الاتحاد

الملحق الثقافي

«شِبُّولَتْ» أو سَوْط الكَراهِيَة

في فيلم «كتاب إيلي» الّذي أخرجه الأخوان ألبار وآلان هيوجز Albert &Allen Hughes، وبطولة دنزل واشنطن Denzel Washington وغاري أولدمان Gary Oldman، تدور الأحداث في عالم قد دمّرته الحرب النّوويّة وحوّلته إلى صحراء موحشة بعد خراب طبقة الأوزون. في هذا العالم الّذي صار فيه البقاء للأقوى ولمن يملك أسباب العيش وينابيع الماء، احتدم الصّراع بين رجلين: أحدهما رحّالة يدعى «إيلي» يسافر وحيدا حاملا في جرابه الكتاب المقدّس، يتلو منه كلّ يوم ما تيسّر. ولم يكن له من هدف سوى بلوغ غرب أميركا، حيث أُمر على نحو شبيه بالإلهام بأن يسير إلى تلك الأصقاع لإيداع الكتاب. أمّا ثانيهما فهو رجل يدعى «كرناجي» يتحكّم برجاله المسلّحين في سكّان قرية مليئة بالنّاجين من كارثة الحرب، بسبب استيلائه على عين ماء صالحة للشّرب. وقد عاش قبل الحرب وعرف مباهج الحياة السّابقة كمتعة القراءة.

كان «كرناجي» يبحث عن كتاب أُتلف بعد الحرب، هو «الكتاب المقدّس»، حتّى يُحكم قبضته على قلوب النّاس ويوسّع من سلطانه. ويوم علم أنّ الكتاب المفقود في حوزة «إيلي» سطا عليه بعد أن خاض ضدّ الرّجل حربا فَقَدَ فيها معظم رجاله، وجرحت رجله جرحا بليغا. ولكنّه ما أن أفلح في فتح غطاء الكتاب المغلّق، حتّى فوجئ بأنّ الكتاب أبيض قد كتبت صفحاته البيضاء بلغة برايل، فلا يمكن لأحد من خدمه وحشمه أن يقرأه إلاّ كلوديا العمياء الّتي ترفض أن تترجمه له انتقاما منه لأنّه أبعد عنها ابنتها سولارا. ينجح «إيلي» في نهاية رحيله الطّويل الّذي دام ثلاثين سنة في بلوغ مدينة سان فرانسيسكو في الغرب وهو جريح. وفي جزيرة ألكاتراز، حيث شرع سكّانها في تكوين مكتبة كونيّة، أملى عن ظهر قلب جميع أسفار الكتاب المقدّس، ثمّ أسلم الرّوح بعد أن طُبع الكتاب ووُضِع جنبا إلى جنب مع التّوراة والقرآن. وفي لقطة سينمائيّة مركّزة على عيني «إيلي» توحي بأنّ هذا الرّجل أعمى أو شبه كفيف، تبلغ المفارقة ذروتها: فـ «كرناجي» الرّجل القويّ يموت في النّهاية جريحا وقد حُرم من لذّة قراءة الكتاب الّذي كتب بحروف محفورة لا يقرؤها إلاّ العميان. ولا يقابله في ذاك المصير سوى «إيلي» الرّجل المنعزل الّذي يموت جريحا بدوره وهو يُملي الكتاب ليصبح بعد نسخه وطباعته مبذولا للقراءة على نحو عموميّ لكلّ من يحسن فكّ أسرار الحرف.

