الاتحاد

العيد الوطني

الإمارات و التعاون ·· صلابة البيت الخليجي

ساهمت الإمارات العربية المتحدة بشكل فاعل في تطوير آليات العمل العربي المشترك، فحرصت باعتبارها من الدول المؤسسة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية وانطلاقاً من إيمانها بوحدة الهدف والمصير على تعزيز العمل الخليجي المشترك، وساهمت مع دول المجلس، منذ إعلان ميلاده في أبوظبي في 25 مايو ،1981 في تعميق روابط التعاون والتآزر بين دوله وشعوبه·
يؤكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ''حفظه الله'' أن ما تحقق في مسيرة مجلس التعاون منذ انطلاقها عام 1981 يدعو إلى الفخر والاعتزاز إزاء ما يجمع دول المجلس من تقارب وتعاون يزيد صلابة البيت الخليجي· وجاء في كتاب أصدره مكتب شؤون الإعلام لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء حمل عنوان ''خليفة ومجلس التعاون'' أن رؤية الدولة لمجلس التعاون كإنجاز انطلاقاً من حرص صاحب السمو رئيس الدولة، يؤكد تكاملية علاقات الاخوة القائمة بين دول المجلس وتجسيداً لما ارتقت إليه مسيرتها من تقدم وإنجاز على أصعدتها كافة وإعلاءً لما أوفت به من مكاسب للكيان الخليجي الواحد·
وتؤكد هذه الرؤية أن مجلس التعاون الخليجي هو إنجاز رائد يثمنه صاحب السمو رئيس الدولة بقوله ''إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو تجسيد بارز حي لارتباط شعوب الخليج وتلاحم مصيرها، وهو صرح اختاره قادة الدول الخليجية الست الذين يشعرون بنبض شعوبهم إحساساً عفوياً ويدركون تماماً اتجاه تطلعاتها''·
كما يقول صاحب السمو رئيس الدولة وفق دراسة كانت تزامنت مع انعقاد قمة المجلس 26 في أبوظبي 2005 إن وحدة دول مجلس التعاون هي وحدة ''تقوم على أسس مشتركة كالعقيدة والتاريخ والتوجيه، كما أن شعوبها تشكل مجموعة متجانسة ومتطابقة الآراء والمصالح''· وتقول الدراسة إن العمل الخليجي المشترك يعتبر في نظر صاحب السمو رئيس الدولة أمراً حيوياً لبلوغ الأهداف والمصالح المنصوص عليها في ميثاق المجلس وحتى يصبح بمثابة دائرة قوية فعالة ونموذجاً لما يجب أن يكون عليه مستوى التعاون بين الأشقاء العرب ورافداً تقوى به جامعة الدول العربية وتحشد الطاقات نحو الوحدة العربية الشاملة، وفي ذلك قال ''إن إنجازات المجلس تتواصل وهدفنا الأول هو أن تنطلق مسيرة المواطن الخليجي على درب الرقي والتقدم فيما يمكن أن تسجل معه منطقتنا ودولنا مرحلة جديدة ووضع ثقة التكاتف والتعاون على أعلى المستويات''·
وتوضح الدراسة أن صاحب السمو رئيس الدولة أولى اهتماماً كبيراً بإعلاء التعاون الاقتصادي الخليجي خصوصاً أن دول مجلس التعاون مؤهلة لتشكيل بنية اقتصادية ضخمة بالتوازي مع التنسيق السياسي والتنسيق العسكري إذ لا يمكن أن يتحقق واحد منها بمعزل عن الآخر حيث قال سموه ''إن من الأمور والحقائق الأساسية في عالم اليوم أن التنسيق والتكامل السياسي والعسكري يظل ناقصاً وهشاً ما لم يستند إلى التكامل الاقتصادي الذي يعتبر الأساس في أي عملية تكاملية تطمع إلى البقاء والاستمرار''·
