صحيفة الاتحاد

دنيا

سعاد جواد

عندما أشاهد المسلسلات التركية التي تغرق محطاتنا التلفزيونية، يملؤني القهر والغيظ وأنا أجدها كلها تقريباً تدعو للتمرد على العادات والتقاليد، والتمسك بالحب لكسر قيود المجتمع، فأتذكر تجربتي الفاشلة التي عشتها وقد دمرت حياتي وحطمتني كلياً. لذلك قررت رواية حكايتي، فلعلها تكون عضة للبنات قبل أن يجرفهن هذا التيار. كنت مجرد فتاة حالمة، أعيش في دنيا خيالية رسمتها لي أفكاري، كنت أتابع المسلسلات والأفلام العاطفية، ثم أتخيل نفسي إحدى بطلاتها أقوم بتوزيع الأدوار بحسب ما تشتهيه نفسي، فكنت أمثل وأخرج وأغير النهايات على ما أريده، هكذا عرفت الحب بشكله الخيالي البعيد عن الواقع، ولم أكن أدري بأن طريقة تفكيري هذه ستجرني إلى تجربة صعبة ومرة، حيث تحديت مجتمعي وكسرت كل القيود، لأجد نفسي في النهاية الخاسرة الوحيدة في المعركة.

حكايتي

أنا من عائلة غنية ومحافظة من بلد خليجي مجاور، أنجبت والدتي سبع بنات، وقد كنت السابعة بينهن، وقد اعتبرتني أمي وجه النحس عليها، لان والدي تزوج عليها بعد ولادتي مباشرة، فما ذنبي أنا؟ نشأت في بيئة من القهر والغل الذي يخلفه الزواج الثاني في حياة الأسرة، وعشت أجواء الخطط والمؤامرات التي ترسم ضد الشريكة، وعانيت من الصراع المر بين الشريكتين، خصوصاً وإن الزوجة الثانية أنجبت ثلاثة أولاد بشكل متتابع مما جعل لها الحضوة والمكانة وكل العناية والتدليل، وبالطبع فإن والدتي قد أصبحت صفراً على الشمال، فكان ذلك قاسياً عليها جداً، فلم يكن أمامها سوى بناتها لتفرغ كل طاقات غضبها وقهرها علينا. عندما وصلت إلى المرحلة الإعدادية مرض والدي مرضاً شديداً فكان يحتاج للإشراف والعناية بشكل مستمر، فعاد إلينا وانشغلت أمي به وقد نسيت كل إساءاته نحوها. هكذا فإن حياتي كانت خالية من الحب والحنان والاهتمام بسبب موقف والدتي مني، فهي لم تحبني لاعتقادها بأنني السبب في كل ما حدث لها، وبسبب عدم وجود والدي بيننا لانشغاله بأسرته الجديدة، وحتى عندما عاد إلينا وهو مريض، فقد استحوذ على اهتمام والدتي كله، فتجاهلتني تماماً وكأنني غير موجودة.كانت حياتي جافة مملة تقتصر على الروتين المكرر، البيت والمدرسة، فلا خروج ولا نزهات ولا أي شيء من الترفيه والترويح، لا شيء في حياتي سوى التلفاز الذي صار عالمي كله، فهو الذي يلهيني، وهو الذي يربيني، وهو الذي يمدني بالخيال الذي صار يلف أفكاري ويعطيني شحنات السعادة والأمل. أنهيت المرحلة الثانوية، ولم يكن لي أمل في دخول الجامعة، فهذا هو الحد المسموح به من تعليم البنات في عائلتنا، ولم يؤسفني ذلك، بل جعلني أعيش في حرية مطلقة مع أحلامي وعالمي الخيالي الذي صنعته لنفسي، أشاهد الأفلام والمسلسلات، وأعيش قصصها كما يحلو لي وأنا في غرفتي لوحدي بعيداً عن الآخرين.