في واحة التأويل
كيف نؤوّل هذه المفارقة؟ يضعنا الكتاب الأبيض أمام نوعين من القرّاء: الأمّيّ الّذي لا يقرأ، أي القارئ الّذي يرى الكتابة ولا يعرف كيف يقرؤها. وهذا النّوع من القرّاء قد رسم جيل دولوز وفيليكس غواتاري بعض ملامحه في كتابيهما «أوديب مضادّا، الرّأسماليّة والسكيزوفرانيا». فالعين الّتي لا تقرأ الحرف وتراه فقط هي عين الأمّيّ. فالكتابة الألفبائيّة لم تكن للأمّيّين ولا جعلت لهم، ولكنّها كانت بهم. ودون الأمّيّ الّذي لا يقرأ ما كانت الكتابة والكتاب. أمّا النّوع الثّاني فهو القارئ الّذي يقرأ، أي القارئ الأعمى الّذي [لا] يرى الكتابة ولكنّه يعرف كيف يقرؤها. فما تقوله حكمة هذه المفارقة هو أنّه لم يوجد قطّ تطابق تامّ بين الحرف المكتوب والحرف المقروء إلاّ مع الكتابة الألفبائيّة حين تآلفت حركات: اللّسان الّذي يتكلّم، والأذن الّتي تسمع، واليد الّتي تكتب، والعين الّتي تقرأ. وهذا التّطابق هو ضرب من التّرجمة يمرّ فيها الكلام من حاسّة إلى أخرى، ومن عبور إلى عبور، حتّى تبلغ العبارة مقصدها ومنتهاها. ويكفي أن يضطرب هذا التّطابق فلا تُنْطَقُ العبارة على النّحو المنتظر، فتُخيِّب كلّ توقّع، حتّى تنغلق مسالك العبارة، فيستحيل العبور. وإذا علمنا أنّ العبارة الحيّة مرتبطة بجسد من يحملها، تتنقّل بتنقّله، وترحل برحيله، وتُنيخ أينما حطّ الرّحال، وسلّمنا في الآن نفسه بأنّ الكلام يحتاج إلى الطّريق حتّى يمرّ، مثلما يحتاج إلى الكتابة حتّى يبقى عابرا للزّمان، تتناقله الأجيال جيلا بعد جيل، أمكن لنا أن نتصوّر العبارة في هيئة «جواز سفر»، بفضلها يمكن المرور واقتحام الحدود.
هاهنا نستحضر حكاية «علي بابا أمام» مغارة اللّصوص. فحين نطق بكلمة المرور على نحو سليم وقال: «افتح يا سمسم» انفتحت له طريق العبور إلى كنوز المغارة، يدخل ويخرج متى يشاء. أمّا أخوه قاسم فقد نسي الكلمة، فلم ينطق بعبارة «افتح يا سمسم» الّتي كان يُنتظر سماعها. فكان مصيره الموت، وتقطيع اللّصوص جثّته في بعض الرّوايات.
والطّريف في حكاية «عليّ بابا» أنّ كلمة العبور الّتي ينتظر لفظها هي من سجلّ الحبوب، كالشّعير والقمح والسّمسم... وهو سجلّ عجيب نجده حاضرا في قصّة من القصص التّوراتيّ. فقد جاء في سفر القضاة ما يلي: «فاستولى الجلعاديّون على مخاوض نهر الأردن. وكلّما قال أحد رجال أفرايم الهاربين: دعوني أعبر، كان رجال جلعاد يسألونه: أنت أفراميّ؟ فإن قال: لا، كانوا يطلبون منه أن يقول: شِبُّولَتْ، فيقول سِبُّولَتْ من غير أن يتحفّظ في لفظها لفظا صحيحا، فيقبضون عليه، ويذبحونه على مخاوض الأردن. فقتل في ذلك الوقت من أفرايم اثنان وأربعون ألفا». (الإصحاح 12,5-6).
إنّ كلمة «شِبُّولَتْ» الّتي لم يتحفّظ شعب أفرايم «في لفظها لفظا صحيحا» فنطقوها خطأ «سِبُّولَتْ» تعني من ضمن ما تعنيه في المعجم التّوراتيّ «السّنبلة» و«غصن الزّيتون» و«النّهر». ويُفهم من هذه القصّة أنّ طريقة نطق الكلمة تكشف انتماء الشّخص إلى جماعة وطنيّة أو اجتماعيّة أو مهنيّة أو قبليّة أو غير ذلك من أشكال الانتماء. وقد ترتّب على ذلك أنْ أضحت كلمة «شِبُّولَتْ»، schibboleth، تعني أكثر ممّا يقوله لفظها أو دالّها، لمّا صارت علامة لفظيّة تعرف بها هويّة المرء وتَسِمُها وَسْمًا اجتماعيّا. وبانقلاب الكلمة إلى دليل أو أمارة انتماء أصبحت كلمة «شِبُّولَتْ»، كالبصمة الّتي يستحيل الشّكّ في صحّتها. فهي الدّليل القاطع على هويّة الشّخص، إذ في طريقة لفظ الكلمة تسكن اللّهجة. وكلّ لهجة محلّيّة بالضّرورة لأنّها مرتبطة بمحلّ الوجود، وحلول الكينونة في المكان الأوّل. فعندما أراد الهاربون من شعب أفرام العبور بنكران هويّتهم وانتمائهم فضحت اللّغة أمرهم باختبار حاسم فيه خيار واحد: إمّا العبور الآمن بالنّطق السّليم لكلمة «شِبُّولَتْ»، أو الموت ذبحا بالتّلفّظ الخاطئ لكلمة «سِبُّولَتْ» بدل «شِبُّولَتْ». فتحريف حرف «الشّين» يقلب «السّين» إلى حرف قاتل ويجعل من «الشّين» حرفا حارسا للحدود يمنع الأجساد من العبور، ويجعل من العابرين دون «جواز سفر» أعداء. فحدود كلّ أمّة لا ترسمها الخرائط فحسب، وإنّما تخطّها في الأرض الحروف والكلمات.
في هذه القصّة التّوراتيّة لا قيمة للكلمة إلاّ بالطّريقة الّتي قيلت بها، بالنّبرة الّتي نطقت بها. فالكلمة في حدّ ذاتها لا تتضمّن دلالة جديدة، وإنّما تظهر سمة هامشيّة في كلّ لغة تشير إلى انتماء مّا. فالإخوة الأعداء في هذه القصّة قد احتكموا إلى مقياس هو هذه الأداة المباشرة الجاهزة الّتي لا يمكن التّحكّم فيها، أي هذا الصّوت المنغرس في الجسد بنغمته وبصمته، بإيقاعه ورنّته. فالإخوة يتكلّمون اللّغة نفسها، إلاّ أنّهم لم يتمكّنوا من إخفاء غيريتهم. فليس ما يقسّم لحمتهم مشكل التّرجمة، ولا مسألة الفهم والتّواصل. فكلتا القبيلتين تعرف حقّ المعرفة دلالات كلمة «شِبُّولَتْ». فكلتاهما تشترك في فهم معنى الكلمة، إلاّ أنّ تلك الكلمة تمثّل فوق ذلك قرينة على الاختلاف الجذريّ الّذي يقسّم العشيرتين. فكلمة «شِبُّولَتْ» لا تصبح «شِبُّولَتْ» إلاّ بتصويتها وطريقة تلفّظها.

شبيهات الـ «شِبُّولَتْ»
ويبدو أنّ لقصّة الـ «شِبُّولَتْ» هذه أشباه ونظائر في ثقافات أخرى. ففي القرون الوسطى وعصر النّهضة الأوروبيّة اشتهرت بعض الحكايات الّتي تروي أنّه خلال انتفاضة سكّان صقليّة على الهيمنة الإقطاعيّة الّتي فرضها عليهم الملك الفرنسيّ الأصل شارل دو أنجو Charles d’Anjou تمكّن الصّقلّيّون من التّعرّف إلى العدوّ بطريقة نطقهم للّفظ الصّقليّ «ciciri»، «شيشيري» (أي الحمّص). فبهذه الحيلة قبضوا على أعدائهم الفرنسيّين وأجهزوا عليهم يوم عيد الفصح وقت صلاة المساء. فصارت تلك الانتفاضة تعرف ب«صلوات المساء الصّقليّة»، «Vêpres siciliennes».
وفي الحرب العالميّة الأولى التجأ الألزاسيّون إلى اختبار شبيه باختبار «شِبُّولَتْ»، للقبض على أعدائهم الألمان الّذين كانوا يحسنون تقليد لهجة الألزاس. فخطرت ببال القسّ واترلي Watterlé حيلة لكشف هويّة الأعداء. فكان يتقدّم إلى الألمانيّين من بادن Baden وهو يمسك مظلّة مطر، ويسألهم: ما هذه؟ فيقولون بلهجتهم:«Schirm»، ثمّ يسأل الألمان من سوبيا Souabe: ما هذه؟ فيجيبون بلهجتهم: «Regenschirm». فيقبض عليهم لأنّ الألزاسيّين ينطقونها: «barabli».
