الاتحاد

دنيا

الحرف التقليدية.. ذهب الزمان وضوْعُه العطرُ

دورات من الجدات للحفيدات

دورات من الجدات للحفيدات

يتألق متباهياً بحضوره وهو يجتاز القرون مصاحباً للأرواح التي توارثته، وينتشي بوعد البقاء والسفر من الحاضر إلى المستقبل، ممتشقاً الألق ومتماهياً مع كف عذراء تصوغ حسنه، ومدللاً بحنين الجدات الساهرات على تنشئته·· هو المدافع عنا وسط التيارات التي تأتي حاملة التغريب واللاهوية، فالغالبية هنا تنتخبه وتعطي أصواتها له من دون أن يعني ذلك الانغلاق أو رفض التعاطي مع التقنيات الحديثة·

إنه التراث الذي يسكننا ونحمل له الولاء، والذي نطوره مع الأيام المفعمة بالجديد من نبع العلم الذي لا ينضب، وهو المرغوب سواء كان أدوات أو أزياءً أو موروثاً شعبياً مسموعاً، وصولاً لنكهته في أطباقنا الشعبية، أو أركان بيوتنا ومكاتبنا والمباني التي تناطح السحاب لكنها لا تنسى أن تتألق بلمسة تراثية من المعمار المحلي العربي أو الإسلامي·
مراكز التنمية الاجتماعية واحدة من المؤسسات التي اعتنت عناية خاصة بالتراث، وأقامت له العديد من الدورات والفعاليات من أهمها مشروع الأسر المنتجة التي تعرض المنتجات التراثية التي يتم تطويرها وإضافة اللمسات التراثية بصياغة مبتكرة تتناسب والحاضر بالإضافة الى المشغولات الحديثة المزينة بمفردات التراث المختلفة·
معزوفة الأصالة
فاطمة سبيعان- مديرة مركز التنمية الأسرية في دبا الحصن- ترى أن رغبة الإنسان في الوصول إلى أعلى درجات العلم لا تتعارض مع حرصه على تراثه وجذوره، فأصالته تدفعه نحو التمسك بكل ما له علاقة بالماضي ليستمد شحنات دافقة بالرغبة نحو المستقبل ونحو تطوير ذاته· وهو في الوقت نفسه، يعتبر تحدياً للمنتجات الحديثة التي فرضت نفسها على كل شيء، والكل يأخذ منها ما يتناسب واحتياجاتنا، ولا يعني تذكر الماضي والتحدث عنه- وتداول ما له علاقة به - ألا نجاري الحاضر ونستعد للمستقبل، ومن هذا المنطلق تسعى مراكز التنمية دوماً لإبقاء التراث حاضراً ولكن في أثواب جديدة مواكبة لما يدور ويحدث حولنا·
عصفوران بحجر
وأضافت سبيعان: إن مشروع الأسر المنتجة فكرة فذة تبقي تراثنا في مأمن من الاندثار، وذلك عن طريق احتضان الأسر المنتجة وتدريب السيدات والفتيات وتأهيلهن وتسويق منتجاتهن، وهي في الوقت نفسه تساهم في تحسين أوضاع الأسر المعيشية، وهكذا تضرب عصفورين بحجر واحد، أي تحقق هدفين أولهما حماية التراث والثاني تنمية الأسر وزيادة الدخل· وقد أبرزت المعارض المختلفة مهارات هذه الأسر والسيدات القائمات عليها، وأتاحت لهن الفرصة لتطوير المنتجات والمحافظة في الوقت ذاته على الحرف والمشغولات اليدوية التراثية·
ومن السيدات اللاتي برعن في حرفة صنع التلي وهو تلك الشرائط الفضية او الذهبية الثمينة والتي تزين بها الملابس النسائية- فاطمة أحمد محمود- وهي تعتبر إحدى الرائدات الحارسات للتراث، وتقول إن الإقبال على هذه المنتجات لم يتغير منذ طفرة النفط إلا نحو الأفضل، لأن الفئة المتعلمة من الفتيات الجامعيات أصبحت تهتم بهذا النوع من التراث عبر العروض التي تقام للأزياء الحديثة المطرزة بالماضي وتراثه· وهناك من أدخلن الإكسسوارات الحديثة إلى المنتجات ذات الطابع التراثي، فيما تعلمت بعض السيدات خلط العطور والدخون، وصنع الكريمات المعطرة للجسم بروائح في الغالب عربية، لأنها مرغوبة أكثر فيما قمن بإدخال العطور الفرنسية إلى العربية وكذلك إلى الكريمات أيضا· وتمكنت الكثير من السيدات من صنع حقائب وإكسسوارات للشعر بلمسات شعبية وحديثة، فمثلاً المشب وهو القطعة التي تصنع من السعف وكانت تستخدم كمروحة خاصة لتبريد الطعام الساخن أو إحماء الجمر والتي لم تعد تستخدم اليوم، لا يزال يتم إنتاجها وتزين بالتلي وترش باللون اللامع ثم توضع في إطار وتقدم كهدايا تعلق في الغرف· وهناك الجفير التي كانت تستخدم كحقيبة لحمل الاحتياجات من السوق إلى المنزل، كما كان يعلق لحفظ الطعام بعيداً عن القطط، وهو اليوم ينتج أكثر من الماضي حيث تزين به واجهات المنازل والبعض يستخدمه لحفظ المجلات والصحف، أو لحفظ ألعاب الأطفال·
تجارة رابحة
وتوافقها مريم سليمان سعيد التي لا تزال منذ الأمس البعيد تنتج القطع الفخارية التي تقوم اليوم بزخرفتها بما يتناسب والبيت العصري، وهو ما تفعله أيضاً أم عبدالله وأم أريام وأم عمر التي أكدت لنا أن من يرغب في تجارة مربحة عليه التوجه لمن يصنع المستلزمات والإكسسوارات والملابس والعطور من روح الماضي، لأن كل ما له لمسة تراثية مطلوب اليوم وغداً، ولذلك فإن غالبية الفتيات والسيدات سواء كن خريجات جامعيات أو ربات بيوت أو موظفات يبحثن عن الدورات التي تهيئهن لصنع المنتجات ذات الطابع التراثي، وقد دخلت أم عمر دورة في تعلم تزيين الفخار ليصبح تحفاً فنية راقية تنافس أغلى القطع الفنية في أي مكان·

اقرأ أيضا