صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الآثار وتشكيل الهويَّة

تشكل أول اهتماماتي بالتراث من رؤية ومقولة المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، «من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر ولا مستقبل، فنحن نتعلم من الماضي»، هنا استلهمت نقطة جوهرية للاهتمام بالتراث الثقافي الذي يساهم في بلورة شخصية الأفراد ورفع وعيهم بمحيطهم، والارتباط بالمكنون الحضاري الذي بُني على أرضنا عبر السنين.
ومع تراكم هذه الخبرات، أدركنا أنَّ الخيط الرفيع الذي يفصل بين الماضي والحاضر يبين أهمية كل حدثٍ تاريخي في رسم ملامح مستقبلنا، وحينما يأتي التاريخ في طليعة اهتمامات الأفراد يصبح الشغف بالآثار واقعاً؛ فمن المتعارف عليه أن طبيعة البشر لا تتغير، ولكن الآثار قد تذهلنا إذ تتحدث بلسان الماضي وتمنحنا مفهوماً جديداً عن الإنسانية. وهنا أتى الشغف بالبحث والاستكشاف وتفسير الإرث الذي تركه أجدادنا كسبيلٍ وحيد لاستكشاف هويتنا، ورواية قصتنا، وتحديد الإطار الزمني لنعيد بناء التاريخ، حيث يمهد فهمنا للماضي والتاريخ ومسيرتنا نحو التطور، ويربطنا بأرضنا وجذورنا، إذ يمنحنا الأدلة اللازمة لصياغة تاريخنا وإنسانيتنا.
إن ربط خيوط الاكتشافات القديمة له سحر خاص وآسر، ربما لسهولة تصور وتأويل ما كانت عليه الأمور، فقد منحتنا المكتشفات القيمة في أبوظبي لمحةً عن حياة سابقة تحكي تاريخاً عميقاً، وقد لا نستطيع أبداً أن نرسم الصورة الكاملة لهذه الحياة السابقة وتسلسلها، ولكننا مسؤولون عن مواصلة السعي لفهم ثقافة أجدادنا. ومن خلال تتبع أعمال التنقيب والبحث الجديدة، سنجد أنها ساهمت خلال السنوات القليلة الماضية في رسم ملامح جديدة للمشهد الثقافي، وأفضت إلى نتائج مهمة ساهمت في تغيير مستقبلنا ورؤيتنا للتراث الثقافي.
ونحن في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة نأخذ على عاتقنا إيصال هذه المكتشفات إلى شبابنا وشعبنا والعالم أجمع، فهذا تاريخنا وتقع علينا مسؤولية روايته دون غيرنا. وتنطوي مهمتنا على تشكيل الذاكرة الجماعية، ولذلك نلتزم بالبناء على أمجاد الماضي من خلال ترسيخها في أذهان الأطفال الذين يتطلعون إلى فهم تاريخ أرضهم وأجدادهم.

