الاتحاد

الملحق الثقافي

راشد عبدالله: إذا لم يكن في الكتابة جرأة فلا تعني شيئاً

منذ أن كتب محمد حسين هيكل روايته ''زينب'' بدأ الخلاف لاحقاً حول سؤال مهم وهو: هل هي الرواية الأولى في مصر بالمعايير النقدية للرواية؟·· ذلك ما حصل أيضاً مع رواية ''شاهندة'' للروائي راشد عبد الله، الذي تساءل قبل أن يتساءل النقاد هل إنه يكتب رواية أم خاطرة أم رؤية أدبية لموضوع ما أراد أن يتناوله قصصياً ؟ وبهذا حسم استفسارات النقاد ورد دعواهم بالريادة حتى حسبت له بلا منازع·
راشد عبد الله وزير خارجية الإمارات السابق (1977 - 2005) والمهندس في البترول 1966 والسياسي الذي يعشق الفكر والأدب والرواية تحديداً، والذي يجد في كل هذه الأنماط تداخلاً ينهض فيها الإبداع· وقد خاض راشد عبدالله ببراعة في تلك العوالم بطريقته الخاصة فكان المبدع في السياسة والسياسي في الإبداع، وحول تجربته تلك فتح أوراقه وآراءه في هذا الحوار مع ''الاتحاد الثقافي'':

