مهرجان قصر الحصن

الاتحاد

مهرجان قصر الحصن.. مواقـف خالـدة من حياة أهل الإمارات

أحمد السعداوي (أبوظبي)

خيول ومحامل ونخيل وإبل.. وغيرهم الكثير من المفردات التراثية الإماراتية زينت ساحة قصر الحصن أمس الأول عشية الافتتاح المبهر للنسخة الثالثة من مهرجان قصر الحصن الذي تتوصل فعالياته من 11 إلى 21 فبراير، ويحتفي بأهم معالم العاصمة الإماراتية بما له من قيمة تاريخية ومعنوية لدى كل إماراتي وعربي.
وتجول الحضور داخل ساحة قصر الحصن، حيث البيئات الأربع المكونة للحياة في المجتمع الإماراتي من صحراوية وبحرية وزراعية وحضرية، التي شكلت أيقونات ساطعة أضاءت للجمهور أهم ملامح حياة أهل الإمارات في الزمن القديم، وما احتوته من عادات وتقاليد وأفكار وقيم، لم يزل الأبناء والأحفاد يعتزون بها، ويحرصون على إعلائها والتعريف بها في المحافل والفعاليات المحلية والعالمية.


ويمكن للزائر أن يبدأ رحلته في أعماق التاريخ والحياة الإماراتية، عبر البيئة الصحرواية ذات التأثير القوي على طرائق الحياة في هذه البقعة من العالم، ومن خلال التجول فيها يتعرف على كثير من العادات والتقاليد، ويكتشف كيف تم التعايش مع بيئتها القاسية، ويستمتع أيضاً بكرم الضيافة، الذي يتضمن القهوة الإماراتية والمأكولات الشعبية، بالإضافة إلى العادات، التي ساعدت على قهر الظروف الصعبة.

فخر الإمارات
ومن هناك تحدث سعيد إسماعيل الطالب في كلية التقنية، الذي أبدى سعادته لزيارة المعلم الأهم في العاصمة، بوجهة نظره، قائلاً إنه فخر لكل إماراتي أن يرى مثل هذا الاحتفاء بقصر الحصن من خلال مهرجان عالمي يحمل اسمه، ويبرز من خلاله كل ما يتعلق بتراث الإمارات وتاريخ دولتنا المجيدة.
وذكر أنه لا يصح أن نعيش في دولة عظيمة العطاء كالإمارات ولا نعرف شيئاً عن تاريخ وتراث أجدادنا، وكيف تحملوا الحياة الصعبة حتى وصلوا بنا إلى هذا الخير الذي تنظر إليه عيون العالم بكل إعجاب وحب، مؤكداً أن التراث غالٍ ومتأصل في نفس كل إماراتي، وعن نفسه يعشق الرياضات التراثية البحرية ومنها سباقات المحامل الشراعية، وهو ضيف دائم عليها ويفضلها عن غيرها من الهوايات أو الرياضات الحديثة، ويمارسها باستمرار كهواية جميلة يتعايش معها في كل أوقات حياته.
وأبدى صديقه عبدالله جمال الهمامي، موظف حكومي، إعجابه بوجود البيئات الإماراتية الأربع في مكان واحد وبهذا الشكل المتقن الذي يكاد يشابه البيئات الحقيقية، التي عاش فيها الأجداد قبل مئات السنين، وقال إنه من الجميل أن يكون هناك ترابط بين التطور والتراث وهذا ما يفعله مسؤولو الثقافة والتراث في الدولة، ومن خلال ذلك نشعر بقيمة النعمة التي نعيشها وكيف استطاع أبناء الإمارات الوصول بدولتنا إلى هذه المكانة في سنوات قلائل.
وأشاد بانتشار المتطوعين من أبناء الإمارات في أرجاء المهرجان ومسارعتهم لتوجيه وخدمة الجمهور بأريحية وشعور بالمسؤولية حتى يخرج الحدث على أفضل ما يكون، وهذا ليس بغريب على أبناء الإمارات، الذين أثبتوا ويثبتون كل يوم أنهم عند حسن ظن الجميع وقادرين على تأدية جميع المهام بنجاح.

