صحيفة الاتحاد

العيد الوطني

زايـد... رحلة نجــاح السياسة الخارجية للدولة الاتحادية

العلاقات المتوازنة مفتاح السر في نجاح السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وهو شعار الدولة غير المعلن في الطريقة التي تعاملت بها الدولة مع دول العالم أجمع، في وقت لعبت التجاذبات السياسية والخلافات القريبة والبعيدة دورا في رسم السياسات الخارجية للعديد من الدول الحديثة النشأة، وهو ما كان بسبب الدور الذي لعبه قائد المسيرة الاتحادية -المغفور له بإذن الله- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في إقامة علاقات متوازنة مع الجميع، وهي الصفة الركيزة في شخص سموه ''رحمه الله''، والتي كانت فيما بعد منارة لتحركات الدولة على صعيد السياسة الخارجية·
لقد بدأت السياسة الخارجية لدولة العربية المتحدة تتضح معالمها حتى قبل تكوين الدولة الاتحادية بسنوات، وهو ما بدا واضحا وبجلاء في نهج المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في وقت مبكر من حكمه لمدينة العين عام 1946 ثم حاكما لإمارة أبوظبي في أغسطس عام ،1966 فمن تلك الحدود الصغيرة أرسى علاقات طيبة بين حكام المنطقة على أساس من الاحترام والتقدير المتبادل، وقد أدت هذه السياسة إلى انفراج العلاقات بين قطر وإمارة أبوظبي والتي كانت متوترة لسنوات طويلة، بالإضافة إلى تنقية العلاقات مع سلطنة عمان وتبديد ما يمكن أن يعكر صفوها، وهو في تلك التعاملات اعتمد على أسلوب حل القضايا العالقة مع جيرانه بشكل مباشر وصريح، معتمدا على نسق التعامل الشخصي في تسوية الخلافات، مستخدما في ذلك اللقاءات الشخصية الرسمية وغير الرسمية والدعوات المستمرة للزيارات وتبادل التهاني في المناسبات وخطابات التهنئة، وغيرها من السبل التي تمد يد الصداقة والسلام إلى الجميع وتبدد أي علامات للصراع والعداء·
بجانب تلك التعاملات كانت تطلعات الوحدة لدى المغفور له الشيخ زايد قديمة وراسخة في وجدانه، فكانت بداية فكرة الدولة الاتحادية لديه دافعا لتحركاته التي شهدتها منطقة الإمارات المتصالحة مع بوادر خروج المستعمر من المنطقة، فكان اتفاق ''السميح'' الذي يعتبر تتويجا لعدد من الخطوات التي ذللت الكثير من المعوقات والخلافات القائمة بين إمارات الساحل، لاسيما مشاكل ترسيم حدود الإمارتين: دبي وأبوظبي، بموجب اتفاق بين المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمغفور له راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم إمارة دبي آنذاك، وقع في الثامن عشر من فبراير عام ،1968 وعلى أساس ذلك الاتفاق تم دمج الإمارتين في اتحاد تكون له سياسة خارجية ودفاعية وأمنية وخدمات اجتماعية واحدة، يتبنى سياسة واحدة فيما يتعلق بالجوازات والهجرة·
عمد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان الى أن يكون الاتحاد مفتوحا ليمتد لباقي إمارات الساحل المتصالح، ودعا إليه الإمارات الخمس الأخرى وقطر والبحرين، وبعد عدة تحركات قادها حاكما إمارتي أبوظبي ودبي، اجتمع حكام الإمارات الخليجية التسع في دبي ووقعوا في السابع والعشرين من فبراير عام 1968 اتفاقية للتعاون بينهم، لإقامة دولة فيدرالية موحدة· ومنذ ذلك التاريخ وحتى تم إعلان قيام الدولة الاتحادية، لا يمكن تجاهل الدور الشخصي والمركزي الذي قام به المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في تذليل العقبات وتهيئة النفوس بين حكام الإمارات التسع للاستمرار في الاتفاقية، غير أن النزعة الاستقلالية لدى البعض وتدخل بعض القوى الخارجية لم يكملا العقد التساعي؛ ولكن الاتحاد بين إمارات الساحل المتصالح كان مصيرة النجاح، لاسيما بعد المبادرة التي قام بها المغفور له الشيخ زايد في الثالث عشر من يوليو عام 1971 مع حكام الإمارات الأخرى، وبعد مفاوضات مطولة بتخييرهم، إما أن يقبلوا باتحاد واضح المعالم وفعال -حسب رؤية سموه وبمساندة اقتصادية من إمارة أبوظبي- وإما أن تشق كل إمارة طريقها بمفردها، فكان القبول بالاتحاد وخروجه إلى الوجود في الثاني من ديسمبر عام ·1971