وذكرت أن لصاحب السمو رئيس الدولة ''حفظه الله'' رؤيته العميقة لمنطقة الخليج العربي لكونها منطقة استراتيجية يرتبط أمنها واستقرارها بأمن العالم واستقراره وباعتبارها كذلك جزءا لا يتجزأ من الوطن العربي ومن هذا المنظور يؤكد سموه ''أن قيام المجلس كان بحد ذاته مكسباً كبيراً لدول المنطقة والوطن العربي بشكل خاص والعالم كله بشكل عام؛ لأنه جاء محققاً لآمال وتطلعات شعوبنا وتعبيراً عن رغبتنا في البعد عن التوتر والصراع الدولي''·
وأوضحت الدراسة أن رؤية صاحب السمو رئيس الدولة لمجلس التعاون الخليجي ودوره في تعزيز بنيانه قد انطلقت من أسس واقعية تدرك تمام الإدراك مكانة المنطقة الاستراتيجية والتاريخية والدور الذي ينبغي أن تضطلع به دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي لخدمة الاستقرار والسلام العالميين وتعزيز روح التضامن والتنمية في الوطن العربي·
أسس ومفاهيم مشتركة
سعت الإمارات إلى تحقيق التكامل بين دول المجلس في مختلف الميادين، وتنسيق مواقفها وسياساتها الخارجية والاقتصادية وعلاقاتها الإقليمية والدولية مع دول العالم كافة، بما يحقق مصالحها القومية ومنفعة شعوبها الوطنية وطموحاتها في الازدهار والاستقرار، مما أكسب منظومة المجلس ثقلاً ووزناً كبيرين على الصعيدين الإقليمي والدولي· ولم يوفر سعي الدولة في هذا الإطار أي صعيد سواء العمل الجماعي أو الثنائي أو أعمال اللجان العليا المشتركة التي تربط الإمارات مع دول المجلس، وبما يحقق المصالح المشتركة والمتبادلة بين شعوبه·
ومن هذا المنطلق عمدت الإمارات إلى تنسيق المواقف بين الدول الأعضاء تجاه مختلف القضايا باعتباره ركناً مهماً من أركان التعاون الخليجي· وقد ساهم التجانس بين دول الخليج العربية في تمكين مجلس التعاون من تبني مواقف موحدة تجاه القضايا السياسية، واعتماد سياسات ترتكز على مبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة كل دولة على أراضيها ومواردها، واعتماد مبدأ الحوار السلمي وسيلة لفض المنازعات، الأمر الذي أعطى المجلس قدراً كبيراً من الصدقية، كمنظمة دولية فاعلة في هذه المنطقة الحيوية للعالم بأسره·
وذكر التقرير السنوي لمسيرة مجلس التعاون عام ،2006 أن المجلس لم يتوان عن اقتناص كل فرصة لتفعيل العمل المشترك نحو المستقبل بغية الوصول إلى تكامل اقتصادي واجتماعي وسياسي يجسد الوحدة الخليجية التي تتوافر لها جميع المقومات التاريخية والحضارية والبشرية والمادية، في مرحلة تعد من أهم المراحل في مسيرة التعاون المشترك·
ولو رجعنا إلى الوراء وبالذات في أوائل ثمانينات القرن الماضي سنجد أن نشأة المجلس إنما كانت لاعتبارات أمنية صرفة عضدتها الأحداث اللاحقة خصوصاً في مطلع عقد تسعينات القرن الماضي· فقد بدأت الجهود المكثفة لقيام مجلس التعاون لدول الخليج مع مؤتمر القمة العربي الحادي عشر الذي عقد في عمان بالأردن في شهر نوفمبر ،1980 واضطلعت الإمارات والكويت بعرض فكرة إنشاء استراتيجية خليجية مشتركة للتعاون في جميع المجالات على قادة دول الخليج العربية الست، وكان التصور ينبني على تقوية الروابط بين هذه الدول في كل المجالات السياسية والاقتصادية والنفطية والثقافية والعسكرية في إطار تنسيق مشترك تجمعه إستراتيجية شاملة، ورحبت دول المنطقة بالفكرة بشكل عام·
