الاتحاد

تقارير

كييف عقيدة السيارات وعقدة الحرمان

60 ألف سيارة جديدة ضُخَّت فقط خلال شهر أكتوبر في شوارع العاصمة الأوكرانية

60 ألف سيارة جديدة ضُخَّت فقط خلال شهر أكتوبر في شوارع العاصمة الأوكرانية

إنه لمن المدهش مراقبة مدينة ما توشك على تدمير نفسها بين ليلة وضحاها· فقد استقرت العاصمة الأوكرانية، كييف، آخر مرة في الوعي الغربي واحتلت مكانتها المرموقة عندما تفجرت في المدينة مظاهرات حاشدة خلال ما بات يعرف لاحقاً ''بالثورة البرتقالية'' لعام ·2004 لكن عندما نلقي نظرة على هذه العاصمة التي لا تزال جميلة، رغم كل المشاكل، والقابعة في أقصى القارة الأوروبية يحق لنا أن نتساءل إلى متى ستقاوم المدينة الضغوط الهائلة التي يتعرض لها نسيجها الحضري قبل أن تنهار؟
مشكلة ''كييف'' تكمن في التواجد الهائل للسيارات بعد الإقبال الكثيف عليها من قبل سكان المدينة، الذين أصبحوا يتمتعون بمستوى معيشي أفضل قياساً إلى الحقبة السوفييتية؛ فبفضل الانتعاش الاقتصادي الذي تشهده أوكرانيا والتأثير الإيجابي لذلك على الطبقة الوسطى تضاعف عدد السيارات التي تجوب شوارع ''كييف'' أكثر من عشر مرات بالمقارنة مع الحقبة السوفييتية الغابرة؛ فحسب صحيفة ''كييف بوست'' قفزت أوكرانيا في العام 2006 من المرتبة 12 إلى المرتبة السادسة في معدل شراء السيارات الجديدة والإقبال عليهـــا، وهــو الإقبـــال الذي تقــــول بشأنه إحــدى الصحــف الكبرى في العاصمـــة أنـــه ارتفـــع إلـــى 52 بالمائة منــذ شهر سبتمبر الماضي·
وبحسب وكالة الأنباء ''يونيان'' الأوكرانية تم تسجيل 60 ألف سيارة جديدة خلال شهر أكتوبر الأخير في العاصمة لتضيف إلى العدد الإجمالي من السيارات في ''كييف'' الذي تقدره وزارة الطوارئ الأوكرانية بحوالي 1,5 مليون سيارة· ويتوقع المراقبون أن يرتفع عدد السيارات بأكثر من مليون سيارة بحلول عام ·2011 وبالنسبة لمدينة مثل ''كييف'' فإن ذلك يقترب من الكارثة، حيث الشوارع التي كانت إلى غاية 1991 فارغة وخفيفة الحركة قبل خمس سنوات فقط تحولت اليوم إلى شبكة مختنقة طيلة اليوم· وهكذا أصبحت تمثل السيارات بالنسبة لـ''كييف'' ما يمثله الماء مثلا لمدينة البندقية في إيطاليا، أو ما يمثله الثلج بالنسبة لشعب ''الإسكيمو'' في القطب الشمالي المتجمد، وبات التواجد الكثيف للسيارات أحد الملامح الأساسية للتجربة اليومية في العاصمة كييف· وبالنظر إلى المقاربة السوفييتية التي تعتمدها أوكرانيا للحد من الانبعاثات الملوثة أصبحت الأجواء غير محتملة حتى بالنسبة لسكان أقذر المدن الغربية، ولا ينصح بفتح النوافذ أثناء النهار، حيث تكتظ الشوارع وتعلــو السمـــاء طبقة من الضبــاب الملوث ليبقى أفضــل وقت لفتح النوافذ هو الليل بعد أن تخف حركة المرور ويتلاشى التلوث·
لقد أصبح الحديث عن التلوث والاختناق المروري محور ناقشات سكان العاصمة تماماً مثل ما اكتسته أحاديث السياسة من أهمية خلال الثورة البرتقالية، ولعل أفضل من فسر ظاهرة الإقبال على السيارات في أوكرانيا إحدى المجلات الرصينة التي وصفت الوضع بكونه ''عقيدة جديدة للسيارات'' ناتجة عن المكانة التي تضفيها السيارة على المستهلك، والتي لا يمكن مثلا تخيل وجودها في الغرب بعدما فقدت السيارة في المجتمعات الغربية بريقها· ويرجع ذلك حسب المجلة دائما إلى ثقافة الحرمان التي عاشها الأوكرانيون إبان الحقبة السوفييتية، والتي ولدت لديهم نهماً للاستهلاك ولكل ما يعكس قيمة اجتماعية، حتى لو كانت مزيفة· فقد كان حلم امتلاك السيارة إحدى الأمنيات التي ظلت تراود المواطن الأوكراني في العهد السوفييتي لفترة طويلة، واليوم ومع انطلاق القروض البنكية الميسرة أقبل الجميــع على شرائهـــا بنهم منقطع النظير·
وغني عن القول إن هذا الاختناق المروري والاكتظاظ غير المتحكم فيه، الذي تغذيه ثقافة استهلاكية وقيم اجتماعية جاءت مع رياح الرأسمالية والسوق الحرة، يهدد مستقبل العاصمة ''كييف''· فبالنظر إلى تاريخها العريق كانت ''كييف'' إحدى أفضل المدن السوفييتية، وهو ما عبر عنه الصحفي البولندي ''ريزارد كابوشينسكي'' في وصفه للمدينة عندما ذكر في كتابه الذي سجل فيه رحلاته الأخيرة في الاتحاد السوفييتي قبل انهياره ''إن كييف هي المدينة الوحيدة التي تشعر فيها أنك غير مجبر على العودة مسرعاً إلى البيت، بل تتوق فيها إلى التجول والسير متمهلا''·
لكن بعد عقد ونصف العقد من الزمن اختفت المدينة التي تحدث عنها الصحفي البولندي، وتحولت إلى مكان يصعب فيه المشي على الأقدام بعدما اجتاحت السيارات الأرصفة· كما تحولت تجربة النزهة الممتعة بين شوارع المدينة إلى محنة خطرة يتعين على المشاة المرور بين السيارات والالتفاف حولها قبل متابعة السير مجدداً· ولا يعرف أحد متى سينتهي كل ذلك ويخف الهجوم الكاسح للسيارات على شوارع المدينة ومعالمها التاريخية· ويبدو أن سكان ''كييف'' الذين انتقلوا من حال إلى آخر في وقت وجيز لا يتعدى الخمس سنوات قد أخذوا على حين غرة ويلزمهم بعض الوقت لإدراك ما ينتظر مدينتهم إذا لم يتنبهوا للأمر قبل فوات الأوان·
أندري سليفكا-أوكرانيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا