صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

مسافرو المستقبل

تقديم وإعداد ــ إبراهيم الملا

وسط حقول ملغزة، وأرخبيلات منذورة للدهشة، يقتنص الشعراء والفلاسفة والروائيون والرسامون ما يمكن أن نسميه الحكمة المكثفة للوجود، بحيث تصبح الانخطافات والتجليات والإشراقات في نتاجاتهم، أشبه ببروق أبدية في ليل العالم، ومن هنا أيضاً تأتي الومضة الشعرية فيما ينثرونه لمصائد الروح، وكأنها الوعد الصارخ لكل ما هو جميل ومفارق واستثنائي، إنها روافد الضوء المتقاطعة مع الرؤى والانتباهات العميقة لهؤلاء المبدعين، فقد تنبع حكمتهم من الرضا، كما يمكن لها أن تنبثق أيضاً من السخط، وقد تأتي من الانتشاء كما من الألم، ومن البهجة كما من الشجن. ولا تخلو المذكرات الشخصية والتأملات الذاتية لهؤلاء المبدعين من سبر وانكشاف على الأعماق السحيقة في اللاوعي، وما ينطوي فيها من سحر وغرابة واغتراب أيضاً، وهذا الحس الاغترابي بالذات هو ما يجعل كلماتهم صادمة وصامدة أيضاً أمام جبروت الزمن، والمحو، وجاذبية التحطّم على أرض اليباس والجدب والنكران. ليست المعرفة فقط هي من يحدد بوصلة الحكمة هنا، بل هو الحدس والاستشراف وتجاوز المألوف والمتشابه والمصمت، وفي الشذريات التالية لا نرى في الاسترسال إلّا لمحا، ولا في الإيجاز إلا شرحا، ووسط كل هذا التضاد المشروع والمرتجى، تندلع قوة المعنى، وبلاغة السرّ، والضراوة الناعمة للعبارة الصافية، المشغولة برهافة قلب، وانبعاث ذكرى، وحرارة تجربة.


الشعر يأتي من المجهول .. من محلّ آخر .. من الأعلى .. وعلى الشاعر أن يتحوّل هنا، إلى حجرة أصوات !
آرثر رامبو
***
أولئك الذين يسهرون إلى حدّ الساعات الأخيرة من الليل.
في غفران الظلمات العميق.
بعيدا عن القناديل الدافئة.
وعيونهم في الهواء الفارغ.
هم مسافرو المستقبل! جورج شحادة
***
نحت الحجر بهيئة الحجر، يساوي السكوت !
جان جينيه
***
بالنسبة لي يعني كون المرء كاتباً، مثل قولك: «أريد أن أكون قدّيساً، شهيداً، متعالياً»، إنه لأمر ضخم، بعيد، ناء، لسنوات اكتفيت بأن أحلم، لم أفكّر حتى بأن لديّ القدرة، ولكنه كان الشيء الوحيد الذي كنت أريد فعله، ومع هذا، فلأجل أن أفعله، فعلت ألف شيء آخر !
هنري ميلر
***
هؤلاء الذين يحلمون وهم أيقاظ، يعرفون أشياء كثيرة تفلت من هؤلاء الذين لا يحلمون إلا وهم نيام، إنهم يلتقطون في رؤاهم المغيّمة : الهارب الأبدي .. وإذ يستيقظون، يرتعشون لتنبهّهم أنهم كانوا للحظة على ضفة السرّ العظيم، إنهم يدركون جزءاً فجزءاً شيئاً من معرفة الخير، وهم بلا دفّة ولا بوصلة، يخترقون الأوقيانوس الواسع للضياء الذي لا يوصف.
إدغار آلان بو
***
الصورة هي حاضر الماضي.
رولان بارت
****
أرتعش أمام كل ما هو مواتٍ: لا القمر والنجوم والغابات والأزهار فقط، بل وعقب سيجارة مطفأة ومرمية في المرمدة، ونتفة لحاء شجر تجرها نملة وسط أعشاب يابسة، بفكيها القوييّن نحو وجهات غير مدوّنة، لكنها ضرورية، وصفحة تقويم تمتدّ يد واعية نحوها تنتزعها بقوة عن الصحبة الدافئة لصفحات أخرى.
كل شيء كشف لي عن وجهه، عن أعماق وجوده، وعن روحه السرّية الصامتة، اللامسموعة في أغلب الأحيان، كل نقطة ساكنة أو متحركة، كل خط حيّ، قد كشف لي عن روحه، وكان كافيا لي أن أحيط بكل وجودي وحواسّي، بإمكانية وجود هذا الذي يدعونه اليوم «التجريدي» تبايناً مع «الموضوعي».
كاندنسكي
***

