الاتحاد

ثقافة

المرئـــي الذي بيننا

ماذا لو سرق لصوص متاحف لوحة بيكاسو ''الجورنيكا''، أو حطمها مخربون يوماً ما، وشيء من هذا حدث ويحدث حتى في أوروبا؟ هل تكون عاقبة اختفاء اللوحة الأصلية إلى الأبد وبقاء نسخها المصورة أو المستنسخة ضياع تأثيرها، أم أن الأمر لا يتجاوز حدود ضياع قيمة اللوحة المادية، دون ضياع تأثيرها؟ هل سينسى الناس فظائع الحرب الأهلية ألإسبانية في العام ،1931 والجرائم التي ارتكبها نظام فرانكو بحق الثوار والمدنيين على حد سواء، لا لشيء سوى لأن اللوحة الأصلية الشهيرة اختفت مرة وإلى الأبد· وبهذا المعنى، هل يمكن أن يضيع نص أدبي شهير، أو يدمر أو يعمد مجموعة من المخربين إلى تحطيمه؟
الأمر الجوهري الذي يختفي وراء هذه الأسئلة هو تأثير العمل الفني المرئي واختلافه عن العمل المقروء، اللامرئي إذا جاز التعبير· فالمرئي يصوغنا صياغة خاصة· لأن وسائل صنعه وإدراكه هي وسائل خاصة· للمرئي تأثير مختلف عن أي تأثير آخر· إنه المرئي الذي نشاهده وننعم النظر فيه، ونتأمله بعينين باصرتين· ولأننا ندركه بحواس محددة العينين، يجب أن نتوقع تأثيراً محدداً أيضاً، أي تأثيراً مختلفاً·
لقد اكتسح المرئي حياتنا الحديثة منذ اكتشاف التلفزيون، ولكنه في الواقع موجود منذ القدم؛ منذ أن بدأ الإنسان رحلة التخيل والتخييل· ألم يكن الإنسان القديم يجد فائدة وربما متعة في تصوير هموم حياته البدائية؟ بهذا المعنى يكون المرئي موجوداً قبل المقروء· غير أن المرئي الحديث، سواء أكان فناً تشكيلياً أو صناعة تلفزيونية أو سينمائية أو أي صناعة مرئية أخرى، كان حاسماً في تشكيل حياتنا الحديثة· يجب أن نعترف، نحن المشتغلين بالمقروء، بأن المقروء انحسر أمام المرئي، وأننا أضعف تأثيراً من جمهرة كبيرة من المشتغلين في المجالات المرئية كالمغنين والممثلين ومقدمي البرامج والرياضيين من لاعبي كرة القدم والتنس ومن لف لفهم· لقد انخلق وضع جديد جاء بـ ''منظمين دلاليين'' جدد، بحسب تعبير أحد الباحثين الغربيين (روبرت كروسمان)· أي صار هناك تحكم جديد بالثقافة واتجاه الآراء نحو قضية ما، ويقف الإعلام المرئي على قمة الهرم الجديد الذي يقيمه المنظمون الدلاليون الجدد، ذلك طبعاً مدعوم على نحو تبادلي من المغنين والرياضيين والسياسيين والشخصيات الكاريزمية الأخرى· فالمنظمون الدلاليون هؤلاء دفعوا إلى اجتراح حقل جديد خاص بهم، وهو حقل فن التصوير النفسي Psychographics· ومن بين أغراض هذا الحقل تحديد صياغات خاصة لإنتاج نمط من البشر ذوي ذهنية تتواءم مع غايات المنظم الدلالي وخططه· وثمة بحوث في هذا المجال وتحليلات تعمل على صناعة صورة محددة لكل من المنظم الدلالي والناس الذين يستهدفهم المنظم الدلالي· لقد تغير أفق المقروء كثيراً، وصار عسيراً على بني البشر الحاليين أن يجنوا الفائدة ويطلبوا المتعة من المقروء بقدر ما يجدون الفائدة ويطلبون المتعة في المرئي· وصار ثمة فرق كبير لديهم بين أن ينكبوا على الكتب قراء أو يسترخوا أمام التلفزيون مشاهدين· والأغلبية الساحقة تفضل اليوم الاسترخاء أمام التلفزيون لترى ما يحدث في العالم، وتستمتع ببرامجه·
كما يفضل بعض الناس الاستمتاع والتأمل عبر حاسة النظر· إذ يجدون أن من المجدي والممتع التجول في معرض للوحات التشكيلية مثلاً، فذلك شيء يقتضي منهم حركة الفكر والجسد، والتنقل من مكان إلى آخر، والحوار مع الآخرين بصدد المرئي نفسه، فما يبقيهم المقروء مشلولي الجسد ساعات طوالاً، ذاهلين عن كل شيء سوى التحديق العميق والطويل في صفحات لا نهاية لها، وسط صمت غير قابل للانكسار، اللهم إلا مناجاة الكتاب نفسه· والآن، كم من الناس يفضل الوضع الثاني على الوضع الأول؟ لعل الإجابة عن هذا السؤال نافلة؛ لأن قلة قليلة (أحياناً نسميها القلة السعيدة من دون سبب وجيه) من الناس ستتبنى وتشجع المقروء على المرئي·

اقرأ أيضا

رحلة الكتابة في ورشة تخصصية لـ"دبي للثقافة"