاء فرق مسرحية داخل هذه المدارس وتقديم بعض المسرحيات ذات الطابع الوطني والتاريخي، ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى أن مدرسة القاسمية في الشارقة هي السباقة في انطلاق النشاطات المسرحية في الدولة، ثم تبعتها بعد ذلك مدرسة القاسمية في إمارة رأس الخيمة، ثم أخذ المسرح يتطور بشكل سريع وبدعم واضح من وزارة التربية والتعليم والشباب التي ساعدت على إنشاء فرقة المسرح القومي للشباب في دبي التي استقطبت أيضاً مجموعة من هواة فن المسرح في إمارة عجمان ورأس الخيمة•
إلا أن الخطوة الأولى للمسرح في الإمارات قد تحققت عام 1963، عند مجيء واثق السامرائي إلى دبي ليحقق أول نقلة موضوعية مسرحية في الإمارات، بعد أن وجد تعاوناً من الشباب المسرحي المتحمس أمثال جمعة غريب ومحمد الجناحي وعبيد بن صندل ومحمد ياسين وسلطان الشاعر وغيرهم• بعد هذه البدايات تكونت فرق ومجاميع مسرحية في النوادي وجمعيات الفنون الشعبية، كانت تظهر لفترة ثم تختفي لتظهر محلها أخرى تباعاً وحسب الأنشطة السنوية لهذا النادي أو تلك الجمعية، حتى أشهرت أول فرقة مسرحية مستقلة عام 1972م باسم (المسرح القومي للشباب) بدبي• وضم هذا المسرح طليعة من الفنانين منهم: عبيد بن صندل، ظاعن جمعة، إبراهيم جمعة، عبد الله المطوع، عيد الفرج، سعيد يوميان، عبد الله بالخير، موزة المزروعي، حمد سلطان، أحمد غنيوات، جمعة غريب•
وانطلقت عجلة العمل المسرحي يحدوها هاجس اساسي تمثل في تلمس إمكانيات التأسيس والبحث عن منفذ بغية التكوين. وقد اعتمدت في البداية على جهود فردية واعتمد فيها الهواة وأنديتهم على تمويل من تبرعات الأهالي. ثم بدأ إشراف الدولة رسمياً بغية تجميع الفنانين في فرقة واحدة (المسرح القومي للشباب)، حيث تمت دعوة المسرحي زكي طليمات من قبل وزارة الإعلام والثقافة (وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع حالياً) لترتيب البيت المسرحي.

العشاق الأوائل
مع كل فوز يتحقق يستذكر المرء أولئك الذين وهبوا أجمل ما في أعمارهم للمسرح، الحقيقيون في الانتماء الى الخشبة حدَّ النوم في جنباتها. يقفزون الى الذاكرة طازجين كما لو أنهم يشاهدون أحياء يشاهدون ثمار الغرس الذي اينع هنا، في هذه الأرض التي احتضنت أحلامهم وجنونهم وهذيانهم: زكي طليمات، الذي جال لمدة شهرين في الإمارات السبع ليكتب تقريراً (من الواقع وليس من مكاتبهم كما يحدث في هذه الأيام) عن كيفية النهوض بالحركة المسرحية، وصقر الرشود الذي كان له الدور الكبير في وضع مخطط علمي وتنفيذي للنهوض بالحركة المسرحيةً. ومع وصوله الى الامارات متسلحاً بتجربة غنية ستشهد الحركة المسرحية في الإمارات دماً جديداً فواراً وعابقاً بعشق المسرح. ولقد تركت تجربة صقر الرشود أثرها في الكويت وفي الإمارات، وما زال المسرحيون يكنون له التقدير الكبير إلى الآن ويرون فيه ظاهرة لافتة في المسرح، ورغم أن الفترة