رحلة قصيرة
ركوب الخيل، كان من الفعاليات المميزة في البيئة الصحراوية، وحرص الجمهور على اعتلاء ظهر الخيول تحت إشراف متخصصين، رافقوا الجمهور في رحلة استمرت دقائق استمتعوا خلالها بخوض عالم الفروسية في تجربة مثيرة لا تتوافر سوى في مثل هذه المهرجانات الضخمة.
إلى جانب الخيل، تحلقت أعداد من الزائرين على السلوقي، وأخذوا يتعرفون على هذه السلالة النادرة من الحيوانات التي روضها أهل الإمارات منذ آلاف السنين واستخدموها في تسيير سبل معيشتهم عبر اعتمادهم عليها بشكل كبير في عمليات القنص في أعماق الصحاري.
«خض السقا»، ويتم من خلاله وضع حليب البقر والملح والحلبة، وتقوم من خلاله المرأة البدوية بوضع الحليب في السقا، المصنوع من جلد الماعز، الذي يتم سلخه وتركة بالشمس مع الملح ويتم خياطته لكي يتاخذ شكله المجوف من الداخل، ثم يسكب اللبن عن طريق فتحة وعادة ماتكون مكان رقبة الماعز وتتم تغطيته عن طريق حزمة بالخيط وتربط، وتستمر عملية الخض لساعات إلى أن يتم استخراج ثلاث منتجات وهي، الجبن، اليقت (وهي قطع الزبد)، اللبن الرائب، حيث قامت المتطوعات الإماراتيات بتوزيع أكواب الرائب على الجمهور المستمتع بمذاقه الشهي ذي النكهة البدوية الأصيلة.

بيئة ثرية
كما اشتملت البيئة الصحراوية على فعاليات متنوعة برع فيها الخبراء التراثيون والوالدات في إبراز مكونات تلك البيئة الثرية، ومن تلك الفعاليات، حرف السدو، تقديم القهوة العربية للضيوف وزوار المهرجان، العزف على الربابة، حلب الإبل وتوزيع الحليب على الجمهور، الذي ذاق الكثير منهم لأول مرة في حياته حليب الإبل الطازج، فكان من الفعاليات التي استقطبت أعداداً كبيرة من الجمهور من كل الأعمار.
ومن البيئة الصحراوية ينتقل الزائر إلى بيئة الواحات، حيث انتشر النخيل في أرجائها، بوصفها الشجرة الأهم لدى أهل الإمارات عبر الزمن لقدرتها على تحمل الاجواء البيئية الصعبة، فضلا عن نماذج من النباتات المحلية، التي زرعت في الإمارات وعرف أهلها كيف يستفيدون منها جيداً.
واشتملت بيئة الوحات على بيوت العريش، المصنوعة من منتجات النخيل، والتي مثلت المسكن الرئيس لأهل الواحات في الإمارات، لأن خاماتها هي الوحيدة التي كانت متوفرة بسهولة لديهم، ويمكن الحصول عليها من مزارع النخيل المنتشرة في الواحات، وهناك ورش تفاعلية لصناعة «الحابول» (الحبال) بنفس الطريقة التقليدية القديمة ويقدمها خبراء تراثيين مباشرة إلى الجمهور.
وهناك معرض للتمور بأنواعها، وعرض لمنتجات الخوص المصنوعة من سعف النخيل وأشهرها السرود والمكب «المشب»، المهفة، الجفير، المدخنة، المبردة، وغيرها من المنتجات التي أدهشت الزائرين لما تميزت به من دقة صنع، وفي الوقت نفسه تحقيق منافع عديدة لساكني الواحات، باستخدام أدوات بسيطة متوافرة بكثرة في البيئة المحلية المحيطة بهم.