وفي فبراير عام 1981 عقد في الرياض مؤتمر ضم وزراء خارجية دول الخليج وهي: دولة الإمارات العربية المتحدة - البحرين - المملكة العربية السعودية - سلطنة عُمان - دولة قطر - دولة الكويت، حيث تم مناقشة خطة العمل لقيام الكتلة الإقليمية الخليجية· كانت فكرة التعاون الخليجي ضرورة فرضها الواقع الجيوسياسي لتكون بمثابة واجهة سياسية واقتصادية في تلك الفترة البالغة الحرج، وبشكل أساسي كانت ضرورة للتصدي للأطماع على منطقة الخليج العربي في إطار سياسي وليس حلفاً عسكرياً· وكانت رؤية الإمارات إلى هذا الكيان الموحد تستند إلى واقع تاريخي واجتماعي وثقافي، حيث تتميز دول مجلس التعاون بعمق الروابط الدينية والثقافية، والتمازج الأسري بين مواطنيه، وهي في مجملها عوامل تقارب وتوحد عززتها الرقعة الجغرافية المنبسطة عبر البيئة الصحراوية الساحلية التي تحتضن سكان هذه المنطقة، ويسرت الاتصال والتواصل بينهم وخلقت ترابطاً بين سكان هذه المنطقة وتجانساً في الهوية والقيم·
بين قمتين
انطلاقاً من هذه الرؤية أطلقت أبوظبي المساعي لاستضافة أول قمة لـ''مجلس التعاون الخليجي'' في الفترة من 25 - 26 مايو 1981 ويعد هذا الاجتماع المؤتمر التأسيسي للمجلس، حيث تم فيه التصديق النهائي على النظام الأساسي، مما شكل البداية القانونية له، كما تم التصديق على اختيار أول أمين عام للمجلس عبد الله يعقوب بشارة والموافقة على تشكيل هيئة لتسوية المنازعات، والنظام الداخلي لكل من المجلس الأعلى والمجلس الوزاري وتشكيل لجان مشتركة لتعزيز التعاون بين دول المجلس في شتى المجالات·
وأصدرت الدورة الأولى للمجلس الأعلى ''إعلان أبوظبي'' الذي أكد أن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية كـ''استجابة للواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي والاستراتيجي الذي مرت وتمر به منطقة الخليج العربي وأن التضامن الطبيعي الذي يربط البلاد العربية في الخليج حري به أن يظهر في إطار مشترك يجسد كل الخطوات الإيجابية والفعالة الثنائية والجماعية التي اتخذت حتى الآن لصالح شعوب المنطقة'' وفقاً لما ورد في نص الإعلان· وبحث المجلس في هذه الدورة التعاون العسكري وقرر دعوة وزراء الدفاع للاجتماع لتحديد الأولويات التي تحتاجها دوله من أجل تأمين استقلالها وسيادتها·
حدد النظام الأساسي للمجلس أهدافه في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية، والتجارية والجمارك والمواصلات، وفي الشؤون التعليمية والثقافية، والاجتماعية والصحية، والإعلامية والسياحية، والتشريعية، والإدارية، ودفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية، وإنشاء مراكز بحوث علمية وإقامة مشاريع مشتركة، وتشجيع تعاون القطاع الخاص· وتلا ذلك توقيع ملوك ورؤساء الدول الأعضاء الاتفاقية الاقتصادية الموحدة وذلك في الدورة الثانية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون التي عقدت فى مدينة الرياض في الفترة من 10 - 11 نوفمبر ·1981
وعلى مسافة ربع قرن من الزمان احتضنت أبوظبي التي انطلقت منها مسيرة مجلس التعاون بخطواته الأولى، مجدداً قمة المجلس السادسة والعشرين· وبالرغم من أن أبوظبي استضافت عدة قمم للمجلس على مدى عمره الزمني بالتناوب وفقا لنظامه الداخلي، إلا إن قمة 2006 كان لها أهميتها، إذ احتفل الخليجيون باليوبيل الفضي لمجلسهم في العاصمة التي ولد بها·