؟ كنت أول من كتب الرواية وكانت ''شاهندة'' باكورة الأعمال الروائية الإماراتية·· كيف تعرفت إلى هذا الفن الجديد؟
؟؟ حينما بدأت أكتب شاهندة لم أكن أنوي أو أتوقع كتابة الرواية بالمعنى الذي يعرفه الناس من الكتاب أو شروط الرواية، كنت فقط أكتب؛ لأن لدي رغبة في أن أسجل معلومة، خاطرة، واقعة، خيالاً، تخيلاً، حلماً، حاضراً، ماضياً، كنت أريد أن أجمع هذه الأشياء وأسجلها، إلا أن الكتابة أخذتني واستدرجتني البطلة إلى مواقع ما كنت أرغب في أن أصل لها وحتى في بعض الأحداث لم أستطع أن أجاريها، ووصلت إلى أني أريد أن أنهي الرواية بالقضاء على هذه البطلة التي لم أستطع أن افهم كيفية التعامل معها في المراحل المتقدمة، كنت أتفهم هذه البطلة ولكن فيما بعد لم أستطع أن أستمر مع رغباتها وأن أغفر لها طيشها وتهورها ولذلك قررت أن أنهيها، وبينما كنت على وشك أن أنهيها في مرحلة من مراحل الخلاف أحسست أيضاً ككاتب أن من الواجب أن أنقذها من الموت، وأردت أن أغيِّر مسارها وأن تتفهم احتياجاتي واحتياجات المجتمع وأن أتفهم رغباتها وهكذا مشينا في طريق آخر في نهاية الرواية لذلك تجد نهاية الرواية لم تكن متسمة بالعنفوان أو بشطحات الشباب وربما اتصفت بالعقلانية لكن يبقى شيء واحد مهم لديها هو الانتقام، ولم أستطع أن أخلصها منه، أردت أن يكون هناك تسامح، ما دام هذا الأخير هو جزء من قيمنا، فكما بدأت بها من بيئة أخرى انتهيت بها كي تمثل بيئتها·
أما على المستوى الشخصي، فإنني لم أقرأ الفن الروائي بمعناه الأكاديمي، ولم أطلع على المذاهب الروائية سواء ما كان مصدره أوروبياً غربياً أو ما كان مصدره شرقياً، ولكن فيما بعد كتابة ''شاهندة'' عام 1971 أو 1972 ونشرها، سمعت وقرأت أن النقاد يتحدثون عنها كرواية بدائية ويقارنون بينها وبين ''سفر برلك'' كونها رواية بدائية أيضاً تمثل تراث منطقة الشام، وأن ''شاهندة'' لا تلبي احتياجات الكاتب الشرقي والأوروبي، وهذا رأي أحترمه لانها خاطرة عفوية، بدائية خرجت كما هي· وقد قيل عنها إنها بدائية وأول رواية، وفيها من صنعة الرواية الكثير وقيل لا يوجد فيها من فن الرواية شيء ولا تنطبق عليها شروط الرواية، وأنا سعيد أن أسمع كل هذا النقد فيها، وأنا سعيد أيضاً أن أخرج بهذه الخاطرة التي تمثل حقبة معينة في فترة شبابنا·
عاشق اللغة
؟ هل ترى أن ''شاهندة'' كانت أم الولادة الشرعية للرواية الإماراتية، أم أن هناك أعمالاً روائية سبقتها واطلعت عليها؟
؟؟ لم أطلع في الحقيقة على كتابات هنا في الإمارات تحديداً على رواية أو قصة، لم أطلع على شيء من هذا في ذلك الوقت، وأنا أيضاً من بيئة تعليمية دينية ثم من بيئة علمية هندسية وبالتالي القراءة كانت بالنسبة لي في أوقات محدودة وأكثر قراءاتي كانت في الفكر واللغة·
؟ بين رجل السياسة والإبداع الروائي·· هل وجدت تعارضاً، أم أنك قد أشبعت رغبتك بالإبداع وأنت تمارس السياسة؟
؟؟ رجل السياسة بحاجة ماسة إلى أكبر قدر ممكن من المعلومات، وكلما كان رجل السياسة مطلعاً على التاريخ وعلى الأدب وعلى العلم بفروعه وفلسفاته، والجغرافيا، ومعرفته الاجتماعية، وحاجاته وبدوه وحضره، وزراعته وصيده، يكون الأداء أفضل في مجال عمله ويستطيع أن يتصرف في ظروف قد تكون قاسية أو صعبة وأحياناً تكون هناك ضغوط غير محتملة، وهذا ما نسميه بالإبداع والابتكار في فنون السياسة أو في فنون التعبير عن السياسة· وأحياناً تختصر مصلحة الوطن في كلمة وفي فكرة وتتحقق مصلحة كبيرة للوطن من خلال كلمة تقولها أو من خلال كلمة لا تقولها· وهنا نتذكر قول الحكماء: الكلام في السياسة يوزن ببيض النمل؛ لأنه كلام مسؤول وتترتب عليه أمور كثيرة·
الكتابة والمعاناة
؟ يُقال إن الرواية في الإمارات ظلت تتناول حقبة معينة، ماضية هل ترى أن تناول ما هو آني، معاصرة يجب أن تتحول له الرواية؟
؟؟ هذا القول ظاهره ربما يكون صحيحاً ولكن حينما نتكلم عن الرواية وماهيتها فإن كتابة الرواية هي معاناة، وما كتب من الرواية الآن وقيل إنها تمثل الماضي، أجد أن هؤلاء الكتاب قد عاشوا هذا الماضي أو جزءاً منه، وبالتالي لا تستطيع أن تأتي بإنسان يكتب في أي فرع من فروع المعرفة وتطلب منه أن يكتب رواية عن الأسهم والكمبيوتر؛ لذا يجب أن تكون هناك معاناة· هناك جيل واع يريد أن يرسخ انتماءه لهذا العالم وسيأتي آخر ليكتب عن مجتمعنا الآن، عن مجتمع النفط، عن المجتمع الأسري الجديد· نلاحظ الآن أن الأسرة لا تستطيع معايشة أسرة أجدادها في نمط حياتها وصراعاتها النفسية ورغباتها، إلا أنني متفائل وأعتقد أنه سيأتي الوقت القريب الذي سنرى فيه كتاباً في الإمارات يتناولون المجتمع بالتشريح والنقد المعرفي والإبداعي المهم· أما أنا، فلديّ أعمال وكتابات في هذا الباب إلا أنها تحتاج إلى أن يتفهم المجتمع أكثر دور الكاتب في تناوله للموضوعة الاجتماعية·
اكتمال الملامح
؟ هل ترى أن الرواية الإماراتية في بداياتها الآن، أم أن ملامحها قد اكتملت؟
؟؟ لم تكتمل وليست في بداياتها، وإنما هي تتطور حسب تطور المجتمع وتخرج من إطارها التاريخي إلى إطارها الاجتماعي الشامل·
؟ إذاً كيف تقيّم حال الرواية الإماراتية الآن؟
؟؟ أقيِّمها كما أقيِّم نفسي، إننا هنا في الإمارات كنا في الماضي محدودي المعرفة قليلي الاتصال، ليس كما هو الآن حيث تطور اتصالنا بمحيطنا الخليجي والعربي والدولي، فبتنا نعرف هذا المحيط ويعرفنا، نتفاعل معه ويتفاعل معنا، وبالتالي لا يطلب منا إلا ما نعرفه· وعليه أجد أن الرواية في حالة تطور لاستيعاب المعارف الجديدة، هناك من يكتب ولكن الإيقاع السريع للحياة يحرم الناس من متعة التعمق في فهم الشخصية الروائية· المجتمع مستهلك بأشياء كثيرة·
مرحلة النضوج
؟ أي الأعمال الروائية أقرب إلى راشد عبدالله؟
؟؟ أنا لا أقرأ الرواية حتى أعجب بها أو أعجب بالكاتب وإنما أقرأ الرواية حتى أستمتع بصور فنية فيها، قد تكون هذه الصور الفنية تعبيراً عن أشياء بسيطة ولكنها عميقة· أذكر مثل هذه الصور أنني عبرت عن صورة من مثلها بـ''شاهندة'' وهي صورة وصول شاهندة إلى مرحلة النضوج، وكيف أنها لم تستطع أن تتحمل حركة الثوب الذي تلبسه حين يلامس جسدها فهو يثيرها، وبالتالي فإنها تغير دائماً من مشيتها حتى لا يتحرك الثوب وهذه الصورة فيها من الإبداع الكثير· لذا أقول: في كل رواية شيء جميل مثلما في كل امرأة شيء جميل فلا يوجد قبح مطلق أو جمال مطلق·
عن أعماله الأدبية بعد شاهندة يقول راشد عبدالله:
بعد ''شاهندة'' بقيت اهتماماتي أيضاً بالعناصر المكونة لفكري التي هي لغوية وعلمية وتم تسخيرها لمنتج جديد هو السياسة والدبلوماسية، فهذه شغلتني وأيضاً حملتني مسؤولية تناول القيم الاجتماعية الجديدة وإذا لاحظت أن كتاباتي فيها شيء من الجرأة بالمقاييس التي كانت في ذلك الوقت وأيضاً لم أستطع أن أواصل الكتابة بالجرأة نفسها؛ لأن القيود التي فرضتها على نفسي في عملي بالمنتج الجديد دفعتني إلى أن أقلل هذه الجرأة· فإذا لم يكن في الكتابة اقتحام جريء وجديد فلا تعني شيئاً

اقرأ أيضا