مهرجان قصر الحصن

الاتحاد

من النبع أينعت الواحة وصارت مدينة وحضارة

أحد أجنحة مهرجان قصر الحصن (وام)

أحد أجنحة مهرجان قصر الحصن (وام)

ساسي جبيل ورضاب نهار (أبوظبي)

عندما كانت مجموعة من أفراد قبيلة بني ياس تطارد غزالاً شارداً على ساحل الخليج العربي، وجدوا نبع ماء في المكان الذي توقف فيه الغزال، ومن هذا النبع أينعت واحة أبوظبي الوارفة الظل، لتشع بضوئها في الآفاق البعيدة.. هنا تبدأ القصة، إذ يشكل المكان الأول نبعاً.. إنها رواية من بين روايات مختلفة، ولكنها رواية موحية، فإمارة أبوظبي كانت دائماً سليلة الماء الذي يحيط بها من كل الأرجاء ويغمرها بدفء مختلف، يصنع الضوء المشع، ويضوع بألوانه في كل مكان. ارتبط تأسيس مدينة أبوظبي ببناء قصر الحصن ارتباطاً وثيقاً، حيث عاش الأشخاص الذين قاموا ببناء البرج الأول لقصر الحصن، في مجموعات صغيرة من البيوت البسيطة المبنية من سعف النخيل، شكلت النواة الأولى لمدينة أبوظبي في ذلك الوقت. كما ساهم الوجود المبكر للسكان الأوائل، وبناء قصر الحصن، في تقديم العديد من المعلومات حول الأماكن التي قدموا منها، وكيفية نجاحهم في التأقلم مع بيئتهم الجديدة، ومن خلالهم نستشعر حياة أجدادنا الأوائل الذين استوطنوا أرض أبوظبي منذ قرون خلت.
واليوم تعيش أبوظبي على وقع القصر كمهرجان في دورته الثالثة، فكيف يتفاعل معه المثقفون الإماراتيون؟ وماذا يرون في هذه المناسبة؟

التواصل مع الماضي
عبدالعزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، يرى أن مهرجان قصر الحصن ولد كتظاهرة كبرى تأخذ حضورها من عمق المكان ودوره التاريخي الذي شهد بدايات العمران في أبوظبي، وكان مركزاً رئيساً مهماً لحكام أبوظبي، واليوم والأجيال تنتظر هذه المناسبة فإنها ستعرف أن تاريخ عاصمتهم ولد منذ قرون، وأن ما نعيشه الآن هو امتداد لذلك الماضي البعيد الذي شهد الخطوات الأولى في الصحراء الشاسعة.
ويضيف: «إن مهرجان قصر الحصن يستعيد المفردات التراثية، ويمثل عبرة لجيل اليوم، ليعرفوا أن الماضي هو الذي يبني الحاضر ويصنع المستقبل، وأن ما تحقق ليس سوى امتداد في الفعل وقدرة الانسان على التعاطي الإيجابي مع ما حوله، من أجل البناء والتأسيس، منذ عام 2007 وإمارة أبوظبي منكبة على ترميم وصيانة قصر الحصن لاستعادة التصاميم المعمارية والشكل الأثري للقصر وإعادته لحالته السابقة. وشملت أعمال الترميم إجراء دراسة أثرية متخصصة لترميم جدران القصر، واستخدام تقنيات حديثة للترميم. كما تم توظيف أدوات مراقبة لمعرفة كيفية تفاعل المبنى مباشرةً مع التغيرات البيئية والموسمية. وتجري أعمال الترميم والصيانة من جانب فريق عمل عالمي ومتخصص، لضمان الحفاظ على المبنى وجعله فخراً للإماراتيين، وصرحاً تراثياً شامخاً لمئات السنوات المقبلة. واليوم ها أن ساحات القصر تحفل بالتراث الاماراتي بأشكاله المختلفة، وهذا ما يمثل إنجازاً لابد من الاستفادة منه على أكمل وجه».

