الاتحاد

ثقافة

فعل ثَقِفَ في القرآن

يحفل القرآن الكريم بمجموعة من الآيات التي تضمنت استخدامات عدة لفعل ''ثَقِفَ'' ومشتقاته حسب السياق الذي جاءت عليه الآيات القرآنية· لقد وردت اشتقاقات هذا الفعل في ست آيات من سور القرآن هي على التوالي: (البقرة: 191) و(آل عمران: 112) و(النساء: 91) و(الأنفال: 57) و(الأحزاب: 61) و(الممتحنة: 2)· وظهر فعل ''ثَقِفَ'' باشتقاقات عدة هي على التوالي وحسب تسلسل الآيات المذكورة: ''ثقفتموهم'' و''ثقفوا'' و''ثقفتموهم'' و''تثقفنهم'' و''ثقفوا'' و''يثقفوكم''· والأجدر بنا الآن أن نذهب إلى الآيات ذاتها لنستطلع سياق توظيف الفعل ''ثَقِفَ'' الذي وردت فيه عملية استخدام هذه الاشتقاقات·
عندما نعود إلى مفسري القرآن القدماء نلاحظ أنهم على شبه إجماع في شأن تفسير الكلمات المشتقة من فعل ''ثَقِفَ'' تلك التي وردت في عدد من الآيات المذكورة· قال الزمخشري في ''الكشّاف'': (حيث ثقفتموهم): حيث وجدتموهم· وهذا يشير إلى المكان· وقال: (فإما تثقفنهم) معناه أن تصادفنهم وتظفر بهم· وقال في (إن يثقفوكم) معناه أن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم·
وكلا العمليتين؛ ''الظفر بهم'' و''التمكّن منهم''، لا تجريان إلا في مكان، لكنهما يشيران، نوعاً ما، إلى القدرة الذهنية على الاستعداد والتشخيص المفكر فيه بغية السيطرة عليهم· وقال البغوي في كتابه ''معالم التنزيل'' عن معنى قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) معناه اقتلوهم حيث بصرتم مقاتلتهم وتمكنتم من قتلهم· بينما قال المالكي في كتابه ''الجواهر الحسان في تفسير القرآن'' عن (ثقفتموهم) ظفرتم بهم مغلوبين متمكناً منهم·
إن أغلب الآيات المذكورة التي ورد فيها فعل ''ثَقِفَ'' واشتقاقاته، هي آيات تتحدث عن الحرب والعدوان والظفر والنصر سوى الآية المذكورة في سورة (آل عمران: 112): (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله)، حيث إنها تشير إلى معنى مختلف لا يرتبط بالمكان، إنما بالتوجه الإيماني والاعتقادي للإنسان، قال الزمخشري في ''الكشاف، ج''1: ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، ويعني ذمة الله وذمة المسلمين، أي لا عز لهم قط إلا بهذه الوحدة، وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية·
وسواء كان فعل ''ثَقِفَ'' ومشتقاته يردان هنا للدلالة على المكان أو على التوجه الإيماني والاعتقادي لفئة من الناس في المجتمع، فإنهما لا يشيران إلى معنى ''الثقافة'' إلا من باب الوعي المهني ''القتالي والحربي'' بالقدرة على ثقِف الآخرين مكانياً، وهذا الوعي المهني يضمر بقدر ما يكشف أيضاً عن ''تركيبة ذهنية'' ذات ملكات عقلية لدى الإنسان تلك التي يوظفها في تحقيق الهدف من ثقِف الآخرين والسيطرة عليهم، على أن قدرات تلك التركيبة لا يمكن أن تؤتى ثمارها من دون التفكير والتدريب والتهذيب وصقل الملكات التي يجب أن تتوافر عليها الجماعة المقاتلة من أجل الحق إزاء جماعات الباطل التي تقف إزاءها في مشهد قتالي أو تصادمي·
مع ذلك، لا نجد في النص القرآني أية إشارة إلى مصطلح ''المثقف'' الذي نتداوله اليوم، إذ نلاحظ أن القرآن نأى حتى عن استخدام فعل ''ثَقِفَ'' كما تداوله العرب قبل الإسلام، على أن هذا النأي ما كان مصادفة في منطق النص القرآني، ولا حتى في منطق الخطاب القرآني، إنما كان مقصوداً؛ ذلك لأن القرآن، وهو الغني في مفاهيمه ومصطلحات، قدم لنا مفاهيم ومصطلحات أخرى تعبر عن النخب المثقفة·


رسول محمد رسول
rasmad8@hotmail.com

اقرأ أيضا

«مهرجان الشعراء المغاربة» في تطوان