نقطة التحول

بدأت حياتي بالانقلاب رأساً على عقب، فتحول الخيال إلى واقع حي، كان ذلك عندما رافقت إحدى أخواتي لمعرض كبير للمجوهرات، هناك شاهدته، شاب غاية في الوسامة والأناقة، نعم.. إنه أحد البائعين الجدد، جذبتني نظراته وجماله الملفت، لم أصدق بأن أحداً يمكن أن يكترث لي في هذا العالم، لم أصدق بأنه ظل يلاحقني بتلك النظرات الساحرة، ومع إني لم أنوي شراء شيء، إلا إنه أحضر لي مجموعة من الخواتم الماسية وطلب مني تجربتها، ثم قال لي: لا يمكن للماس إلا أن يكون بأيدي الأميرات الفاتنات، تجمدت في مكاني، هل يراني جميلة بهذا القدر؟ وهل يتخيلني كأميرة فاتنة؟ إنه أمر لا يصدق، لأول مرة في حياتي أسمع مثل هذه الكلمات. بعد تلك الزيارة، صار ذلك الشاب هو البطل الحقيقي لأفلامي الخيالية، وصرت أنتظر الفرصة المناسبة لزيارة ذلك المعرض من جديد. أخيراً جاءت الفرصة، انقلب كياني عندما لمحته، وهو أيضاً تغيرت ملامحه وبدأ ظاهراً عليه الاهتمام بي ومحاولة الاقتراب مني والتقاط بعض الكلمات من شفتي، ولم أشعر به إلا وهو يدس في يدي ورقة صغيرة بالتأكيد هي رقم هاتفه، وهكذا أصبحت الأحلام حقيقة وصرت أتحدث إليه عبر الهاتف فيبثني أحر المشاعر وأرقها، فكنت أذوب وأنا أستمع إلى عذب الكلام وحرارة الشوق التي تكاد تحرق أسلاك الهاتف، استمر الحال لمدة سنة كاملة ولا أحد يعرف شيئاً عن سري الجميل بعدها أصبح يلح علي بأن يتقدم لخطبتي وأنا أرفض لأنني أعرف تمام المعرفة موقف أهلي من هذا الشاب الفقير الحال والذي هو من غير جنسيتي، بعد إلحاح شديد منه أعطيته عنوان والدي ليذهب إليه في إحدى شركاته، وفعلاً فقد ذهب إليه وطلب منه يدي، وكما توقعت فقد طرده والدي شر طرده، ثم عاد إلى البيت غاضباً وانهال علي ضرباً لاعترف له بكيفية معرفتي لهذا الشاب، ضاق صدري وقررت أن أتخذ قراري بنفسي وأن أصنع مستقبلي كما أريد، وكما كنت أفعل دائماً في قصص الخيالية التي أخرجها بنفسي، فقد قررت أن أهرب مع حبيبي واتفقت معه على أن نسافر لنعيش في الإمارات.