المكتشفات المهمة
عُرف عن أبوظبي على مدى عقود طويلة امتلاكها إرثاً غنياً من الآثار القديمة؛ فخلال الخمسينيات، عمل فريق دنماركي من علماء الآثار على استكشاف المدافن والقرى القديمة في جزيرة أم النار وموقع هيلي. وحظي هذا الجهد الرائد بدعم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أدرك ضرورة فهم ماضي الدولة وأهمية الآثار كتجسيد لثقافتنا وحضارتنا.
ورسمت المراحل الأولى من العمل الأثري الخطوط العريضة لتاريخنا، حيث منحت المكتشفات الأثرية في أم النار اسمها إلى حضارة كاملة عرفت باسم ثقافة أم النار، والتي استمرت بين عامي 2500 – 2000 قبل الميلاد، في حين تم اكتشاف لُقى أثرية مدهشة من العصر الحديدي (1000 – 600 قبل الميلاد) في موقع هيلي، وهذا يؤكد أن الماضي قد يكون مذهلاً ومألوفاً في آن معاً.
وكشفت التنقيبات الأثرية على جزيرة مروح عن قرية تنتمي إلى العصر الحجري الحديث، إذ يعود تاريخ بناء منازلها الحجرية إلى أكثر من 7500 عام. ولم يسبق اكتشاف قرية كهذه في دولة الإمارات أو أي منطقة مجاورة أخرى، وقد عرف سكانها التجارة البحرية مع بلاد الرافدين. وكان صيد اللؤلؤ من النشاطات المعروفة في تلك الفترة، لذا من المحتمل أن تكون تجارة اللؤلؤ هي أساس هذه العلاقات التجارية تماماً كما كان عليه الحال مع أجدادنا قبل مائة عام.
وفي بينونة كشفت عمليات التنقيب عن أنَّ سكان تلك المنطقة استخدموا معرفتهم لبيئتها الطبيعية من أجل صيد الإبل قبل 6000 عام. ويعد هذا الاكتشاف بالغ الأهمية لأسباب عدة، ومنها أنه شكل دليلاً على احتمال تربية الإبل للمرة الأولى على أرض الإمارات منذ ذاك الوقت.
ولا تزال عمليات التنقيب مستمرة حتى الآن؛ حيث دأب اثنان من خبراء الآثار الإماراتيين الشهر الماضي على التنقيب في جزيرة صير بني ياس التي تم فيها سابقاً اكتشاف كنيسة مسيحية تم بناؤها قبل 1300 عام، وعلى الجانب الآخر من هذه الجزيرة، يمكن مشاهدة بعض الحجارة على سطح الأرض مع بقايا قطع فخارية قديمة، وقد أجرى فريق الباحثين عمليات تنقيب محدودة في هذا الموقع بدافع من فضولهم لاكتشاف أي آثار ذات أهمية.
وقد غيرت النتائج نظرتنا لما كان يحدث قبل 4000 عام في هذا الجزء من منطقة الخليج العربي؛ فمع تقدم عمليات التنقيب، اكتشف خبراء الآثار بناءً حجرياً بداخله عدد من الجرار الفخارية الكبيرة المكتملة وإن كانت مكسورة. وتم صنع هذه الجرار في البحرين، أو «دلمون» حسبما كانت تعرف قبل 4000 عام. وقد تم نقلها على متن قوارب كبيرة قطعت مياه الخليج العربي في وقت ازدهرت فيه التجارة البحرية في المنطقة، وتم أيضاً اكتشاف قطع فخارية تعود إلى حضارة هارابان الشهيرة في باكستان، مما يدل على اتساع رقعة النشاط التجاري في تلك الفترة حتى جنوب آسيا.
ومن اللقى الأثرية المهمة التي تم اكتشافها في صير بني ياس نموذج عن «أختام دلمون» الشهيرة، والتي كانت تستخدم للمصادقة على شحنات البضائع في منطقة الخليج العربي. ويدل اكتشاف هذه الأختام على أن التجار كانوا موجودين في هذه المنطقة لتصديق معاملات البيع، ورغم اكتشاف العديد منها سابقاً في دولة الإمارات، ولكنها المرة الأولى التي يتم اكتشافها على الجزر، ويعتبر هذا الاكتشاف من اللقى الأثرية الرائعة.
وتدل هذه القطعة الأثرية، مع البناء الحجري، على أهمية موقع جزيرة صير بني ياس في التجارة البحرية قبل 4 آلاف عام، واعتمدت هذه التجارة على الموانئ ومراكز الانطلاق، حيث كانت ترسو القوارب لتبادل البضائع والتزود بالمؤن. ولم نكن نتوقع إطلاقاً أن نجد مثل هذا الدليل الدامغ على وجود ميناء تجاري خلال هذه الفترة على امتداد ساحل أبوظبي. ولعل الأمر الثاني المذهل في الموضوع هو توصلنا لهذا الاكتشاف بعد أسبوعين فقط من العمل في جزء واحد صغير من الموقع. وسيعود خبراء الآثار إلى الجزيرة خلال الأشهر المقبلة ليواصلوا عمليات التنقيب، حيث بات من الواضح وجود مبانٍ أخرى. ونحن نتحرق شوقاً لمعرفة ما سيجدونه أيضاً.
وكل هذا يثبت أن تاريخنا الحديث في مجال التجارة البحرية والتبادل التجاري له جذوره الممتدة إلى آلاف السنين، وتذكرنا هذه المكتشفات على نحو ملموس بثقافتنا المتجذرة عميقاً في هذه الأرض، كما تدفعنا للتساؤل عما إذا كان هناك المزيد لاستكشافه.
من جانب آخر، نجري حالياً عمليات تنقيب في مواقع تمت دراستها سابقاً ولكن باستخدام تقنيات جديدة. وسينضم فريق خبراء الآثار في الشهر القادم إلى مجموعة من علماء الآثار للتنقيب في موقع «هيلي 8» في العين. وكان هذا الموقع قد شهد أعمال التنقيب الأولى قبل أكثر من 30 عاماً، وهو معروف على نطاق واسع باحتضانه القرية التاريخية الأقدم في البلاد، إذ يعود بناؤها لنحو 3 آلاف عام قبل الميلاد. وهذا يفسر سبب إدراج الموقع ضمن قائمة اليونسكو للتراث الإنساني العالمي في مدينة العين، ونأمل من خلال هذا المشروع الجديد أن نوضح حياة سكان الموقع قبل 5 آلاف عام. ولهذا، سيستخدم علماء الآثار أحدث تقنيات التنقيب، والتسجيل الليزري، والتصوير الفوتوغرافي، والكربون المشع، كما سيتعاون علماء الآثار المحليون لدينا مع نظرائهم الأجانب لتطوير استخدام هذه التقنيات.

