الاتحاد

الاقتصادي

نورمان بورولوج.. ينقذ الملايين من الموت جوعاً

حسونة الطيب (أبوظبي)

نورمان بورولوج، مهندس زراعي وبروفيسور أميركي، هو أبو الثورة الخضراء التي حدثت بفضل الزيادة في معدلات الإنتاج واستخدام التقنيات المختلفة من مبيدات وأسمدة وغيرها، ما ساهم في تقليص نسبة الجوع والفقر وإنقاذ مئات الملايين من الموت جوعاً. أجرى العديد من البحوث في المكسيك لتطوير فصائل من القمح تتسم بقصرها وزيادة إنتاجيتها ومقاومتها للأمراض.

في منتصف القرن الماضي، أخذ بورولوج هذه الفصائل، بجانب تقنيات الإنتاج الزراعي الحديثة، للمكسيك والهند وباكستان. ونتيجة لذلك، أصبحت المكسيك مصدراً كبيراً للقمح بحلول 1963. وفي الفترة بين 1965 و1970، أوشك ناتج القمح، أن يتضاعف في كل من الهند وباكستان، ليتحسن الأمن الغذائي بعد ذلك في هذه البلدان.

وأطلق على هذه الزيادات مجتمعة لفظ الثورة الخضراء، التي ساعدت في إنقاذ ما يزيد على مليار شخص من الموت جوعاً حول العالم، نتيجة إسهامات بورولوج العلمية والعملية. واعترافاً بهذه المساهمات في السلام العالمي من خلال زيادة الأمن الغذائي، تم منح بورولوج جائزة نوبل للسلام في 1970.

وربما من أكبر إنجازاته، محاولاته غير المحدودة لدمج أطياف مختلفة من البحوث الزراعية، في تقنيات مفيدة وإقناع المسؤولين بتحويل هذه الإنجازات لمشاريع مثمرة.

ومن أصول نرويجية، نشأ بورولوج في ولاية أيوا، حيث تعلم أخلاقيات مهنته في مزرعة أسرية صغيرة للزراعة والماشية. وفي 1944، شارك في برنامج للمساعدة الفنية في مؤسسة روكفيلر في المكسيك، بهدف تحسين نوعية القمح. وعلى مدى 16 عاماً في المؤسسة، عمل بورولوج، من أجل حل جملة من مشاكل القمح التي تحد من زراعته ولتدريب جيل كامل من العلماء المكسيكيين. وانعكس تأثير هذه الفترة بشدة على الإنتاج الزراعي ليس في المكسيك وحدها، بل في العديد من بقاع العالم الأخرى.

وبفضل محطات البحث والحقول الزراعية في المكسيك، نجح بورولوج، في تطوير أجيال متعاقبة من أنواع القمح ذات المقدرة على مقاومة الأمراض والتكيف على الظروف المناخية المختلفة، مع مقدرة فائقة على تحقيق إنتاجية عالية للغاية.

ونجم عن فصائل القمح الجديدة وممارسات إدارة المحصول المحسنة، حدوث تغيير كبير في الإنتاج الزراعي في المكسيك إبان أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وفيما بعد في آسيا وأميركا اللاتينية، ليتولد على إثرها ما يعرف اليوم بالثورة الخضراء. ونسبة لإنجازاته في محاربة الفقر والمجاعة والبؤس حول العالم، يقال إن بورولوج ساهم في إنقاذ أرواح أكثر من أي شخص أخر عبر التاريخ.

ومنذ نشأته، طاف بورولوج، معظم أرجاء العالم سعياً وراء زيادة غلة أكبر محصول للحبوب في العالم. وفي ستينيات القرن الماضي، وعندما أوشكت آسيا على الدخول في مجاعة، تمت دعوة بورولوج لتقديم الاستشارة، ليجلب معه خطط الإكثار للقارة ولمنطقة الشرق الأوسط، بجانب تشجيع الحكومات على استخدام الأسمدة وطرق الزراعة الحديثة وتحسين البنية التحتية. وباستخدام الطرق التي نصح بها، تمكنت آسيا من تفادي المجاعة وإنتاج مواد غذائية تكفي حاجة الناس. وفي عام 1968، أطلقت جامعة هيوستن لقب الثورة الخضراء على جهود بورولوج، حيث وفرت فصائل القمح التي طورها، 23% من السعرات الحرارية في الغذاء العالمي.