الخطة المحكمة

تسللت في الليل إلى غرفة مكتب والدي، حيث كان يضع جوازات السفر في الدرج لأجل استخراج التأشيرات للسفر إلى أوروبا كما نفعل في كل عام، ويا له من سفر كريه، إذ لا يتعد الموضوع سوى ركوب الطائرة والذهاب إلى منزلنا هناك لنعيش في رتابة كما نعيشها هنا في بلدنا، نأكل وننام ولا نخرج إلا برفقة الأهل جميعاً إلى أماكن محددة ولا نختلط بأحد، المهم، التقطت جواز سفري وعلبة مجوهراتي واستطعت التسلل من البيت بمهارة، حيث ينتظرني حبيبي في الخارج، وبسرعة ذهبنا إلى المطار وحجزنا تذاكر السفر، وسافرنا قبل أن يبدأ صباح اليوم الجديد، هنا تزوجنا واستأجرنا شقة مفروشة لتكون عشنا الذي حلمنا به، وكان ذلك كله من بيع المجوهرات التي حملتها معي لأن حبيبي رجل فقير لا يملك شيئاً، استمر الحال بنا هكذا حتى بدأت مجوهراتي بالنفاد وزوجي جالس أمامي ليل نهار حتى مللته، طول الوقت أنظف وأطبخ وأغسل الملابس وهو جالس أمام التلفاز لأنه رجل وعيب على الرجال أن يساعدوا زوجاتهم، وبعد أن ضاقت بنا الحال مادياً، طلب مني أن أتصل بأمي لعلها تساعدني خصوصاً وقد مرت سنة على هروبي فلعلهم نسوا ما حدث وسامحوني، وفعلاً اتصلت بها لأنني كنت أتقطع شوقاً إليها وإلى والدي وشقيقاتي، ولكنها ما أن سمعت صوتي حتى أغلقت الهاتف في وجهي بعد أن قالت لي: ليس لدي بنت بهذا الأسم. اضطر زوجي للعمل في محل لبيع الملابس واضطررت للانتقال من شقتنا المفروشة إلى غرفة واحدة استأجرها زوجي في بيت مقسم إلى غرف كثيرة تؤجر للناس، لان مرتبه قليل ولا يكفي لدفع الإيجار المرتفع، وسارت الحياة كئيبة مملة ليس كما توقعت وحلمت، وتكشف زوجي على حقيقته، حيث أصبح فضاً غير مهذب لا يراعي مشاعري ودائماً يتهمني بالتجهم حتى أصبح يطلق علي اسم «بومه». مرت السنون ولم أرزق بأطفال، فصرت أعيش مع هذا المخلوق حياة تعيسة بمعنى الكلمة، ذقت مرارة الندم والحسرة على قراري بترك بيت أهلي والهروب مع هذا الرجل الذي كان يخرج في النهار ولا يعود إلا بعد منتصف الليل، وأنا وحيدة في تلك الغرفة الحقيرة، لم استطع أن أكون صديقات فكل جاراتي من الآسيويات، وأنا لا استطيع الانسجام مع هذا النوع من الناس، أصبحت أحلم بحياتي السابقة عند أهلي في العز والنعيم وكيف حرمت نفسي منها بسبب قلة عقلي وتسرعي بتصرفي الأهوج.

الفرصة الأخيرة

حاولت الاتصال بوالدتي وكانت ترد علي وهي منزعجة، ولكنها بدأت بالتبسط بالحديث معي والسؤال عن أحوالي، فلم أخبرها عن بؤسي وتعاستي لكي لا أجعلها تشمت بي، كنت أطمئن على أحوالهم، عرفت بأن أخواتي تزوجن من كبار الشخصيات وأقيمت لهن أعراس فخمة ورزقن بأطفال وأن والدي أصبح مريضاً جداً، كنت أدعو له بالشفاء وأنا أعرف بأنه غير راضي عني، وفي يوم اتصلت بوالدتي وعرفت من صوتها بوفاة والدي، فتقطع قلبي ألماً وحزناً عليه وعلى نفسي، فقد مات وهو غاضب علي، وبعد مدة عرفت بأنني ورثت مبلغاً ضخماً، فذهبت مع زوجي والمحامي لاستلام حقوقي وسط نظرات الاحتقار والازدراء من أفراد أسرتي، لكني تحملت تلك النظرات لأنني مقتنعة بداخلي بأنني استحقها عن جدارة، استلمت الشيك الذي يخصني وعدت لأبدأ مرحلة جديدة من حياتي، حيث فتحت مشاريع مختلفة أصبحت أديرها بنفسي واشتريت شقة فخمة وسيارة وأصبحت أعامل زوجي كأنه أحد خدمي فلم يعترض، وظل يركض ورائي حاملاً حقيبتي، فقد تعود أن يعيش ذليلاً تابعاً للمال، هكذا أعيش حياتي حالياً ولن أنسى أبداً بأن والدي مات وهو غير راضي عني. لم يبق لي من الدنيا سوى وجهها القاتم التعس، هذا كله كان بسبب انجرافي وراء الأحلام والخيال والحب الكاذب، لذلك أنصح كل البنات بأن لا يثقن بالحب في هذه الأيام، فهو وهم حقيقي قد يجرهن إلى حياة تعيسة بمعنى الكلمة، الأفضل لهن أن يبحثن عن السعادة في ظل الأسرة، فكل ما يرضاه الأهل، هو بر الأمان الحقيقي، وكل ما يرفضه الأهل وينكره المجتمع والدين، فهو الجحيم بعينه.