غلبت الصفات الشخصية للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على مبادئ السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، فقد كان لها دور أولي في تحديد شكل هذه السياسة وأهدافها، والتي عموما تخطت بها المحددات الأخرى وفاقتها وتأثرت بها، مثل المحددات الاجتماعية والاقتصادية والنسق العقيدي والأيدلوجي وهيكل صنع القرار في الدولة· فالنهج الذي سار عليه المغفور له الشيخ زايد كان له دور محوري في تحديد شكل وأهداف السياسة الخارجية، فالاهتمام الخاص الذي أبداه سموه بعلاقات بلاده الخارجية -كما جاء صراحة في أغلب خطب سموه ودوائر اهتمامه وأفعاله- بجانب طبيعة مجتمع الإمارات ودور الشخصية الوطنية وتقبلها الثقافي للحوار والتفاعل الحضاري وعدم التقوقع والعزلة بحكم الميراث التاريخي والجغرافي للمنطقة، أثمر مبكرا وأكد نجاح هذه السياسة·
لقد كان للنسق العقيدي لصانع قرار السياسة الخارجية دور في توجيه السياسة الخارجية للدولة من خلال تصوراته وقيمه، فالنصرة والمؤازرة من طبيعة ابن الصحراء، وهو ما أضفى تلك السمة على سياسة الدولة الخارجية، وجاء الدستور ليقننها عندما أكد أن ''تقوم السياسة الخارجية للدولة على نصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية، وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب على أساس ميثاق الأمم المتحدة والأخلاق الدولية المثلى''· أما في هيكل صنع القرار فقد كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أحد ثلاث جهات اختصت وحدها بالسياسة الخارجية، وذلك حسب نص القانون الاتحادي رقم 3 لسنة ،1972 القائل بأن السياسة الخارجية للدولة هي من اختصاص المجلس الأعلى ورئيس الدولة ومجلس الوزراء، ولذا فالسياسة الخارجية لدولة الإمارات لم يشهد لها يوما بالازدواجية أو التخبط بسبب وضوح نهج وأساليب سموه· وحول المحدد الاقتصادي، تحركت أهداف السياسة الخارجية بوسائل وفرها لها الوضع الاقتصادي المتميز للدولة، بحراك ذي هامش عال، نجح المغفور له الشيخ زايد في استخدامها بحنكة عالية وتخطيط فريد، لخدمة مصالح الدولة بطريقة تفيد دوائر اهتماماته الرئيسية في محيطيه العربي والإسلامي·
كان لتلك المحددات دور في تحديد أهداف السياسة الخارجية لدولة الإمارات، وهو ما حددته الدولة منذ أيامها الأولى في الخطاب الذي ألقاه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بمناسبة العيد الوطني الأول لدولة الإمارات في بداية تأسيسها؛ فقد أكد -رحمه الله- على أن أهداف السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة تتحرك في أربعة اتجاهات، هي: أولاً: إقامة علاقات طيبة بين دولة الإمارات المتحدة وبين الدول المجاورة والتعاون معها، وحل الخلافات بينها في المستقبل بالطرق الودية والسلمية· ثانياً: الحرص على أن تقوم الدولة الاتحادية بدورها في الوطن العربي، والالتزام بالمواثيق المبدئية والأساسية التي اتخذتها مع هذه الدول· ثالثا: تعزيز التضامن الإسلامي ودعم التعاون مع مختلف الدول الإسلامية في جميع الميادين· رابعا: التعاون المثمر مع جميع الشعوب في مختلف المجالات لتوفير الأمن والسلام والتقدم·
هذه هي البداية النظرية للسياسة الخارجية لدولة الإمارات على لسان مؤسس الدولة الاتحادية المغفور له الشيخ زايد؛ وبالفعل كان التطبيق العملي، فقد اندمجت دولة الإمارات العربية وبسرعة في النظام السياسي والاقتصادي الدولي بكل إيجابياته وسلبياته وبكل فرصه ومخاطره التي يمكن أن يفرضها على دولة حديثة النشأة؛ ورغم قلة الخبرة بالمجال الدولي، لم يكن هناك عائق مقابل المحددات الشخصية للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان، فكانت سياسته النشطة والمعتدلة والمنفتحة، تستند في نهجها على أسلوب الحوار والتفاهم بين الأشقاء والأصدقاء، وهو النهج الذي هيأ للدولة حضورا سياسيا بارزا في محيطها الخليجي والعربي والدولي·
لم تنتظر دولة الإمارات العربية المتحدة كثيرا لتحقيق أهداف هذه السياسة فحولت التوجه النظري إلى عملي بأول انضمام دولي لها في السادس من ديسمبر عام 1971 لجامعة الدول العربية، وفي التاسع من نفس الشهر انضمت إلى الأمم المتحدة، وإلى منظمة المؤتمر الإسلامي بتاريخ 4 مارس ،1972 كما كان لها دور إيجابي في إنشاء وقيام مجلس التعاون الخليجي في 25 مايو ،1981 وكانت عضوية الدولة في هذه المنظمات عضوية فاعلة إلى أقصى الحدود بشكل يتناسب مع حجم الدولة·
