الاتحاد

تقارير

العدل والكيد السياسي السوداني

بعد ساعات قليلة من إطلاق سراحه قال مبارك المهدي -رئيس حزب الأمة (الإصلاح والتجديد) في مؤتمر صحفي-: إن اعتقاله كان سياسيا كيديا أريد به شل نشاطه السياسي المعارض وتعطيل عملية توحيد حزب الأمة العنيد الذي كان على وشك الإعلان عنه، ووصف إطلاق سراحه بأنه (إحقاق متأخر للحق·· جاء بعد خمسة أشهر) في إشارة إلى المدة التي قضاها معتقلا، وكالعادة الموروثة عند السياسيين السودانيين، أضاف أنه سيعتبر ماوقع عليه من ظلم ثوابه عند الله وفداء للحرية والديمقراطية·
لم يكن الرجل في حاجة أن يؤكد أن اعتقاله كان ''كيدا سياسيا''، فمنذ أن جرى اعتقاله وزميله علي محمود حسنين أدرك المجتمع السوداني أن ماسمي ''بالمحاولة التخريبية'' هو عمل سياسي قصدهما في شخصيهما، كونهما وبشهادة الخصوم والأصدقاء تميزا من بين زملائهما السياسيين الديمقراطيين المعرضين بالنشاط والحركة، ولهما رصيد محترم من التجربة والخبرة في العمل السياسي؛ وإذا كان وزير العدل الذي أمر بإطلاق سراح مبارك المهدي -قبيل أن يمثل أمام محكمة الجنايات بالخرطوم- فذلك لأنه بعد إطلاعه على أوراق القضية لم يجد دليلا كافيا لإدانته بعد خمسة أشهر في الحجز، وكذلك حال رفيقه و28 معتقلا من مدنيين وعسكريين آخرين، الذين ظل محاموهم يطالبون بتقديمهم إلى محكمة طبيعية تتوفر فيها الشروط القانونية التي تطلبها العدالة·
قد يكون إطلاق سراح مبارك الفاضل -وربما يلحق به إطلاق سراح علي محمود حسنين وبقية رفاقهما- بادرة لتأكيد مايبدو أنه مطلوب لأجواء الانفراج والتوافق الوطني الذي ينادي به كثيرون اليوم· إلا أن إطلاق سراح رئيس حزب الأمة (الإصلاح والتجديد) وما قد يتبعه لن يطوي ملف القضية الأساسية الأكبر، ''قضية المحاولة التخريبية'' وغيرها من قضايا الصحافة والصحفيين، وإجراءات التضييق التي تمارس ضد نشاطات الأحزاب السياسية المعارضة التي تندرج كلها تحت العنوان الأكبر، وهو قضية الحريات السياسية والتحول الديمقراطي السلمي وما يستدعيه من انتخابات بكل جوانبه الكثيرة، فهذه هي القضية الأكبر التي يجب أن تتصدر أولويات العمل السياسي في السودان اليوم، وهي قضية تمثل مفتاح الحل لكل القضايا السودانية ذات الدروب الوعرة منذ تنفيذ اتفاق ''نيفاشا'' إلى اتفاق القاهرة إلى اتفاق الشرق إلى دارفور وإتفاقاتها التي أبرمت، والتي مازالت تنتظر هي والقوات الهجينة·
لقد استطاع حزب المؤتمر الوطني الحاكم -لمدة طويلة- أن يربك ''المعارضة الديمقراطية''، وأن يدخلها في متاهات متعددة ومبادرات ووسطاء وحكماء من كل صنف ولون، حتى أوشكت القضية الأساسية أن تتسرب من بين أيدي القوى الديمقراطية المعارضة والمشاركة في السلطة الانتقالية (حكومة الوحدة الوطنية)، وأن يدفع بها بكل مكر سياسي لتلعب في الملعب الذي اختاره وحدد حكامه، ورجال الخط أيضا· لكن المعارضة الديمقراطية قد عادت اليوم واستردت قدرتها التي كانت معطلة، وبدأت في تنظيم صفوفها وتوحيد رؤيتها، وأمسكت بحبل القضية الأساسية عندما توحدت حول برنامج الحد الأدنى المطلوب حاليا في جبهة الدفاع عن الحريات واستعادة الديمقراطية·
طوال سنوات حكم الجبهة القومية الإسلامية ومع اختلاف وتنوع مسمياتها المرحلية ظلت الجماعة الحاكمة في حروبها ضد خصومها السياسيين، تعتمد ضمن أشياء أخرى على حالة ''الإرباك'' التي برعت في إحداثها وسط القوى المعارضة ''الرئيسية''، وهذا المكر والكيد السياسي كان يجد استجابة في صفوف المعارضة أحيانا عن جهل، وأحيانا عن ضعف وسوء تقدير يدفعه أمل في اقتسام بعض ما تبقى من حزب المؤتمر الوطني·
وعودة إلى قضية مبارك الفاضل المهدي وعلي محمود حسنين والتي وصفها بإنها نوع من الكيد السياسي -وقد كان يجوز أن يضيف ''ورد كيدهم في نحرهم''- فالشيء المؤكد أن القادة السياسيين قد فقدوا شيئا من وزنهم الجسماني، نتيجة الاعتقال والإضراب عن الطعام، غير المؤكد أنهما اليوم قد زاد وعلا وزنهما السياسي ليس عند أنصارهما فحسب، وإنما عند عامة السودانيين الذين لا يقبلون الكيد السياسي والظلم حتى لخصومهم في الرأي ··وذلك ما لم يدركه الذين كادوا للمهدي وحسنين·

عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا