الاتحاد

تقارير

إلى متى النفاق.. أيها الرفاق؟!

العالم كله الآن يقف في منطقة رمادية بلا معالم، أو قل إنها منطقة نفاقية لا لون لها ولا طعم ولا رائحة ولا حسم ولا اسم. إنه عالم منافق وليس مجنوناً كما يزعمون - لا حرب ولا سلم - لا خير ولا شر.. لا مؤمنون ولا كفار.. لا حق ولا باطل. حتى الذين يقاتلون بشعارات «الله أكبر» منافقون وتجار دين ودم. لا يوجد في العالم خصم شريف أو صديق وفي.. والدول تبرر التلون كالحرباء بقولها: إن العلاقات الدولية علاقات مصالح لا علاقات مبادئ. والمصالح متغيرة ولا ثبات لها. ولا عداوات واضحة ولا صداقات واضحة. وهذه حال المنافقين الذين يلمزون في الصدقات والمبادئ والقيم والمثل العليا. فإذا كانت لهم رضوا، وإذا كانت عليهم سخطوا، ويُقال إن الناس ثلاثة: رجل تأمنه ولا تخاف منه. ورجل تخاف منه ولا تأمنه ورجل لا أمان له ولا خوف منه. والصنف الأول لا وجود له. والثاني يتمثل فيما يسمى القوى الدولية الإقليمية المحيطة بنا نحن العرب. أما الثالث، فهم العرب أنفسهم كما قال ذلك زعماء في العالم، وتلك هي طامة العرب الكبرى. لا خوف من عدوانهم ولا جدوى من صداقتهم، وأبرز من قال ذلك ديفيد بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل الأسبق. وتقول العرب في كلامها المأثور: إذا لم تنفع فضر، أما ألا تنفع ولا تضر فتلك الحالقة.. واللاأمان واللاخوف هو المبدأ الحاكم في العلاقات البينية العربية.. إذ لا يأمن العرب بعضهم ولا يخافون من بعضهم، وتتحكم الأهواء لا المصالح ولا المبادئ في علاقاتهم. ولا تعرف لماذا يتقاربون، ولماذا يتباعدون، ولماذا يتخاصمون ولماذا يتصالحون؟ قد تفرقهم مباراة في كرة القدم وقد تجمعهم قمة تلتقي فيها دوماً الأجساد ولا تلتقي القلوب والعقول والأرواح. والسؤال الذي يقف في حلقي دوماً: لماذا يتصالح العرب المتخاصمون؟ ولماذا يتخاصم العرب المتصالحون؟ وأكاد أبكي، وأنا أتابع اقتراب الأزمة السورية من الحل فقط عندما خرج منها العرب، وصارت بأيدي روسيا وإيران وتركيا. أكاد أقطع بأن العرب لا أمان لهم ولا خوف منهم. أكاد أجزم بأنهم إذا دخلوا أمراً شانوه وإذا خرجوا من أمر زانوه. أكاد أبكي، وأنا أرى العراق يسمح لكل القوى الدولية والإقليمية بالمشاركة في تحرير الموصل. يسمح لها بأن ترتع وتلعب في سمائه وأرضه، لكنه يرفض تدخل العرب أو حتى نصائحهم.. وأعود لأضحك بعد البكاء، وأن أسمع وأقرأ الإسراف العربي في استخدام كلمة «الشقيق والأشقاء»، وأتذكر بيتاً لا أمل تكراره للشاعر الطغرائي يقول فيه:
غاض الوفاء وفاض الغدر واتسعت
مسافة الخلف بين القول والعمل
وأترك الدول وأتجه إلى الشعوب العربية وأتساءل: هل هناك رأي عام عربي يمكن قياسه واستطلاعه تجاه أي قضية؟ هل يمكن التوصل إلى نتيجة بأن جل الرأي العام العربي مع أو ضد قضية ما؟ أشك كثيراً في هذا، فالشعوب العربية تتأرجح في معظمها تبعاً لمواقف الدول العربية الرسمية. إنها في الأغلب صدى وليست صوتاً. وتتحكم الأهواء فيها كما تتحكم نفس الأهواء في المواقف الرسمية. فنحن جميعاً أوجلنا أو ربما أنا وحدي لا أراهن أبداً على مواقف الدول العربية، وبالتالي الشعوب العربية تجاه قضية ما، فالساخن يبرد بلا سبب والبارد يغلي بلا مبرر. والتعامل في المواقف بالقطعة، ولا أعرف سبباً لخلاف مفاجئ ولا سبباً لوفاق مفاجئ، ولا أعرف سبباً أو ربما أعرفه ولا أفهمه لتحول الأمة العربية إلى مفرخة وحاضنة للإرهاب والعنف والتطرف والغلو والكراهية. هل لأننا أحفاد الرجل التميمي الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل.. تلك قسمة ما أريد بها وجه الله. يقصد قسمة الغنائم. فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: يخرج من أضض هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.. أي يخرج من نسله أجيال من المنافقين.. فلا وعد يُنجز، ولا عهد يُصان، ولا أمانة تُحفظ، ولا حديث يصدق ولا شرف في الخصومة.
والإعلام العربي بكل وسائله ووسائطه، مرآة تعكس المشهد كله، حيث لا رسالة ولا هدف، وحيث الكلام جميل والفعل قبيح، وحيث نقول بألسنتنا ما ليس في قلوبنا، فالخلافات والصراعات مشتعلة ومستمرة، ومع ذلك نقول عقب كل لقاء إن المباحثات كانت ودية ومثمرة وإيجابية وبناءة. والعرب قوم قول لا قوم فعل ويعجبهم حسن الكلام حتى يصرفهم عن حسن الفعل. ويغفرون سوء الفعل إذا كان كلام المرء فصيحاً وقد أجاد العرب تحسين القبيح على مر العصور، حتى أنهم أجادوا تبرير الفرار من الزحف، ويقال: «ما اعتذر أحد من القرار بأحسن ما اعتذر به الحارث بن هشام حين قال:
الله يعلم ما تركت قتالهم.. حتى رموا فرسي بأشقرَ مزبدِ
فعلمت أني إن أقاتل واحداً
أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
فصدفت عنهم والأحبة فيهم
طمعاً لهم بعقاب يوم مفسدِ
يقول إنه فر من القتال عندما رموا فرسه بالدم المزبد، ورأى أنه مقتول لا محالة لذلك فر طمعاً في فرصة أخرى ينتهزها لقتال خصومه.. وعندما سمع أحد ملوك سجستان هذا الشعر قال: يا معشر العرب حسنتم كل شيء قبيح حتى الفرار من الحرب.
واعلموا هداني الله وإياكم أن المبالغة والغلو والتطرف والتنطع والإرهاب وتحسين القبيح من أبرز وأخص خصائص المنافقين الذين يعجبك قولهم في الحياة الدنيا، ويشهدون الله على ما في قلوبهم، وهم ألداء الخصام، وإذا تولوا سعوا في الأرض من أجل إفسادها وإهلاك حرثها ونسلها، وهذا يعني أن النفاق قول جميل وفعل قبيح ودميم ذميم.. والعالم كله بهذا التوصيف مصاب بداء النفاق والعرب في القلب من هذا العالم المنافق، حيث المبالغة مع الأمر أو ضده وحيث الإسراف في استخدام أفعل التفضيل مثل أعظم وأقوى وأكبر وأجمل وأخطر وغيرها.. والمبالغة والغلو والتطرف مساحيق تجميل لإخفاء عوار وعيوب النفاق.. الذي يسميه العالم الدبلوماسية، أي أن تقول كل شيء ولا تقول شيئاً، لذلك تبقى المشاكل بلا حلول وتبقى القضايا بلا حسم، ونبقى في منطقة رمادية بلا اسم.. فإلى متى النفاق يا رفاق؟!

*كاتب صحفي

اقرأ أيضا