تفاصيل الذاكرة
حبيب الصايغ، رئيس اتحاد الكتاب يقول: «إن في إستعادة الذاكرة للتفاصيل والإطلالة من نافذة الحاضر على الماضي، وإستعادة للدور الذي لعبه الانسان في أبوظبي منذ قرون، في سبيل التأسيس والتشييد، هي الخطوات التي وجدت متسعاً رحباً في الصحراء التي غمرت اليوم بالعمران، وباتت أبوظبي عاصمة من الطراز الأول، وحري بها أن تستعيد اليوم بعضاً من هذه التفاصيل من خلال برنامج متميز بإمكانه أن يستقطب أعداداً مهمة من الزوار الذين ينتظرون هذه المناسبة كل عام، وسيكون المهرجان فضاءً للتراث المحلي بأشكاله المختلفة».

بين زمانين
رندة حيدر، مديرة البرامج في مهرجان قصر الحصن، تقول: «عندما نتكلم عن حوار الحضارات في برنامج مهرجان قصر الحصن للعام الحالي 2015، فإننا نشير إلى جانب التفاعل الحقيقي مع حضارات العالم بكل اختلافاتها وأطيافها، إنما نؤكد التمازج الذي سيحصل بين جيلين أو بين زمانين على أرض إمارة أبوظبي. حيث تتراوح الفعاليات والأنشطة بين التراث القديم والتراث الحديث الذي يتراوح بين ستينيات وسبعينيات القرن الماضي للإمارة. ومنه نركّز في معرض قصر الحصن والمجلس الاستشاري الوطني على سرد قصة أبوظبي التاريخية، كيف نشأت وتطورت. بينما نسرد في جانب آخر ومن خلال الإضاءة على دور المجمع الثقافي في بناء ثقافة المكان المعاصرة.
أيضاً تضمّ المساحة الداخلية الفاصلة بين القسمين البيئات الأربع المختلفة التي تشكل البيئة المتكاملة لأبوظبي، وهي: الصحراء والواحة والبحر والجزيرة. ولكل واحدة مجموعة خاصة بها من الأنشطة والفعاليات، ليتمكن الزائر التفاعل بالمشاهدة أو بالمشاركة.
ومن أحد الأهداف الأساسية لمهرجان قصر الحصن في دورته الحالية تقديم نبذة عن مراحل الترميم، ونتائج البحوث الأثرية والتاريخية فيه للجمهور الذي سيأتيه من كل مكان. وستقوم الجولة التفاعلية في القصر والدخول إلى ركن المعيشة في ذلك الوقت، بتقديم صورة واضحة عن النمط المعيشي.
أما فيما يخص الفعاليات الثقافية فاختيرت لتجمع بين الفن والمعلومة التاريخية الراغبين في نشرها والتركيز عليها. منها العرض المسرحي «حبة رمل»، عروض مسرح الظل، إحياء ذاكرة الأغنية الإماراتية القديمة لمغنين لهم أثرهم، مثل جابر جاسم وميحد حمد، ولكن بأصوات معاصرة، وفيلم وثائقي يبيّن مراحل النشوء والتطور. بالإضافة عرض موسيقي بعنوان «أبوظبي اليوم»، وفقرة الرسم على الرمال مع شيماء المغيري التي ستروي قصة الحصن من خلال الرسم، وغيرها من الفعاليات والبرامج.