جزيرة أبوظبي
الأزياء الإماراتية التي تميزت بها جزيرة أبوظبي لوفرة المهارات الحرفية من الغزل والتلي وصباغة الملابس إلى خياطة البرقع، كانت حاضرة في بيئة أبوظبي، إلى جانب نماذج عديدة من النباتات المحلية والأعشاب، التي استخدموها سواء في الغذاء او الدواء أو الحناء وزينة المرأة.
وأكثر الأشياء إبهاجاً في بيئة أبوظبي، طقوس زهبة العروس والأغاني الجميلة، التي كانت ترددها النساء في هذه المناسبة، حيث قامت الوالدات بترديد تلك الأهازيج على وقع موسيقات إماراتية خالصة زادت من جمال الأمسية الإماراتية الفولكلورية بامتياز.
أما عربات شرطة أبوظبي، بشكلها التقليدي، اجتذبت الجمهور خاصة من الشباب الإماراتي، الذي حرص على مطالعة تلك السيارات والتقاط صورا إلى جوارها تعبر عن اعتزازهم بمسيرة التطور على أرض الدولة من تلك السيارات والأدوات البسيطة إلى الاعتماد على أحدث الوسائل والأساليب العصرية في كل المجالات، وليس المجال الشرطي فقط.
وهناك البيت الإماراتي من الداخل بكل أثاثه وأبسطته وأدواته البسيطة ليعكس أصدق صورة للحياة، التي عاشها أهل أبوظبي، والأدوات التي ظلوا يستخدمونها، ويعتمدون عليها لقرون عديدة.
الألعاب الشعبية التي كان يمارسها الأقدمون، وكانت وسيلتهم الوحيدة للمتعة والترفيه والتعلم في الوقت ذاته، خصص لها ركناً مميزاً داخل بيئة أبوظبي ليقوم الأطفال بممارسة هذه الألعاب، ويتعرفوا عن قرب على ما كانت توفره من متعة ولياقة بدنية وفوائد أخرى للاقدمون حين كان يمارسونها في أوقات المرح واللعب.
حياة الصيادين
ومن بيئة جزيرة أبوظبي ينتقل الزائر إلى البيئة البحرية، بما لها من أهمية خاصة لدى أهل الإمارات، نظراً لطول الشريط الساحلي الذي تطل عليه إمارات الدولة السبع، وما يمثله البحر من قيمة اقتصادية كبيرة اعتمد عليها عدد كبير من السكان في الغوص عن اللؤلؤ وفلق المحار، أو صيد الأسماك بهدف التجارة أو الغذاء، حيث اشتملت البيئة البحرية أركان متعددة تتيح للزائر اكتشاف مهارات الإبحار وصناعة القوارب، والسفن وأنواعها، وكذا الأهازيج التي كان يرددها أهل البحر المعروفة بـ«النهامة».
وأهم ما احتوته البيئة البحرية قرية الصيد التي تعرف الجمهور على حياة الصيادين والحرف التي انتشرت بين أهل البحر من صناعة الشباك، القراقير، إعداد المالح، صناعة المحامل. فضلاً عن التعرف على أنواع الأسماك والكائنات البحرية المتوافرة في المياه الإماراتية ومنها السلاحف المهددة بالانقراض، التي وفرتها هيئة أبوظبي للبيئة.

أصغر مشارك
إلى جوار ركن المأكولات الإماراتية الذي ازدحم بالزائرين من كل الجنسيات للاستمتاع بأطايب المطبخ الإماراتي، كان علي إسماعيل (12 سنة) أصغر مشارك في المهرجان، يساعد في تنظيم الجمهور الغفير، فكان لافتاً رغم صغر سنه قيامه بهذا الدور. والتقته «الاتحاد»، حيث قال إنه طالب بمدرسة زايد الثاني بأبوظبي، وسعيد بالمشاركة في فعاليات المهرجان ويتحمل جزءاً بسيطاً من المسؤولية في نجاح هذا الحدث، خاصة وأن التراث من أكثر الأشياء التي يحبها ويزداد حبه لها حين يرى تقدير الآخرين لما تركه لهم الأجداد من عادات وتقاليد يفخر بها، مشيراً إلى أنه يمارس اليولة ببراعة ويقدم كثيرا من عروض اليولة خلال أيام المهرجان إلى جوار الدور التنظيمي الذي يقوم به.

عروض موسيقية
اشتملت فعاليات المهرجان عروضاً فنية وموسيقية متنوعة، شارك فيها نخبة من المطربين، قدموا فيها ألواناً من الطرب الإماراتي لشعراء معروفين، وكانت الأمسيات الطربية من أبرز الأنشطة المسائية التي شهدها المهرجان على مدار اليومين الماضيين، وحضرها أعداد كبيرة من الجمهور من الإمارات أو من أبناء الجنسيات الأخرى الذين حرصوا على زيارة المهرجان والاستمتاع بفعالياته المتعددة.

اقرأ أيضا