التي قضاها الرشود في الإمارات قصيرة نسبياً إلا أنها ذات أثر جوهري ما يزال ماثلاً إلى الآن إن على المستوى الإداري والفني والتنظيمي أو على المستوى الإبداعي في المسرح• بيد أن الموت خطف صقر الرشود خلال قيامه بواجبه في المنطقة الشرقية من الإمارات ليبقى إبراهيم جلال وحده في مواجهة هذا الكم الكبير من العمل المسؤول والقلق الذي تحمله إبراهيم جلال بجدارة قبل أن يعود إلى بغداد•
وفي مرحلة لاحقة يذكر المرء التونسي المنصف السويسي الذي جاء محملاً بنهضة وآفاق التجربة التونسية، وفي جعبته خطة عمل طموحة• ومن العشاق القدامى ايضاً الفنان الكويتي فؤاد الشطي الذي حمل أسلوبه المتفتح الذي يتفاعل مع الآخر بطريقة حميمة، وجاء باحثاً عن وسائل جديدة للتعبير وعن حاجات جديدة للقول المسرحي من خلال استفتاء الأشكال المتحولة ومادة العرض من حاجة الناس في الإمارات إلى التعبير• ويصف عبيدو باشا محاولة الشطي في مسرح الإمارات بأنها عملية جريئة لأنها (حاولت أن تختصر تاريخا مأزوماً، إلى صورة مشرقة، وتخطى الفصحى إلى اللغة المحلية، من خلال أدوات مغرقة في البساطة، وبلغة فنية بكرية، من دون عقد). وفي وسط عقد العشاق الذين أحبوا مسرح الإمارات وانعجنوا فيه المخرج جواد الأسدي صاحب المنهج المغاير جداً للمناهج الفنية الأخرى، إذ بدأ عمله بدورة مسرحية ليؤكد على حوار الجسد ويقدم رؤاه الفكرية والفنية مضيفاً دماً جديداً للحركة المسرحية، ومنه وعلى يديه تتلمذ واحد من أكثر المخرجين إبداعاً هو ناجي الحاي الذي “شرب الصنعة من الأسدي” فأعطى للمسرح الإماراتي أجمل مسرحياته. الأسماء كثيرة يصعب رصدها كلها لكن تجربة مثل تجربة عبد الإله عبد القادر أو قاسم محمد أو محمود أبو العباس أو يوسف عيدابي أو عوني كرومي لا يمكن أن يتجاوز المرء أثرها المهم في الحركة المسرحية المحلية، إن لجهة الكتابة والنقد والتأليف أو لجهة الإخراج.

حضور لافت
شاركت الإمارات في معظم المهرجانات المسرحية العربية المهرجانات المسرحية العربية في بغداد والقاهرة ودمشق وقرطاج ودول الخليج العربية، وحصل المسرحيون الإماراتيون على العديد من الجوائز ولفتوا اهتمام النقاد العرب بما قدموه من أعمال، منذ حصول سميرة أحمد وأحمد الجسمي على جائزة تقدير مهرجان قرطاج منذ العام 1986 عن مسرحية “بو حمدة” من تأليف وإخراج جواد الأسدي ومروراً بالإشادة الدائمة بفريق الإمارات المشارك في مهرجان دمشق المسرحي، وجائزة مهرجان القاهرة التجريبي وانتهاء بفوز مسرحية “باب البراحة” لناجي الحاي بمعظم جوائز المهرجان المسرحي الخليجي في الدوحة، حيث عاد الوفد المسرحي الإماراتي من هناك بست جوائز منها: جائزة المهرجان الكبرى، وجائزة أفضل عمل متكامل، وجائزة أفضل نص مسرحي فيما قررت لجنة التحكيم جائزة التمثيل للممثلين الأربعة في العمل وهم: أحمد الأنصاري وعبد الله صالح ومرعي الحليان وإبراهيم سالم.