رسالة وتفاعل
ويؤكد بطي المهيري من فريق عمل مهرجان قصر الحصن، أنه لا يمكننا أن ننظر إلى المهرجان بوصفه مهرجاناً تراثياً فقط، بل هو حدث ثقافي تاريخي، يركز على الجوانب التعليمية والتثقيفية من خلال مجموعة من الفعاليات والنشاطات المرافقة له، والتي تهتم بالتواصل مع شريحة واسعة من الجمهور المحلي والعربي والدولي على أرض الإمارات. الشيء الذي بدأه منذ دورته الأولى إلا أنه اليوم يأتي بصيغة أوسع وأكثر انفتاحاً على البيئة المحلية.
ويقول: «ثمة رسالة نريد إيصالها للجميع حول مفهوم الثقافة الإماراتية التي لا يمكن أن تقتصر على المظهر الخارجي فقط للنمط المعيش قديماً. فكل التفاصيل المشبعة بالبيئات الأربع، تصلح لأن يتم تناولها كمواد إبداعية تُدرس بالشكل والمضمون. مثلاً عندما ننظر إلى الحياة في الواحة، نكتشف تلك الأشياء المصنوعة من سعف النخيل بطريقة جمالية، بينما في البحر الحياة تأخذ بعداً ثقافياً مختلفاً نستمده من الظروف المعطاة، وهكذا..».
ويضيف: «التفاعل الراهن مع ثيمات المنطقة هنا، نركز عليه عبر مجموعة من البرامج العامة من عروض موسيقية ومسرحية وأفلام سينمائية وشعر، والعديد من ورش العمل ذات المواضيع المتنوعة التي تعتمد على التراث المادي والمعنوي الإماراتي في مشهد عمراني وثقافي متكامل جمالياً، وهو ما سينعكس على الجاليات الأجنبية تحت عنوان رئيس هو: حوار الحضارات على أرض الإمارات».

عنصر جمالي
وقال راشد شرار، مدير مركز الشارقة للشعر الشعبي: «لعب قصر الحصن دوراً كبيراً في التطور الاجتماعي والتجاري والسياسي والعسكري لإمارة أبوظبي. وكان محوراً للعديد من الأحداث التاريخية التي شهدتها المنطقة، أما اليوم فبات عنصراً جمالياً وتاريخياً يذكر الخلف بالسلف، وبالمشاق التي تكبدها الأجداد في سبيل الدفاع عن الوطن، وصياغة حضارة معمارية تراثية خاصة بهم. وسيبقى قصر الحصن صرحاً شاهداً على جزء عزيز من تاريخ وتراث الوطن، مما يعمل على تعريف النشء به وبتاريخه، ويعمق من حبه وانتمائه. وإقامة مهرجان خاص بقصر الحصن يكتسب أهمية خاصة، ويحقق أهداف كثيرة، من بينها تسليط الضوء على معلم تراثي تاريخي معماري، إضافة إلى تعريف المواطنين والمقيمين بتاريخ المنطقة، وما يميز الشخصية الإماراتية من سمات وعادات».

موارد البيئة
وقالت الشاعرة والإعلامية، عليا العامري (شجون الظبيانية): «تزخر دولة الإمارات العربية المتحدة بالكثير من الشواهد الأثرية التي تؤكد العمق الحضاري والتاريخي للمنطقة، والتي تتجسد في القلاع والحصون والأبراج المنتشرة على طول الساحل، وفي بعض المرتفعات والمناطق الداخلية، والتي تقف شامخة تتحدى الزمن، وتروي فصولاً من حكاية الإنسان الإماراتي الأصيل وكفاحه المستمر في الذود عن حدود الوطن على مر الأزمان·
ويعتبر قصر الحصن من أهم النماذج الأثرية القديمة للمواقع الدفاعية في الإمارات، تم بناؤه بمواصفات محددة بغرض الحماية والدفاع، وهذا يتجلى بوضوح من التصميم والتخطيط المعماري لأقسامه، فضلاً عن موقعه الاستراتيجي الذي يتيح مراقبة المنطقة والطرق التي كانت تستخدمها كل القوافل المارة في المنطقة. واختيار قصر الحصن ليكون مكاناً يضم فعاليات وبرامج متنوعة يساهم مما لاشك فيه في إبراز القيمة التاريخية والجمالية ولأحد المباني التاريخية الدفاعية. ويبرز دور أبناء الإمارات في قدرتهم على الاستفادة من موارد البيئة وتكييفها لتحقيق الأمن والأمان.

اقرأ أيضا