وسنة 1923 حدث زلزال بكانتو Kant? في اليابان، أعقبته أعمال نهب وحرق وتسميم للآبار نسبت إلى الكوريّين القاطنين في اليابان. فتكوّنت ميليشيات قتلت الكثير من الكوريّين وبعض الصّينيّين خاصّة في مدينتي طوكيو ويوكوهاما من الّذين كانوا لا يحسنون نطق حرف الجيم في كلمات اختيرت بعناية لاختبار هويّة المتكلّمين. وقد كان من ضحايا اختبار هذا الـ«شِبُّولَتْ» بعض اليابانيّين الآتين من جهات أخرى اعتبروا كوريّين بسبب سوء نطقهم للحرف اللّعين. وقد بلغ عدد الضّحايا من 2500 إلى 6000 في صفوف الكوريّين فقط.
وقد حدث في جمهورية الدّومينيك شيء مماثل في الثّلاثينيّات من القرن الماضي. فقد كان الكثير من العمّال الهايتيّين يشتغلون في حقول قصب السّكر. ولمّا خشي رئيس الجمهوريّة رافايال تروخيليو Rafael Trujilio من تسلّل الهايتيّين الموالين للمعارضين الدّومينيكيّين لقلب نظامه أمر بتصفيتهم جسديّا يوم 2 أكتوبر 1937. وكان الدّومنيكيّون والهايتيّون متشابهين في المظهر والملبس، فالتُجئ إلى اختبار شبيه باختبار ال«شِبُّولَتْ»، وذلك بأن يطلب من الهايتيّ المشتبه فيه أن ينطق بكلمة «perejil»، أي «بقدونس». فكانت النّتيجة مجزرة عرفت بـ«مجزرة البقدونس» ذهب ضحيّتها أكثر من عشرين ألف عامل هايتيّ.

اللهجة والهويّة
تؤكّد قصّة الـ«شِبُّولَتْ» التّوراتيّة وأَضْرَابها عبر التّاريخ، أنّ اللّهجة هي الّتي تحدّد هويّة المتكلّم. فهي البصمة الّتي تعقد صلة اللّسان بالمكان، أو الحمى. ذلك أنّ الانتماء إلى (القبيلة أو الوطن أو الأمّة...) غير مسجّل في السّلالة عبر سلاسل النّسب فقط، وإنّما بالحلف أو الولاء اللّساني للمكان. فاللّهجة تسجّل الفرد في المكان. فمبدأ التّسجيل في منطق العمل السّياسيّ هو أن يسجّل المرء نفسه داخل حمى أو حرم أو وطن، مادام التّسجيل هو الّذي «يثبّت الوجود في مكان، لأنّ المكان هو الّذي يمنح الوجود.» (ريجيس دوبريه، نقد العقل السّياسي، ص408). ومن أمثلة الانتماء بالتّسجيل في المكان رواية أوردها جلال الدّين السّيوطي في بعض كتبه، جاء فيها ما يلي: «حدّثنا أبو بكر بن دريد: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ عن أبي عمرو بن العلاء قال: لقيت أعرابيّا بمكّة، فقلت: ممّن أنت؟ قال: أسديّ. قلت: ومن أيّهم؟ قال: نمريّ. قلت: من أيّ البلاد؟ قال: من عمان. قلت فأنّى لك هذه الفصاحة؟ قال: إنّا سكنّا أرضا لا نسمع فيها ناجحة التّيّار. قلت: صف لي أرضك. قال سِيف أفيح، وفضاء ضحضح وجبل صردح ورمل أصبح (...)» (المزهر في علوم اللّغة، ج2، ص153).
