الاتحاد

دنيا

النووي إمام الزاهدين

غلاف كتاب رياض الصالحين أحد مؤلفات النووي الشهيرة

غلاف كتاب رياض الصالحين أحد مؤلفات النووي الشهيرة

الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام، المشهور بالإمام النووي أحد أشهر علماء الإسلام، جمع بين العلم و الزهد، والورع، والصبر، والسكينة، والوقار وبالغ في التقشف وشظف العيش وعرف بالشجاعة والغيرة على الدين ولا يخشى في الله لومة لائم، وكان يملك البيان والحجة لتأييد دعواه·
ولد النووي في المحرم سنة 631 هجرية فى قرية نوى، وهي قرية من قرى حوران بالقرب من دمشق بسوريا، ولذلك سمي النووي الدمشقي·
بدأ -رحمه الله- حفظ القرآن وقراءة الفقه وهو فى العاشرة على بعض أهل العلم هناك، وصادف أن مر بقريته الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي، فرأى الصبيان يكرهونه على اللعب، وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم، ولشغفه بقراءة القرآن، فتفرس فيه النجابة والذكاء، فذهب إلى والده ونصحه بأن يفرغه لطلب العلم، فاستجاب له· وفي سنة 649 هجرية قدم مع أبيه إلى دمشق لاستكمال تحصيله العلمي في مدرسة دار الحديث، وسكن المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي· واجتهد في تحصيل العلم وساعده نبوغه وقدرته على الحفظ·
وذكر صاحب الطبقات الوسطى أنه حفظ ''التنبيه'' في نحو أربعة أشهر ونصف الشهر، وحفظ ربع ''المهذب'' للشيرازي، ودرس على يد الشيخ الكمال إسحاق بن أحمد المغربي المقدسي وهو أول شيوخه في الفقه، ولازمه ملازمة شديدة، فأعجب به الشيخ المغربي وأحبه محبة كبيرة، وجعله معيد الدرس بحلقته لأكثر الجماعة· وكان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ، شرحا وتصحيحا وفقها وحديثا وأصولا ونحوا ولغة · وفي عام 651 هجري حج مع أبيه ثم رجع إلى دمشق، وهناك أكب على علمائها ينهل منهم·
وسمع من الرضى بن البرهان، وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الأنصاري، وزين الدين بن عبد الدائم، وعماد الدين بن عبدالكريم الحرستاني، وغيرهم· ولازم الاشتغال بالتصنيف ونشر العلم والعبادة والذكر والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس·
وكان الأمام النووي على جانب كبير من الزهد، والورع، والصبر، والسكينة، والوقار وبالغ في التقشف وشظف العيش وعرف بالشجاعة والغيرة على الدين ولا يخشى في الله لومه لائم، وكان يملك البيان والحجة لتأييد دعواه·
وتوفرت فيه صفات العالم الناصح الذي يجاهد في سبيل اللّه بلسانه، ويقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مخلص في مناصحته وليس له أي غرض خاص أو مصلحة شخصية·
وقال تلميذه ابن العطار: كان كثير التلاوة، كثير الذكر لله تعالى· وقال ابن كثير: كان يصوم الدهر· و قال اليافعي: كان كثير السهر في العبادة والتلاوة والتصنيف·
وذكر أبو العباس بن فروخ عن النووي: كان الشيخ قد صارت إليه ثلاث مراتب، كل مرتبة منها لو كانت لشخص شدت إليه الرحال· المرتبة الأولى، العلم· والثانية، الزهد· والثالثة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر·
والإمام جلال الدين السيوطي، الذي كان من أوسع علماء عصره ثقافة وأخصبهم إنتاجاً، عرف عظيم فضل النووي وعلمه، وأدرك سمو منزلته وعلو شأنه، فخصه بكتاب ''المنهاج السوي في ترجمة الإمام النووي'' عارضاً سيرة حياته مستقصياً فيها أخباره ومآثره ومناقبه·
ولعلمه وورعه وشجاعته كان الناس يرجعون إليه في الشدائد والملمات والخطوب ويستفتونه، فكان يقبل عليهم ويسعى لحل مشكلاتهم، كما في قضية الحوطة على بساتين الشام: وذلك عندما جاء دمشق من مصر السلطان الظاهر بيبرس بعد قتال التتار وإجلائهم عن البلاد، زعم له وكيل بيت المال أن كثيراً من بساتين الشام من أملاك الدولة، فأمر الملك بالحوطة عليها، أي بحجزها وتكليف واضعي اليد على شيء منها إثبات ملكيته وإبراز وثائقه، فلجأ الناس إلى الأمام النووي في دار الحديث، فكتب إلى الملك كتابا جاء فيه: '' وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواع من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطلب منهم إثبات لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه لا يحل الاعتراض عليه ولا يكلف إثباته ''، فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه وأمر بقطع رواتبه وعزله عن مناصبه، فقالوا له: إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب و لما رأى الشيخ أن الكتاب لم يفد، مشى بنفسه إليه وقابله وكلمه كلاما شديدا، فاستجاب السلطان لنصحه، وأبطل أمر الحوطة·
وعندما ولي مشيخة دار الحديث الإشرافية كان له راتب كبير فما أخذ منه فلسا، بل كان يجمعها عند ناظر المدرسة، وكلما صار له حق سنة اشترى به ملكا ووقفه على دار الحديث، أو اشترى كتبا فوقفها على خزانة المدرسة· وكان لا يقبل من أحد هدية ولا عطية·
كان - رحمه الله - امام الشافعية في عصره ومحقق المذهب· وكان حافظا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعلله وتتلمذ على يديه مجموعة من العلماء منهم الخطيب صدر الدين سليمان الجعفري، وشهاب الدين الأربدي، وشهاب الدين بن جعوان، وعلاء الدين العطار، وحدث عنه ابن أبي الفتح، والمزي، وغيرهم·
وأتم في حياته ستة وعشرين مؤلفاً على رأسها ''شرح صحيح مسلم''، و''المجموع''، و''رياض الصالحين''، و''منهاج الطالبين'' و ''بستان العارفين''، و''تهذيب الأسماء واللغات''، و''خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام''، وروضة الطالبين وعمدة المفتين''، و''المنهاج في الفقه''، و''الأربعين النووية''، و''التبيان في آداب حملة القرآن''، و''الأذكار حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار المستحبة في الليل والنهار'' وهو المعروف بالأذكار للنووي ، و''الإِيضاح'' في المناسك·
وفي سنة 676 هجرية رجع إلى نوى، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكى، وزار أصحابه الأحياء وودعهم، وبعد أن زار والده زار بيت المقدس والخليل، عاد إلى نوى فمرض بها وتوفي في 24 رجب من العام ذاته.

اقرأ أيضا