ألوان

الاتحاد

العلماء: تطوير التعليم الديني ينقذ الأمة من الفتن

أحمد مراد (القاهرة)

شدد علماء من الأزهر الشريف على ضرورة إعادة النظر في مناهج التعليم الديني، والعمل على إصلاحها وتطويرها، حتى تواكب المستجدات والتحديات التي يشهدها العالم، داعين في الوقت نفسه إلى الحفاظ على التراث الإسلامي الأصيل باعتباره جزءاً من الهوية الإسلامية.
وطالب العلماء بأن تعمل مناهج التعليم الديني على تأكيد أن الإسلام أكبر وأرحب من أن يختزل في مذهب، أو تفسير أو اجتهاد واحد، مناشدين مؤسسات ومعاهد وكليات التعليم الديني أن تسعى لإنقاذ الإسلام ومفاهيمه من أهل الضلالات والفتن والجهل وأصحاب الفكر المتطرف.
يوضح الداعية الإسلامي الدكتور منصور مندور أحد علماء الأزهر أن بعض مناهج التعليم الديني لا تؤهل طلابنا لعصرهم، ولا تحصنهم أو تقوي مناعتهم ضد التطرف، مؤكدا أهمية مواكبة خطط التحديث التربوي، حتى نكون شركاء فاعلين فيما أصبح يعرف بالنظام التربوي العالمي، بشرط ألا يكون ذلك على حساب التراث الأصيل، والذي يجب أن نحافظ عليه كجزء من هويتنا، ويجب أن يكون واضحا أن الإصلاح مطلب داخلي قبل أن يكون ضغطا خارجيا.
ويؤكد أن مؤسسات التعليم الديني مطالبة بمواجهة تحديات العصر فيما يتعلق بإدخال المزيد من التطويرات على مناهجها، مشيرا إلى أنه يجب أن يكون من أهداف المناهج الانفتاح على واقع المجتمعات الإسلامية ومتغيرات العصر وآفاق المعرفة الإنسانية وأفق المقاصد الشرعية، وإضاءة أوجه الشراكة النافعة بين أتباع الأديان والثقافات وعدم الانشغال بالخلافات الفقهية المتعلقة بالفرعيات.
ويشير الى أن مناهج التعليم الديني مطالبة بإبراز أن الإسلام أكبر وأرحب من أن يختزل في مذهب، وعلى مؤسسات ومعاهد وكليات التعليم الديني إنقاذ الإسلام ومفاهيمه من أهل الضلالات والفتن والجهل وأصحاب الفكر المتشدد والمتطرف.

ثقافة الحوار
ويقول الدكتور عبدالمقصود باشا الأستاذ بجامعة الأزهر: إن مناهج التعليم الديني تتطلب تعزيز ثقافة الحوار، ويتطلب ذلك أن يتضمن التعليم الديني مناهج ومقررات أخرى مثل ثقافة أو فقه الاختلاف لا بين المذاهب الفقهية فحسب، بل كأصل أو حق انساني لكافة البشر، حيث إن مصادرة حق الاختلاف هي التي تجعل الجماعات المتشددة تتجه الى السلاح كأسلوب لحسم الاختلاف، وينبغي على دارس الشريعة أن يؤمن بأن الاختلاف حقيقة إنسانية وكونية يجب القبول بها وحسن التعامل معها.
ولابد أن يتضمن التعليم الديني منهجاً عن ثقافة التسامح، فقد ضرب رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم اروع الأمثلة في التسامح حتى مع اعدائه، لكن المسلمين اليوم أشداء على بعض، ومعظم ضحاياهم بأيديهم أي بأيدي الجماعات الدينية التي تدمر وتدفع عناصرها للتخريب والعنف، وبعض هؤلاء الشباب خريجو معاهد دينية لم تفلح في تحصينهم وتحبيبهم في التسامح، بل علمتهم ثقافة الموت والكراهية والتعصب، وعلى كليات الشريعة في العالم الإسلامي إعلان قطيعة معرفية مع الإرث التعصبي التمييزي المخالف للثوابت الإسلامية، فلا يكفي أن نتغنى بالتسامح شعارا وخطبا، فعندنا أفضل المباديء الإسلامية لكننا نعيش أسوأ الأوضاع التمييزية بين المسلم وأخيه بين الرجل والمرأة بين المسلم وغير المسلم.