ولا يسجّل المرء في المكان كما تسجّل الأسماء في الدّيوان أو سجلاّت الحالة المدنيّة... وإنّما يجري التّسجيل على الجسد وفي الجسد. فاللّهجة ليست جَرْس الكلام ورنينه الّذي به يعرف مأتى المتكلّم ومن أيّ أرض هو، وإنّما تعني كذلك طرف اللّسان. فاللّهجة هي وسم المكان على طرف اللّسان، بل هي الدَّيْن الّذي يوحّد اللّسان والمكان معا في حلف. وما يمثّل هذا الدَّيْن هو هذا الحلفُ ذاته.

تحولات اللفظ الخطرة
ويبدو أنّ لفظ الـ«شِبُّولَتْ» قد تجاوز مجال التّاريخ ليشمل ميادين أخرى كالأدب والفلسفة. فقد جعل الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا من عبارة «شِبُّولَتْ» عنوان بعض كتبه: «Schibboleth، pour Paul Celan»، «شِبُّولَتْ لبول سيلان»، الّذي صدر سنة 1986. وهو في الأصل محاضرة ألقاها الفيلسوف في «المؤتمر الدّوليّ بول سيلان»، (International Paul Celan Symposium) الّذي انعقد في جامعة واشنطن بسياتل في أكتوبر 1984. وقد انطلق دريدا من لفظ «شِبُّولَتْ» ليفكّر في مظهر اللّغة الإقصائيّ ويتأمّل في وجهها العنصريّ حين ترتبط بالهويّة. فعندما يستحيل النّطق القويم بالكلمة إلاّ على نحو منحرف، فينطق بما لا يمكن النّطق به، يفتضح سرّ الانتماء إلى أمّة أخرى أو جماعة لغويّة مختلفة. فغيريّة الآخر لا تلمح في لون جلدته، وإنّما تسمع في رنين الصّوت وبصمته.
في هذا السّياق الموسوم بالإقصاء ورفض الغيريّات «اللّغويّة»، تحفل كتب الأدب العربيّ القديم بنماذج شبيهة بمعيار الـ«شِبُّولَتْ» التّوراتيّ. فالكلام باللّسان العربيّ وعلى مجاري كلام العرب الفصحاء شرط لا للإقامة في الأرض العربيّة أو دار الإسلام، وإنّما للإقامة في الجماعة العربيّة. فأن يكون الفرد مندمجا في الجماعة هو أن يكون معترفا به. ولا يتعلّق هذا الاعتراف بالشّخص، وإنّما بلسانه الّذي إذا نطق وجب عليه أن يظهر العلامة أو الدّمغة أو الختم أو الوسم العربيّ الّذي به يتحقّق الاعتراف. وحتّى لا تسقط القلعة العربيّة كما تهاوت القلعة البابليّة وجب حفظ اللّسان وصيانته، فلا يجري على العربيّة ما جرى للبابليّين من بلبلة في اللّسان وشتات بعد وحدة. فمن كان موسوما أصبح حصاة في البناء العربيّ ولبنة في القلعة العربيّة. ومن لا يكون حصاة يُخصى. وليس المقصود من لفظ الخصاء استئصال عضو الذّكورة، إنّما المقصود الخصاء الرّمزيّ الّذي يمارس على الكلام مبدأ التّقسيم والفصل والإقصاء. فكلام الآخر الأعجميّ كلّه عجمة لأنّه يظلّ غير قابل للتّفرقة، فلا يُميّز لسان الفارسيّ من الرّوميّ، والهنديّ من الزّنجيّ. وبسبب تلك العجمة استحال على الأعاجم عبور الحدود، ودخول القلعة العربيّة، إلاّ إذا تكلّموا باللّسان العربيّ. وإذا تكلّم الغريب بغير لسانه لحن، فكان كلامه نوادر مضحكة لأنّه شذوذ يَخْرُج فيه الكلام من غير مخارجه العربيّة.