وبينما زاد عدد سكان الهند لأكثر من الضعف، ارتفع معدل إنتاجها من القمح بما يزيد على ثلاث مرات، لتبلغ مرحلة الاكتفاء الذاتي من أنواع الحبوب كافة بحلول 1974. كما تقدمت باكستان، من إنتاج 4.6 مليون طن من القمح في 1965، إلى 7.3 مليون طن في 1970، لتصل إلى 21 مليون طن بحلول العام 2000 بفضل تقنيات بورولوج والهند من 11 مليون إلى 60 مليون طن. وفي ثمانينيات القرن الماضي، دخلت الهند السوق العالمية لتصدير الحبوب.

ومع أن نجاحات بورولوج، هي الأكبر التي تقوم شركة فورد ومؤسسة روك فيلر، بتمويلها، لكنها تراجعت عن تمويل جهوده الأخيرة الخاصة بنقل تقنيات الحبوب عالية الإنتاجية إلى قارة أفريقيا. ويعود ذلك، لأسباب مناهضة المجموعات البيئية لمثل هذه الجهود ولافتقار العديد من الدول لسعة الري وللبنية التحتية للطرق، المطلوبة للشاحنات التي تقوم بنقل الأسمدة. وبينما انصب تركيز البحوث على المجاعة، فإن حالات الموت الكثيرة الناتجة عن نقص الغذاء، تعود أسبابها لسوء التغذية خاصة بين الأطفال. وفي العام 1980، وعندما بدأ تطبيق الثورة الخضراء في معظم أرجاء العالم، تمتع 47% من أطفال العالم بنمو ملفت في الدول النامية. وبحلول عام 2000، تراجعت النسبة إلى 33%. وساهمت هذه الثورة، في وضع اللبنة الأساسية للغذاء السليم، من خلال زيادة السعرات الحرارية المتاحة والبروتين لسكان الدول النامية. ويرى عالم الإحصاء آمي بيرس، أن الثورة الخضراء أسهمت في إنقاذ أرواح 145 مليون شخص من الموت جوعاً، نتيجة لتحسين نوعية الغذاء. وفي الفترة بين 1950 إلى 1992، ارتفع حصاد العالم من الحبوب من 692 مليون طن على مساحة قدرها 1.7 مليار فدان من الأراضي الزراعية، إلى 1.9 مليار طن في مساحة قدرها 1.73 مليار فدان، بزيادة في إنتاجية الفدان تتجاوز 150%. وفي غمرة استمراره تسجيل النجاحات الزراعية، بدأ بورولوج في مواجهة بعض مناصري البيئة الذين شجبوا استخدامه للمبيدات والأسمدة وقنوات الري وغيرها. ويؤكد الرجل، أنه وبدون اللجوء للتقنيات الزراعية الحديثة، ينبغي زراعة مساحة تساوي مساحة الولايات المتحدة الأميركية، حتى تكفي لتوفير الغذاء للعدد المتزايد من سكان العالم. لذا، ساهمت هذه الثورة، أيضاً في توفير المزيد من الأراضي للحياة البرية أكثر من أي مبادرة بيئية أخرى على مر التاريخ.

وعلى الرغم من كل هذه النجاحات الكبيرة، تعرض بورولوج لانتقادات عديدة من قبل البعض مثل، عالم البيئة الهندي فاندانا شيفا، الذي رأى أن الاعتماد الطويل على فصائل بورولوج الجديدة، تتسبب في تقليل خصوبة الأرض والتنوع الجيني وفي تعرية التربة وزيادة تعرضها للآفات.

وبالإضافة إلى الأسمدة العالية التكلفة، تتطلب أيضاً حبوب بورولوج عمليات ري مكثفة، العاملان غير المتوافران، حيث يرى فاندانا، أن هذه الثورة قادت إلى فقر في الريف وتراكم للديون ولعدم المساواة الاجتماعية، بجانب تهجير أعداد كبيرة من المزارعين. ويعتقد البعض، أن فائدة هذه الثورة، ذهبت للشركات الزراعية الكبيرة على حساب صغار المزارعين البسطاء.

وخلال السنوات الأخيرة من عمره وقبل وفاته في العام 2009، اتجه بورولوج للمحاصيل المعدلة وراثياً، كأفضل أمل يعد بوفرة في المواد الغذائية في المستقبل. وقال خلال إحدى الندوات: «الحضارة بتعريفها الحالي، لن يكون في مقدروها إحراز أي تقدم، من دون توافر كميات كافية من المواد الغذائية الملائمة. ويستند أول عنصر مهم في العدالة الاجتماعية، إلى توفير الغذاء للكل بصرف النظر عن أي فروق عقدية أو سياسية أو جنسية أو غيرها».

اقرأ أيضا