المنشورات الأثرية
من الأسباب التي تدفعنا إلى دراسة «هيلي 8» هو عدم توفر دراسات كاملة لهذا الموقع حتى اليوم، ولا يزال هناك العديد من التساؤلات بشأنه. وفي نهاية المطاف، يعتبر كل عملنا عديم الجدوى إلى حد ما إذا لم يتم الكشف عن نتائجه للعامة والمجتمع العلمي للاستفادة منها، ولهذا فقد شرعنا بتطوير برنامج طموح لنشر نتائج جميع عمليات التنقيب التي نتوصل إليها، ونعتزم هذا العام استكمال كتاب حول آثار جزيرة صير بني ياس يتضمن أحدث الاكتشافات التي توصلنا إليها بالإضافة إلى تلك الخاصة بالدير المسيحي في التاريخ الحديث، وسيتم توزيع الكتاب على علماء الآثار والمكتبات حول العالم، سعياً لترسيخ مكانة التراث الثقافي الغني لأبوظبي. علاوة على ذلك، نعتزم هذا الشهر إصدار كتاب حول عمليات التنقيب التي أجراها علماء الآثار من الدنمارك في جبل حفيت قبل نحو 50 عاماً. وسيتم نشر هذا الكتاب عالمياً أيضاً، حيث من المتوقع أن يحظى باهتمام العلماء والعامة على حدٍّ سواء لما يتضمنه من صور مذهلة للعين أواخر خمسينيات القرن الماضي، ما يشكل دليلاً على التطور الكبير الذي شهدته البلاد خلال الخمسين عاماً الماضية، وبدورها ستنشر جامعة ييل العريقة خلال الشهر الجاري كتاباً آخر حول حفريات أبوظبي التي تعود إلى 6 ملايين عام.
إن تعريف مجتمع أبوظبي بتاريخنا الغني يشكل إحدى رسائلنا الأساسية، وسنعمل خلال السنوات المقبلة على افتتاح العديد من المواقع الأثرية أمام الجمهور لزيارتها والتعرف على الآثار التي تم اكتشافها، ومن المقرر إقامة ممر للسياح ومركز لزوار جزيرة صير بني ياس يأخذهم في رحلةٍ ساحرة إلى تاريخ الجزيرة الذي يرجع إلى 4 آلاف عام. أما ممر مدينة العين، فسيصطحب الزوار بين المواقع الأثرية ولا سيما المدافن التي تعود إلى حضارة «أم النار». ومن شأن هذه المواقع أن تعرّف الزوار والمقيمين بتاريخنا من خلال تلك الآثار القائمة لتراثنا العريق.