وتمدّنا أخبار اللّغة والأدب بقصّة واصل بن عطاء ولثغته الشّهيرة. فقد «كان واصل بن عطاء قبيحَ اللُّثغة شنيعَها». «ولمّا علم [...] أنّه ألثغ فاحش اللَّثَغِ، وأنّ مخرج ذلك منه شنيع، وأنّه إذ كان داعية مقالة ورئيس نحلة، وأنّه يريد الاحتجاج على أرباب النّحل وزعماء الملل، وأنّه لا بدّ من مقارعة الأبطال، ومن الخطب الطّوال، وأنّ البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصّنعة، وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وأنّ حاجة المنطق إلى الطّلاوة والحلاوة كحاجته إلى الجلالة والفخامة، وأنّ ذلك من أكبر ما تُستمال به القلوب، وتنثني إليه الأعناق وتَزين به المعاني. وعلم واصل أنّه ليس معه ما ينوب عن البيان التّامّ، واللّسان المتمكّن، والقوّة المتصرّفة، [...] رام أبو حذيفة إسقاط الرّاء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه ويناضله ويساجله، ويتأنّى لستره والرّاحة من هجنته، حتّى انتظم له ما حاول، واتّسق له ما أمّل...» (أبو عثمان الجاحظ، البيان والتّبيين، ج1، ص. ص14-15).
لقد كانت لثغة واصل تمثّل هجنة الدّخيل المربكة ولهجة الغريب الّتي ينبغي أن تستر. فهو يحمل في لسانه جثّة الحرف الّذي لا يُبين. وقد كان الحلّ جذريّا تمثّل في «ختان لسانه» بتجنّب حرف الرّاء وإسقاطه تماما من الكلام. هذا الإسقاط هو تضحيّة بحرف من نظام اللّغة الصّوتيّ وتحفيز طاقات الكلام لتعويض تلك الخسارة.
إنّ مثال واصل بن عطاء يؤكّد عمق الملاحظات الأولى الّتي استوحاها دريدا من القصّة التّوراتيّة واختزلها في هذه العبارة المكثّفة، «ينبغي أن نجيد نطق [كلمة]»شِبُّولَتْ«حتّى نحصل على حقّ العبور، بله الحقّ في الحياة»، (جاك دريدا، شِبُّولَتْ لبول سيلان، ص12). غير أنّه توسّع في استخلاص تبعات هذه الكلمة الّتي انقلبت إلى معيار خَطِرٍ يشتغل مثل نفي مطلق للغيريّة. فهو معيار يفجّر عُرى الإنسانيّة، بما يحتويه من قوى قامعة شيطانيّة، فيجعلها شعوبا وقبائل مشتّتة متناحرة. وبذلك يصبح لفظ «شِبُّولَتْ» صورة مبكّرة من الكراهيّة والتّمييز العنصريّ لن تكتمل ملامحه، ويسفر وجه الشّرّ الجذريّ فيه، إلاّ بظهور الدّول الكليانيّة، والأنظمة البيوسياسيّة (فاشيّة ونازيّة وستالينيّة...) الّتي لا تقيم للإنسان وزنا وتعتبره كائنا زائدا على الحاجة. وقد أدرك دريدا ما يحتويه لفظ «شِبُّولَتْ» في القصّة التّوراتيّة من تحوّلات خطرة وجد ترجمتها الملموسة في أعمال بول سيلان الشّعريّة والنّثريّة.
لقد كان شعب أفرام يُعرف بعجزه عن نطق حرف «الشّين» من لفظ «شِبُّولَتْ»، الّذي أصبح عندهم لفظا لا يمكن نطقه. فكانوا يقولون «سِبُّولَتْ» صانعين بعجزهم ذاك، وعدم مبالاتهم المتكرّرة، حدودا لا تُرى بين حرفي «الشّين» و«السّين»، هي الحدود الفاصلة بين الموت والحياة. وإن كانت أحداث هذه القصّة بحسب ما تقول التوراة قد جرت «على مخاوض نهر الأردن»، وحدوده فإنّ شعر بول سيلان يستحضر حدودا أخرى صنعتها أحداث سبقت الحرب العالميّة الثّانية. في هذا السّياق الجديد نجد لفظ «شِبُّولَتْ» ماثلا في قصيدة «شِبُّولَتْ» من ديوانه «من عتبة إلى عتبة»، رفقة لفظ إسبانيّ يتمّمه ويعرب عنه في صرخة عاتية: «?No pasar?n!»، أي «لن يمرّوا!». يقول سيلان: «يا قلب، أعرب عن نفسك حتّى هنا/‏ هنا في السّاحة العموميّة/‏ اصدح مزمجرا بالشِبُّولَتْ/‏ في بلدك الغريب: يا فبرايلر، لن يمرّوا!».