نقد الذات
ويقترح أن يكون هناك مقرر عن ثقافة نقد الذات، حيث اعتاد الخطاب التعليمي العام على توجيه اللائمة للآخر الغربي، وتحميله وزر تخلفنا دون توجيه أي لوم للذات، دائما الآخر هو السبب في مصائبنا ولا نقول إن ذلك بما كسبته ايدينا، ومن ثم ينبغي الكف عن تضمين المناهج تلك الطروحات الأيدلوجية التي تسمم أفكار خريجها، وتجعلهم في توتر مع العالم، وفي عدم تصالح مع انفسهم.
وأكد أن منهج نقد الذات من أساسيات ديننا كما يتجسد في النفس اللوامة ودوام المحاسبة والتوبة والرجوع الى الله لذلك يجب رد اعتباره وإشاعته وتفعيله في المناهج الدينية، حيث ان التركيز على سلبيات الآخر وتجاهل ايجابياته فضلا عن أنه يجافي منطق العدل فإنه لا يبني حوارا مثمرا.

القواسم المشتركة
وشدد على ضرورة أن يعمل التعليم الديني على تعميق وتعزيز القواسم المشتركة بين الأديان والمذاهب المختلفة، وهذا يتطلب الإقلاع عن تدريس الاختلافات بين المذاهب والأطياف الإسلامية من منطلق الانتصار لمذهب بعينه والانتقاص من المذاهب الأخرى، فيجب أن تكون القاعدة العامة «نتعاون فيما اتفقنا ونعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا»، وفي هذا الإطار لابد من تدريس مقرر عن ثقافة الاعتذار، فالاعتذار دليل قوة لا ضعف، والجماعات الدينية المتشددة مهما ارتكبت من أخطاء وخطايا تكابر وتعاند وترفض الاعتذار، وقد أوصانا القرآن الكريم بالعدل والإنصاف مع الخصم ولو كان عدوا «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا» ومن أساسيات العدل أن نعتذر إذا أخطأنا.

ثقافة التسامح
أكدت الدكتورة إلهام شاهين أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر أن الحاجة ملحة إلى تطوير وتجديد التعليم الديني، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا أفكارهم وخطابهم وثقافتهم، والتجديد والتطوير من خواص هذا الدين وأصل من أصوله، وحضارتنا ما قامت إلا على خطاب ديني متجدد استوعب ثقافة عصره وتجاوزها، وحين توقف التجديد أصاب الصدأ العقل الإسلامي، مشددة على ضرورة تصحيح النظرة إلى وضعية المرأة في التعليم الديني، حيث إن بعض المناهج تبالغ في حجبها وعزلها عن الحياة العامة، وتبالغ في تحجيم دورها، واساءة الظن بها باعتبارها مصدر الغواية، فضلا عن أنه لابد أن يكون التعليم الديني رافدا لثقافة التسامح والحوار واحترام حقوق الإنسان، ودافعا للخريج للمشاركة الإيجابية في الحياة العامة، وعلى المناهج الدينية أن تكون معززة للتحصين الفكري وتقويته.
وتقترح أن تكون هناك مناهج دراسية متكاملة عن فقه الانتماء وحب الوطن، ويتعلق بذلك مقتضيات ولوازم الانتماء والمواطنة وإعلاء حقوق الإنسان، مؤكدة أننا بحاجة ماسة إلى تضمين منابرنا التعليمية الدينية ثقافة الاختلاف وتعزيزها، فالقرآن الكريم جعل من الاختلاف نعمة وعامل إثراء وتطوير وابداع وجعل الاختلاف حقا من الحقوق الطبيعية للإنسان، يقول تعالى: «لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم»، أي من أجل أن يختلفوا فيتنافسوا ويعمروا الأرض ويبدعوا ويكتشفوا ويطوروا أنفسهم، فلا حرج في الاختلاف مادام محكوما بضوابطه الشرعية من غير احتكار للحقيقة أو الصواب أو إقصاء للآخرين.

اقرأ أيضا