التعليم وجذب الجمهور
يجمع علم الآثار بين جميع الاختصاصات الرئيسة من العلوم، والرياضيات، والفنون واللغة، والعلوم الاجتماعية، ويدرك المعلمون والمدرسون قيمة تدريس علم الآثار في الصفوف بقدر أهمية العمل في هذا المجال تماماً، ويتمثل أحد أبرز أهداف علم الآثار في توفير معلومات تاريخية حول المجتمعات القديمة التي لم تصلنا منها وثائق مدونة تحكي ماضيها، وبينما تمتلك بعض مجتمعات العالم تاريخاً مدوناً يرصد آلاف السنين، تعود السجلات التاريخية لمجتمعات أخرى لخمسمائة عام فقط، ولولا أعمال التنقيب الأثري، كان تاريخ هذه المجتمعات بقي مجهولاً لنا، ومن خلال التعاون مع المعلمين والمدرسين، يمكننا توفير برامج تجمع بين المعلومات المتاحة والخطط الدراسية الرامية لتعزيز مفاهيم علم الآثار التي يتم تعليمها في الحصص الدراسية.
وتعتبر هذه الكنوز الأثرية بالغة الأهمية باعتبار أن مجتمعنا الحديث يتحدر مباشرة من المجتمعات القديمة، ويتيح علم الآثار أمامنا فرصة لتعلم الكثير عن ماضي أسلافنا ومقارنته بحاضرنا.
ومن هذا المنطلق، نطبق برنامج توعية واسع النطاق لتعريف المجتمع والشباب الإماراتي بالآثار والتراث الثقافي للبلاد، حيث تم إعداد محفظة كاملة من الموارد التعليمية للتدريس داخل الفصول الدراسية حول مدينة العين المدرجة على قائمة التراث الإنساني العالمي لمنظمة اليونسكو ليتم توزيعها على المدارس في جميع أنحاء الدولة خلال العام الدراسي المقبل 2017/‏ 2018، وتشمل هذه المحفظة التعليمية المراحل الدراسية من الصف الأول إلى الثالث، وستزود المعلمين بمعلومات وافية حول المواقع التاريخية في الإمارات لا سيما حديقة آثار هيلي، وجبل حفيت، ومنطقة بدع بنت سعود، والواحات، وستتضمن المحفظة أيضاً صوراً ومقاطع فيديو وأنشطة صفية من شأنها تعزيز معرفة الطلاب بالمواقع، وكذلك إجراء جولات مدرسية لعدد من المواقع الأثرية المدرجة على قائمة اليونسكو خلال العام الدراسي المقبل، وستتيح هذه المحفظة للمعلمين تعريف الطلاب بهذه المواقع قبل القيام برحلات ميدانية إليها، وذلك لتعزيز مستوى معرفتهم ومشاركتهم.

في ممرّات التاريخ
إن تعريف مجتمع أبوظبي بتاريخنا الغني يشكل إحدى رسائلنا الأساسية، وسنعمل خلال السنوات المقبلة على افتتاح العديد من المواقع الأثرية أمام الجمهور لزيارتها والتعرف إلى الآثار التي تم اكتشافها. ومن المقرر إقامة ممر للسياح ومركز لزوار جزيرة صير بني ياس، يأخذهم في رحلةٍ ساحرة إلى تاريخ الجزيرة الذي يرجع لـ 4 آلاف عام. أما ممر مدينة العين، فسيصطحب الزوار بين المواقع الأثرية ولا سيما المدافن التي تعود إلى حضارة «أم النار». ومن شأن هذه المواقع أن تعرّف الزوار والمقيمين بتاريخنا من خلال تلك الآثار القائمة لتراثنا العريق.

مسؤوليَّة
نحن في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة نأخذ على عاتقنا إيصال هذه المكتشفات إلى شبابنا وشعبنا والعالم أجمع، فهذا تاريخنا وتقع علينا مسؤولية روايته دون غيرنا. وتنطوي مهمتنا على تشكيل الذاكرة الجماعية، ولذلك نلتزم البناء على أمجاد الماضي من خلال ترسيخها في أذهان الأطفال الذين يتطلعون إلى فهم تاريخ أرضهم وأجدادهم.

محفظة العين
نطبق برنامج توعية واسع النطاق لتعريف المجتمع والشباب الإماراتي بالآثار والتراث الثقافي للبلاد. حيث تم إعداد محفظة كاملة من الموارد التعليمية للتدريس داخل الفصول الدراسية حول مدينة العين المدرجة على قائمة التراث الإنساني العالمي لمنظمة اليونسكو ليتم توزيعها على المدارس في جميع أنحاء الدولة خلال العام الدراسي المقبل 2017/‏ 2018. وتشمل هذه المحفظة التعليمية المراحل الدراسية من الصف الأول إلى الثالث، وستزود المعلمين بمعلومات وافية حول المواقع التاريخية في الإمارات لاسيما حديقة آثار هيلي، وجبل حفيت، ومنطقة بدع بنت سعود، والواحات.

....................................................
* رئيس مجلس إدارة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.