و«?No pasar?n!»، «لن يمرّوا!»، هو في الحقيقة شعار أطلقه أنصار الجمهوريّة الإسبانيّة الثّانيّة (1936-1939) ضدّ أتباع الجنرال فرانكو لمّا اندلعت الحرب الأهليّة الإسبانيّة. بل هو شعار أطلق ضدّ كتائب فرانكو وجنود موسيليني وفرقة هتلر النّسر الكبير. وبذلك تحوّل شعار «لن يمرّوا» إلى «شِبُّولَتْ» عند الجمهوريّين الإسبان وأنصارهم، وإلى كلمة سرّ لا كلمة للعبور، فكان ينقل كرمز أخويّ، كمصافحة باليد، كعلامة لحشد الصّفوف، وأمارة انتماء، وكلمة ترسم خطّا سياسيّا. إنّ أشعار بول سيلان بتواريخها المختلفة تكرّر أحداثا سياسيّة في لغة ألمانيّة تستحضر لغات أخرى عبريّة وإسبانيّة وفرنسيّة كأنّها تحتفي بذكرى ميلاد سياسيّ شعريّ لأحداث فريدة انتشرت على كامل الخارطة الأوروبيّة: كسقوط فيينا ومدريد. فكلتا المدينتين قد ذكرتا معا في نفس البيت في قصيدة تحمل عنوان «شِبُّولَتْ»: «يا ناي/‏ يا ناي اللّيل/‏ اذكر/‏ الاحمرار القاني وقد اختلط/‏ حمرة فيينا بحمرة مدريد».
وبهذا الشّاهد الّذي يختلط فيه الشّعريّ بالسّياسيّ نتساءل اليوم: هل ولّى عهد الشِبُّولَتْ الأدبار؟ يكفي أن نلقي نظرة في المعابر والحدود والمطارات وبوّابات السّفارات، وطوابير المنتظرين الطّويل، حتّى نلمح أطياف هذه الكلمة وهي ترفرف مانعة البشر من التّلاقي زارعة في القلوب الألم والكراهية.

الولاء اللسانيّ للمكان
تؤكّد قصّة الـ «شِبُّولَتْ» التّوراتيّة وأَضْرَابها عبر التّاريخ أنّ اللّهجة هي الّتي تحدّد هويّة المتكلّم.. فهي البصمة الّتي تعقد صلة اللّسان بالمكان، أو الحِمى. ذلك أنّ الانتماء إلى (القبيلة أو الوطن أو الأمّة...) غير مسجّل في السّلالة عبر سلاسل النّسب فقط، وإنّما بالحلف أو الولاء اللّساني للمكان. فاللّهجة تسجّل الفرد في المكان. فمبدأ التّسجيل في منطق العمل السّياسيّ هو أن يسجّل المرء نفسه داخل حمى أو حرم أو وطن، مادام التّسجيل هو الّذي «يثبّت الوجود في مكان، لأنّ المكان هو الّذي يمنح الوجود»، كما يقول ريجيس دوبريه.

التسجيل على الجسد
ولا يسجّل المرء في المكان، كما تسجّل الأسماء في الدّيوان أو سجلاّت الحالة المدنيّة... وإنّما يجري التّسجيل على الجسد وفي الجسد. فاللّهجة ليست جَرْس الكلام ورنينه الّذي به يعرف مأتى المتكلّم ومن أيّ أرض هو، وإنّما تعني كذلك طرف اللّسان. فاللّهجة هي وسم المكان على طرف اللّسان، بل هي الدَّيْن الّذي يوحّد اللّسان والمكان معاً في حلف. وما يمثّل هذا الدَّيْن هو هذا الحلفُ ذاته.

اقرأ أيضا