ولم يقتصر دور الدولة على العمل المنظم داخل أطر المنظمات العربية فحسب، بل تعداه إلى دور أكثر إيجابية في علاج الكثير من القضايا محل الخلاف بين الدول العربية، والشواهد التاريخية على مواقف الدولة لا سيما دور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مساعي الوئام ورأب الصدع عديدة، وعلى سبيل المثال لا الحصر مساعيه الحميدة في نزع الخلاف بين مصر وليبيا عام ،1974 وجهود الوساطة بين سلطنة عمان واليمن الديمقراطية عام 1982 مما أسفر عن إعلان للمبادئ بين الدولتين، وأخذه بزمام المبادرة في الدعوة لعودة مصر الى الصف العربي بعد اتفاقية ''كامب ديفيد''· ومبادرته التي أقدم عليها في أعقاب حرب الخليج الثانية بدعوة العراق إلى العودة للصف العربي، ورفضه المستمر لضرب العراق عام ،1990 وغيرها من المواقف التي تشهد أنه أرسى دبلوماسية لدولة وليدة بدأت دروسها في السياسة الخارجية من الصفر، غير أن حكمته -رحمه الله- دفعت بدبلوماسية الدولة إلى مصاف الدول المتقدمة، في سعيها الحثيث لنبذ كل أشكال الخلاف، وتحقيق التوافق والتراضي بين الدول العربية·
كان لإصرار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان -وكذلك القائمين على السياسة الخارجية لدولة الإمارات- باحترام المواثيق والقوانين الدولية، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وعلى حسن الجوار واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم اللجوء إلى استخدام القوة أو التهديد بها لتحقيق مكاسب مع التمسك بوحدة التراب الوطنى، وعدم التفريط في أي شبر منه، أن أوجد مصداقية لدور الدولة على الصعيد الدولي، فقد استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة تحقيق المعادلة الصعبة مع إحدى القوى الرئيسية في المنطقة ودول الجوار الجغرافي وهي جمهورية إيران· فبالرغم من احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث ''طنب الكبرى وطنب الصغر وأبو موسى'' إلا أن سلوك الدولة الخارجي تجاه هذه القضية اصطبغ بصفات المغفور له الشيخ زايد، فقد كان للفكر الثاقب وسعة الأفق وحصافة رأي الشيخ زايد -رحمه الله- ظلالها على الآلية التي ارتأت السياسة الخارجية للدولة حل القضية بها، فكانت الوسائل السلمية سواء بالدعوة إلى الحوار المباشر أو اللجوء إلى التحكيم والقضاء الدولي في محكمة العدل الدولية؛ واستمرت الدولة على هذا النهج بالرغم من استمرار إيران في موقفها الرافض للجوء إلى القضاء الدولي·
وتبدو صعوبة المعالجة الإماراتية لهذه القضية المحورية، لاسيما أنها تمس وحدة أراضي الدولة، غير أن هذا الأمر ورغم حساسيته لم يمنع الدولة من إقامة علاقات تعاونية، وعلى مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع إيران تصل إلى تبادل الزيارات على أعلى المستويات الرسمية وتبادل التهاني في مختلف المناسبات، وهو الأمر الذي لم يمنع الدولة على الإطلاق من استغلال كل محفل دولي للتأكيد على حقها في جزرها المحتلة ودعوة إيران إلى الحوار لحل النزاع·
بجانب هذا فقد أثبتت السياسة الخارجية لدولة الإمارات قدرتها على تطويع علاقاتها مع دول العالم بما يضمن لها إطارا من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية المتبادلة مع القوى الدولية لا سيما الولايات المتحدة بحكم موقعها الدولي، بطريقة لا تتعارض مع مبادئ الدولة وثوابتها الأولى· وعلى سبيل المثال لا الحصر كانت دولة الإمارات العربية المتحدة في السابع عشر من ديسمبر عام 1991 إحدى الدول التي صوتت ضد إلغاء قرار الأمم المتحدة رقم 2279 والقاضي بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، كما رفضت الإمارات المشاركة في المؤتمر الاقتصادي لتنمية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي عقد في الدوحة عام ،1997 بالرغم من الضغوط الأميركية التي كانت تدفع نحو المشاركة في هذا المؤتمر، بالإضافة إلى موقفها الواضح والصريح تجاه الحقوق الفلسطينية وحق الدفاع عن النفس، ودعوتها المستمرة للولايات المتحدة الى القيام بدور الوسيط النزيه في مفاوضات السلام، وعدم الكيل بمكيالين في محاربة الإرهاب الدولي فيما يخص الممارسات الصهيونية الإرهابية ضد الفلسطينيين، وهي المواقف التي توافقت تماما مع توجهاته في السياسة الخارجية· وهي مواقف جعلت الدولة تحظى باحترام وتقدير في كل المحافل الدولية لسياستها الواقعية والمتوازنة والمصداقية والحكمة التي اتسم بها المغفور له الشيخ زايد بن سـلطان آل نهيان·