الاتحاد

منوعات

«إيتانا» نموذج للمكتبات الحديثة في قلب دمشق

مكتبة “إيتانا” التي افتتحت مؤخراً وسط العاصمة دمشق، وتعد مشروعاً حضارياً يخدم الأسرة السورية

مكتبة “إيتانا” التي افتتحت مؤخراً وسط العاصمة دمشق، وتعد مشروعاً حضارياً يخدم الأسرة السورية

تبدي السورية أمل زيادة الكثير من البهجة والفرح وهي تتحدث مع طفلتها رنا التي لم تبلغ العاشرة من عمرها، لأنهما عثرتا أخيراً على مكتبة وسط دمشق تحتضن الأطفال في أحد أيام الأسبوع. وتوفر لهم علاقة حميمية مع الكتاب الذي لم يعد على ما يبدو من تقاليد التربية في مجتمع يطبع وينشر عدداً متواضعاً من الكتب على مدار العام.
وتقول زيادة إن مكتبة "إيتانا" التي افتتحت مؤخراً هي مشروع حضاري يخدم الأسرة لأنه يوفر للكبار والصغار وقتاً للتعايش مع المعرفة وإقامة علاقة جيدة مع الكتاب الذي بتنا نفتقده هذه الأيام. وخاصة الكتاب الذي لا يروج لأيديولوجيا حزبية أو دينية"، مضيفة "كفانا تراجعاً نريد مستقبلاً محترماً لأجيالنا".
وحالة زيادة ليست فريدة في سوريا إذ إن آلاف الأسر تبحث عن أماكن مفيدة لها ولأبنائها. وتقول رندة إبراهيم وهي طبيبة "أحار أين نذهب أنا وعائلتي يوم العطلة لأنه لا يوجد الكثير من أماكن الترفيه الخاصة بالعائلات. وقد بدأت أعتقد أن المجتمع يزداد انغلاقاً، لأننا لا نجد المساحة الكافية لحرية التفكير مع أولادنا في مستقبلهم خارج دوائر الانغلاق والتشدد".
وبالإضافة إلى شكوى السوريين من الجمود والانغلاق، حذرت منذ فترة المستشارة السياسية والإعلامية في الرئاسة السورية د. بثينة شعبان من تعاظم المد الديني في سوريا.
وقالت خلال اجتماع لفرع حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في دمشق "نحن أمام تحد كبير.. هناك حقيقة مد ديني متعصب في البلد، ويجب علينا أن نفهم أن هذا المد هو نتيجة فشلنا وليس نتيجة نشاط الآخرين". وأضافت أن "التحدي الذي نواجهه هو تحد فكري، يتمثل في أن يعيد الحزب إنتاج الفكر لا أن يعتمد على ما يأتي من وسائل الإعلام".
ويقول معن عبد السلام صاحب مكتبة "إيتانا" التي اتخذت صفة الحداثة والتجدد العلماني (العلمانية لا تعني الإلحاد) "راودتني فكرة المشروع في عام 2000، لكن حال العديد من الأسباب دون اكتماله.. إلى أن اشتريت مع زوجتي منزلاً متواضعاً في حي الشعلان. وأعدنا ترميمه بشكل يحافظ على جزء من روح التراث السوري التقليدي. وانطلق المشروع بين مؤيد ومعارض من معارفي وأصدقائي العاملين في الوسط الثقافي. وقال المتخوفون منهم إن الثقافة لا تطعم خبزاً! أما المشجعون فقد رأوا فيه فرصة نادرة ليترك بصمة وهذا ما كان.. وبشهادة الجميع".
ويقول معن، الذي تخرج من قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب بجامعة دمشق، إن مكتبة "ايتانا بمفردها لن تكون ظاهرة، لكنني أتمنى أن تكون البداية للعديد من المشاريع التنويرية والحضارية والمنتديات الثقافية". وأضاف "أعتقد أن سوريا بحاجة لهذا النوع من المشاريع. ففي كل مكان من العالم توجد مكتبة تضع طاولاتها وكراسيها في خدمة القراءة، بمعنى أنها ليست دكاناً يدخله المرء ليشتري كتاباً أو يسأل عن عنوان صدر حديثاً".
ويمتلك معن عبد السلام أيضاً دار نشر بنفس الاسم "إيتانا". وعن مستوى ونوعية الفكر الذي تقدمه دار النشر "إيتانا"يقول عبد السلام "كل شيء تنويري يخدم المعرفة العلمانية التي تنبذ التعصب أو التطرف أو الحالة الحزبية الجامدة المغلقة، أو الأيدولوجيا المتحجرة". ويضيف عبد السلام أن شيخ جامع حي الشعلان، الذي تقع فيه المكتبة، جاء برفقة شابين ملتحيين بعد الافتتاح بأيام وبدأ جولة في المكتبة.
ويضيف "بعد أن رحبت به وصل إلى رف من الكتب وتناول كتاب الإلياذة لهوميروس، ثم وقف وقال لي إن الإيدز الفكري أشد خطورة على الإنسان من الإيدز الجسدي فقلت له: نعم". وتابع معن "قلت للشيخ جاء دوري في السؤال ياشيخ، وقلت له "هل تريدون كتاباً من مكتبتنا لتزويد مكتبتكم في الجامع وبالمجان؟"، فما كان من الشيخ إلا أن قطب حاجبيه متعجباً رفضاً وغادر دون أن يعاود الزيارة.
ويؤكد معن أن جدران "إيتانا" تحوي 7000 عنوان لكل المستويات الفكرية والاجتماعية. ومن جانبها تقول السيدة يمن أبو الحسن المشرفة على أعمال "إيتانا" إن "المكتبة توفر مجموعة مهمة من أهم إصدارات الكتب باللغتين العربية والإنجليزية لعدد من دور النشر العالمية، كما أن للمكتبة هيئة استشارية من مثقفين وشخصيات فكرية مرموقة ولهم حضورهم في الأوساط العامة".
من جهة أخرى ذكر تقرير التنمية البشرية في العالم العربي أن قارة أوروبا التي يمثل عدد سكانها 12% من سكان العالم، تحتل المركز الأول في إنتاج 55% من أجمالي الكتب المنشورة حول العالم. بينما يبلغ إنتاج قارة آسيا التي يشكل عدد سكانها حوالي 55% من عدد سكان الكرة الأرضية حوالي 19% من حجم الكتب في العالم، فيما لا يتعدى إنتاج قارة أفريقيا أكثر من 4%.
وتشير إحصاءات التقرير السنوي إلى أن نسبة إنتاج الكتب المؤلفة والمترجمة والمطبوعة بين أعوام 1990 و2003 في سوريا وليبيا والبحرين وعمان يصل إلى 100 كتاب فقط. ويضيف التقرير السنوي أن الكتاب الذي يبيع في العالم العربي أكثر من 5000 نسخة يعتبر إنجازاً علماً بأن عدد سكان عالمنا العربي أكثر 300 مليون نسمة، بينما نجد بعض الكتب في أميركا وأوروبا تبيع ملايين النسخ، في طبعتها الأولى.

اقرأ أيضا

«الأجنحة المتكسرة».. على مسرح «دبي أوبرا»