وعودة إلى مسرحية “السلوقي” ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الاستفادة من النصوص العالمية في المسرح المحلي، فعلى امتداد التجربة هناك الكثير من النصوص الأجنبية التي قدمت على مسرح الإمارات ولا تخرج “السلوقي” عن هذا القوس من المثاقفة المسرحية. و”السلوقي” مستوحاة من المسرحية العالمية “قلب كلب” رواية الكاتب الروسي ميخائيل بولغاكف التي أنجزها مطلع عام 1925 لكنها ظلت مغيبة اكثر من 60 عاماً بسبب جرأتها على انتقاد الواقع السياسي في الاتحاد السوفياتي السابق، ولم تخرج الى العلن إلا في العام 1987. والرواية لغز سياسي، طبي، ومكتوبة بطريقة شيقة جداً، بل هي حلم خيالي يسفر عن نظرة ثاقبة ورؤى تحليلية تعبر عن ذكاء حاد في تحليل الأدران السياسية التي كانت قد حملتها ثورة 1917 البلشفية في روسيا. ويذهب نقاد إلى أنها قراءة مبكرة لما آل إليه الاتحاد السوفييتي.
بطل الرواية كلب تحول الى إنسان بعد أن زرعوا فيه غدة نخامية لإنسان، لكن الروائي – في عملية تخييل عجيبة – يرصد كيف أن هذا المخلوق الجديد (الإنسان المخترع) ظل بقلب كلب. من هنا، من هذه الفجوة او السقطة التي يمكن للعلم ان يجترحها كما يمكن للسياسة ان تسقط فيها، تبدأ الإسقاطات الرمزية والإشارات النقدية للمجتمع الروسي.
والرواية الأصلية هي عمل جريء بشكل مذهل. عمل يقيم الفارق بين العالم والجاهل وبين المنتج والمستهلك، ويحث على ان يأخذ كل إنسان مكانه الصحيح وأن يحصد نتاج ما يعمل.
لم أر الرواية في شكلها المسرحي، لهذا لا يمكنني الحديث عن النهج الذي اتبعه المؤلف في صياغته المسرحية لهذا العمل الإبداعي العميق... لكن المرء يمكن أن يتكهن بأن شيئاً من هذا العمق الجمالي والفلسفي تسرب الى العرض المسرحي، يدلل على صحة الذهاب الى قول كهذا ما حازته المسرحية من الجوائز.



تأصيل
شاركت الإمارات في جميع دورات مهرجان المسرح الخليجي للفرق المسرحية الأهلية. وسبق أن فازت في الدورة السادسة للمهرجان بجائزة المهرجان الكبرى، وجائزة أفضل عمل متكامل، وجائزة أفضل نص مسرحي عن مسرحية “باب البراحة” للمخرج ناجي الحاي، فيما قررت لجنة التحكيم منح جائزة التمثيل للممثلين الأربعة في العمل وهم: أحمد الأنصاري وعبد الله صالح ومرعي الحليان وإبراهيم سالم. كما فازت الإمارات بجائزة أفضل عرض مسرحي في الدورة العاشرة للمهرجان عن مسرحية (اللوال) الإماراتية التي فازت أيضاً بجائزة الشارقة الكبرى للإبداع المسرحي والتي تبلغ قيمتها 100.00 درهم إماراتي. وحاز إسماعيل عبدالله على جائزة أفضل نص ومحمد العامري على “افضل سينوغرافيا”، وسعيد بتيشة على جائزة أفضل ممثل دور أول مناصفة فيما حصلت فاطمة عبدالرحيم جائزة أفضل ممثلة دور اول.
أما حكاية مهرجان المسرح الخليجي فبزغت في العام 1984 حيث طرحتها فرقة مسرح السد القطري، وبعد تبلور الفكرة من خلال الاجتماعات واللقاءات ترجمت إلى واقع حيث تم مساء الخميس الموافق 25 -10 1984 نفسه الموافقة على عدة نقاط منها: التعريف بالمهرجان من خلال الصيغة التي وردت في ورقة العمل الخليجية الموحدة وهي: إن المهرجان تجمع ثقافي مسرحي عربي يجري تنظيمه بصفة دورية في إحدى دول الخليج العربية مرة كل سنتين في فصل الشتاء، ويعتمد المهرجان على تقديم عروض مسرحية متنوعة ومتميزة تصاحبها بعض الفعاليات الثقافية لتكون أساسا للتعارف وتبادل الخبرات وتقييم الحركة المسرحية في منطقة الخليج العربي. كما وافق المجتمعون أيضا على تشكيل اللجنة العليا التنظيمية للمهرجان للإشراف على فعالياته المختلفة إضافة إلى أسس اختيار العروض والبرنامج والمصادر المالية وغيرها من التفاصيل المتعلقة بالمهرجان.