وتمثلت أهمية قمة أبوظبي ''الفضية'' السادسة والعشرين في رفد مسيرة المجلس طوال ربع قرن من عمره بالنجاحات التي كانت للدولة مفاصل ومواقف مهمة فيها بدءاً من تأسيسها مروراً بتأسيس درع الجزيرة والنظام الأمني الإقليمي، والاندماجات الاقتصادية والاجتماعية وفي مجالات عديدة أخرى مما تحقق، ولعل أبرز ما يؤشر من أهمية لنتائج هذه الدورة هو:
أولاً: النجاح لأول مرة منذ استقلال الدول الخليجية ونشأة الدولة الحديثة في الخليج العربي وتأسيس مجلس التعاون في تسوية ملفات الخلافات الحدودية التي وقفت حجرة عثرة وعقبة كأداء في سبيل ترسيخ التجربة التكاملية لدول الخليج العربية، وذلك من خلال صدور حكم محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن الخلاف الحدودي بين البحرين وقطر حول جزر حوار إضافة للمسائل الإقليمية الأخرى والذي كان لدولة الإمارات دور فاعل فيه وجهد تكلل بالنجاح، وإعلان الدولتين قبولهما لحكم المحكمة والتزامهما به·
وتوقيع كل من السعودية وقطر للخرائط النهائية لترسيم الحدود بينهما، وفي الوقت ذاته نجاح كل من السعودية واليمن في تسوية خلافهما التاريخي الطويل حول الحدود بينهما وكان قد سبق ذلك اتفاق كل من الامارات وعمان على تسوية مشكلات الحدود بينهما، والكويت والسعودية على تحديد الحدود البحرية بينهما خاصة بشأن حقل الدرة البحري النفطي·
وهكذا بات ملف الخلافات الحدودية جزءاً من الماضي، الأمر الذي يعبد الطريق أمام تعميق التعاون والتكامل بين دول الخليج من دون حساسيات سياسية أو تنازعات إقليمية·
ثانياً: التحولات الديمقراطية التي تشهدها بلدان الخليج العربية، فقد باتت معظم بلدان الخليج مقبلة على تحولات ديمقراطية عميقة بدرجات مختلفة· وهذه التحولات من شأنها خلق بيئة جديدة تماماً لمسيرة مجلس التعاون، ولآفاق التطور والتكامل الخليجي، بعد أن بات ممكناً التطلع إلى استكمال ذلك البعد الغائب في التجربة التعاونية الخليجية، وهو البعد الشعبي أو التطلع إلى قدر أكبر من المشاركة الشعبية الخليجية في رفد مسيرة المجلس بزخم ديمقراطي جماهيري، وباتت الأبواب مفتوحة على إمكانية تطوير الهيئة الاستشارية الخليجية التي أنشئت لتتطور تدريجياً وتصبح بمثابة برلمان خليجي يمكن أن يتم اختيار أعضائه تدريجياً بالانتخاب الحر المباشر·
وفي هذا الجانب، حققت الإمارات تطوراً في هذا الإطار إيماناً منها بأن الديمقراطية ستوفر أجواء أفضل لمناقشة أنجع السبل لتدعيم مسيرة التكامل والاندماج الخليجي، كما ستوفر مناخاً أكثر مواتاة لمناقشة سياسات المجلس وتوجيه الانتقادات لها والعمل على تصويبها·
ثالثاً: ازدياد وتيرة الاهتمام الخليجي بالإسراع بمشاريع التكامل الاقتصادي الخليجي، مع اقتراب انتهاء فترة السماح لتطبيق اتفاقيات الجات ''1994-،''2004 ودخول عصر منظمة التجارة العالمية وهو ما اقتضى من دول الخليج الإسراع بخطى تهيئة الذات وإعداد البيئة الداخلية والخليجية الإقليمية للتفاعل مع التزامات وتداعيات عصر العولمة والتجارة المفتوحة·
رابعاً: حدوث تطورات تشير بإمكانية التقدم في مشاريع تحقيق تقارب سياسي أكبر في تجربة مجلس التعاون الخليجي، والاتجاه إلى الاتفاق على صيغة سياسية مرحلية لتكريس قدر أكبر من الاندماج السياسي بين دول الخليج·

اقرأ أيضا