الاتحاد

دنيا

طباع موروثة

جاء في (المنتقى من أخبار الأصمعي) عن عثمان بن سليمان قال: خرجت في نفر من هذيل من أهل البصرة نريد بادية، في أمر طرقهم· وكان مسيرنا ثلاث ليال، فنزلنا في الليلة الأولى على حي من بني مازن، فقصدنا بيتا رحبا فإذا ببابه رجل وامرأة، هما صاحبا الدار· فسلمنا، فردت المرأة السلام وحيت، وأظهرت بشرا وبشاشة، بينما أعرض الرجل وأظهر تبرما وتضجرا، فقالت لنا المرأة: انزلوا على الرحب والسعة· فقال الرجل: ما عندنا موضع لنزولكم! فقالت المرأة: سبحان الله! أتقول هذا لضيفان قد حلوا بنا، ووجب حقهم علينا؟ انزلوا بارك الله فيكم· ولكن ظهر منا انقباض ونفور لما قاله بعلها·
ولكن المرأة قالت: لا يحشمنكم ما سمعتم منه، فإن له فيما أبداه عذرا· وامرت خدمها فأحدقوا بنا وأنزلونا وانطلق بعلها وقد كلح وجهه غضبا· فازددنا عجبا من أمره· إذ لا نعرف ذلك من أخلاق العرب·
وبتنا ليلتنا خير مبيت، فما تركت المرأة كرامة إلا أكرمتنا بها· وأصبحنا فشكرنا ربة المنزل وأخذنا طريقنا حتى أمسينا في حي آخر فقصدنا بيتا ضخما فإذا ببابه رجل وامرأة هما صاحباه فسلمنا فرد الرجل السلام وحيا وأظهر بشاشة وبشرا بينما أعرضت المرأة وأظهرت تبرما واستثقالاً· فقال لنا الرجل: انزلوا على الرحب والسعة· فقالت المرأة: وكيف ننزلهم وما عندنا ما يصلحهم؟ فقال الرجل: سبحان الله! تقولين هذا لضيفان قد حلوا بنا، ووجب حقهم علينا؟ انزلوا بارك الله فيكم فإن لدينا الذي يصلحكم!
فظهر منا انقباض لما قالته زوجته· فقال لنا الرجل: لا يحشمنكم ما سمعتم من هذه المرأة فإن لها فيما أبدته عذرا! وأمر الرجل خدمه أن ينزلونا وأمتعتنا ودخلت المرأة غاضبة فأطلنا المناجاة فيما بيننا إذ نعجب من الرجل الأول وزوجته، ومن الرجل الثاني وزوجته ونقول ما في العرب مثل هذين البيتين! فإذا صاحب البيت يتأملنا ويسمع حديثنا، ثم أقبل علينا فقال: من أين خرجتم؟ قلنا من البصرة· قال: ومتى فارقتموها؟ قلنا غداة أمس· قال: فيمن بتم ليلتكم أمس؟ قلنا نزلنا ببني فلان· قال: في منزل من؟ قلنا في منزل رجل يقال له فلان بن فلان· قال: فإني رأيتكم تتحدثون بينكم حديثا تكثرون منه التعجب، فما ذاك؟ قلنا إذاً نخبرك· قال وأخبرناه بما كان· قال: أفلا أخبركم بأعجب مما تتعجبون منه؟ قلناك بلى· قال: اعلموا - حياكم الله - أن تلك المرأة التي بتم ببيتها أمس هي أختي بنت أمي وأبي· وأن ذلك الرجل هو زوجها، وهو أخو زوجتي من أمها وأبيها، وإن الذي رأيتم عندهما وعندنا خلق موروث جبلنا عليه ليس فيه تكلف ولا تصنع! فقلنا له الحمد لله الذي جبلك وأختك على مكارم الأخلاق!

اقرأ أيضا