واستكمالا لاجتماعات المسرحيين التي عقدت في دولة البحرين في شهر أكتوبر من العام 1984 عقد في دولة الكويت اجتماع في ابريل عام 1985 حضره المسرحيون المنتجون من المسارح الخليجية في الإمارات والبحرين وقطر والكويت كما حضره ممثلو اللجنة العليا وهم: عبدالله المناعي وإسماعيل عبدالله عن الإمارات، الدكتور إبراهيم غلوم ومحمد الجزاف عن البحرين، عبد الرحمن المناعي وحمد الرميحي عن قطر، واحمد الصالح وعبد العزيز السريع عن الكويت حيث شكلوا هيئة المكتب التنفيذي ومقره البحرين وأعلن السريع الانتهاء من وضع تصورات مشروع المهرجان.

أيام الشارقة المسرحية
يمكن القول إن تظاهرة أيام الشارقة المسرحية من أهم العوامل التي ساعدت على تطور وازدهار المسرح في الإمارات، كما أنها الملمح الأبرز في الفعل المسرحي في الدولة، وقد تأسست عام 1983 واعتبرت محطة جديدة ومنعطفاً مهماً في الحياة المسرحية في الإمارات لأن هذه الأيام أصبحت تقليداً ومظهراً من مظاهر الحياة المسرحية، إضافة إلى أن أيام الشارقة المسرحية ارتبطت بضرورة تنشيط البيت المسرحي من الداخل والتنافس ما بين الفرق المسرحية والاحتكاك فيما بينها. والواقع أن الفرق المسرحية في الدولة تستنفر كل طاقاتها لتوظفها لخدمة العروض المشاركة في هذه الأيام، إضافة إلى ما يقام على هامشها من ندوات نقاشية نقدية حول العروض إلى جانب الندوات الفكرية عن المسرح المصاحبة لهذا المهرجان ومشاركة رمزية لفرق مسرحية عربية وأجنبية على هامش الأيام، لهذا كله أصبحت أيام الشارقة المسرحية ظاهرة نوعية على صعيد الفعل المسرحي في الإمارات•

معهد للفنون المسرحية
مع تطور الحركة المسرحية في الإمارات العربية المتحدة والشارقة بالذات كان لابد من الالتفات إلى تنمية الكوادر المسرحية ورفد الساحة المسرحية بوجوه ودماء جديدة، ومن الصعب أن يتم ذلك من دون وجود أكاديمية أو معهد يتلقى فيه الهواة أصول الفن المسرحي على نحو متخصص، وأن يستفيدوا من التقنيات الحديثة الهائلة في المشهد المسرحي لإثراء التجربة ونقلها من الهواية إلى الاحتراف• ولهذا جاءت المبادرة لإقامة معهد الشارقة للفنون المسرحية كرد فعلي عن الحاجة الملحة لصرح ثقافي تعليمي قائم بذاته ليؤسس ويطور ثروة فنية وفكرية وجمالية قائمة على تصورات حديثة، فالمسرح اليوم أكثر علوماً وفلسفة وحركة تعبيرية هائلة مشحونة بالمعلوماتية والحداثة في صياغة علاقته الدائمة بالعمق الإنساني والحضاري•
وقد شيد المعهد على غرار أحدث المعاهد العلمية لفن المسرح في العالم من حيث ترتيب قاعات المحاضرات والتدريب العملي للتمارين المسرحية إضافة إلى مكتبة مسرحية وقاعات استقبال أنيقة وتتوسطه قاعة مسرح فخمة مجهزة بمسرح ذي تقنيات حديثة في الإضاءة والصوت والديكور وغرف المكياج والأزياء إضافة إلى أماكن جلوس المشاهدين المريحة التي تتيح المشاهدة الممتعة.

اقرأ أيضا