في أي مكان كان.
رجل مات.
لأنه التقط نجمة.
لأنه تنشّق غبار موسيقا.
لأنه أفلت وحوشا مزهرة عند مدخل المدينة.
في أي مكان كان.
رجل مات.
لأنه تزحلق على اناديا تويني
***
إن الموسيقا هي وحدها بين الفنون تستمتع بنفسها، الفنون الأخرى تحتاج إلى شهود!
مارمونتيل
***
الإنسان منذ البدء .. هو ساحر !
آرنست فيشر
***
لا غنى عن الشعر .. وحبّذا لو عرفت، لأي شيء هو كذلك !
جان كوكتو
***
إحدى المهمات التي يتطلبّها عمل الكاتب هو أن يحاول هزّ اللغة قليلا، وأن يشعر الناس بهذه الهزّة، إن الكاتب الذي لا يجري تجارب على اللغة، هو كاتب سيئ بشكل عام.
خوليو كورتاثار
***
إنه واقف هنا.
كتمثال روماني.
سيظلّ واقفا.
إلى أن يجعله الموت رخاماً!
دي شابمان
***
نحن أشباح هذه المسرحية الشفّافة!
***
إذا كان البحر لا نهائياً .. وله شبّاك
وإذا كانت موسيقاه تخرج من الموج.
وفجره أحمر، وغروبه أخضر.
وإذا كانت الغابة شبقيّة، تلامس القمر.
والوردة تتفتّح على عطر البيت.
والفتاة تبتسم فتمطر الحياة.
وإذا قبّلني الحب وهاجر.
وتركني وحيدة ... أية أهمية لهذه الأشياء، طالما في حارتي، مائدة بلا أرجل، وطفل بلا حذاء، محاسب يسعل، جوقة من كلاب، وأنين المجروبين.
علينا أن نصمت حتى تورق البذور، نضمّد القلوب، ونكتب القصيدة، التي أصابتنا عدواها جميعاً، ونخلق تلك الجملة التي تجمع في حضنها العالم.
علينا نحن الشعراء، أن نكسر السيوف، ونبتكر ألوانا أخرى، ونكتب صلاة إلهية.
أن نخلق الابتسامات على شفاه الأفق، لا نغنّي للقمر، ولا نرقص للطبيعة .. لا نضع «فالسات» موسيقية، ولا نكتب قصائد شعر .. علينا أن نصرخ في وجه القمر.. أن نصرخ هكذا أقول ... يوجد أناس تحت علب الصفيح يئنّون، وأمهات يوميا لا يمشطن شعر أبنائهن، وآباء يستيقظون باكرا، وبصبر نافذ ... أيها الشعراء، لنعمل ولا نضيّع الوقت.
دم قليل إلى القلب يصل!
غلوريا فوينتس
***
إن الشمس ربما تذوي .. لو شهدت أعماق أرواحنا الذهبية!
ماياكوفسكي
***
تذكرت أنهم يشعلون النار حول العقرب، فتلدغ نفسها، وتنتحر.
أليست الدنيا حولي حلقة من نار !
صادق هدايت
***
الحريّة : القوس الأكثر توترا!
نيتشه
***
آه لو أعرف كيف أرسم الروائح .. آه لو أعرف كيف أرسم الأصوات !
بيكاسو
***
خلال التأمل العميق .. يمكن أن نبعثر الزمن !
هرمان هيسه
***
الحياة محزنة جداً .. لهذا قررت أن أنفقها بالتأمل ! شوبنهاور
***
الحياة رداء من اللهب !
ت . س . إليوت
***
نذرت قلبي للأرض العظيمة المعذّبة، وغالباً ما عاهدتها في ظلمة الليل المقدّس على أن أحبها، مع ما تحمل من عبء القدر، حبا وفيّا دونما وجل من الموت، وعليّ ألا أقابل أي لغز من ألغازها بالازدراء ... هكذا ارتبطت بها برباط مميت !
هولدرلين
***
فيلسوف عظيم ذلك الذي اخترع المقهى، ففيها كل ضوضاء الناس، أصواتهم وصراخهم، اختلاط آرائهم ودخانهم، والرغبة كذلك في الانعزال عنهم، ثم هذه كل الفواصل التي من زجاج، إنها تفصل ولا تفصل !
سارتر
***
الإنسان يصبح كاملاً، عندما يجد العالم كله أرضاً غريبة عليه اكتشافها !
أورباخ
***
الليل كان قديماً، حين شقّته النار !
رينيه شار
***
قد يتحطّم الإنسان ... لكنه لا يُهزم !
همنجواي