الاتحاد

ثقافة

الخليل مدينة أبي الأنبياء

فتاة فلسطينية بثوب  الجنة والنار  في منطقة الخليل

فتاة فلسطينية بثوب الجنة والنار في منطقة الخليل

عشت في مدينة الخليل زهاء سنة ونصف من حياتي، كانت من أكثر الأيام نقاء وتحدياً بالنسبة لشاب صغير فرضت عليه الظروف الصعبة في بلاده أن يصارع الوحوش الكاسرة· ما زال عالقاً في خيالي منظر الدبويا، وهو الحي الذي أقامته قوات الاحتلال في قلب المدينة حيث يرتفع العلم الإسرائيلي، وترى جيرانك من اليهود ينشرون الغسيل فوق الأسطح، أو يتحرشون بك، وكأن المكان مكانهم وهم أصحاب الدار وأنت طارئ ودخيل مع أنك صبار الأرض وملحها وسداها·
في تلك المدينة التي تشتهر بالعنب الخليلي كنت دائماً أردد ما قاله الشاعر عز الدين المناصرة:
''يا عنب الخليل الحر لا تثمر
وإن أثمرت
فكن سماً على الأعداء
لا تثمر''·
إنها مدينة إبراهيم أبي الأنبياء وجد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، لذا سميت باسمه، رغم أنها تقلدت عبر التاريخ العديد من الأسماء، وتعاقبت عليها الغزوات، وجاءها الفاتحون من جميع الاتجاهات؟· ويعود تاريخ إنشائها إلى 3500 سنة قبل الميلاد على يد ملك عربي كنعاني، وقد وفد إليها النبي إبراهيم عليه السلام، ودفن فيها هو وزوجته سارة، وولده إسحق وزوجته رفقة، ويعقوب وولده يوسف بعد أن نقلت جثتاهما من مصر، وقد بنى المسلمون فوق قبور الأنبياء الحرم الإبراهيمي إضافة إلى تشييد الأبنية والمساجد ودور العلم والثقافة، وأصبحت المدينة مزاراً ومركزاً ثقافياً إسلامياً يحج إليه المسلمون إلى أن وقع الاحتلال الذي قام بتطويق المدينة بأحزمة استيطانية أشهرها مستوطنة كريات أربع التي يعيش فيها غلاة المستوطنين، حيث قام أحد سكانها، وهو جولد شتاين بارتكاب مجزرة، بحرق المصلين الذين كانوا ساجدين في صلاة الفجر وذهب ضحيتها 29 مصلياً وعشرات الجرحى، وعلى إثر تلك المذبحة المروعة تم تقسيم الحرم الإبراهيمي بين المسلمين واليهود كسابقة في التاريخ الإسلامي·
تبعد مدينة الخليل 44 كم جنوب القدس، بل إن العديد من سكان القدس هم أصلاً من مدينة الخليل حيث ما زال العديد من أهالي بيت المقدس يتكلمون اللهجة الخليلية ذاتها التي تسمعها في أسواق الزجاجين واللبن وخان شاهين في قلب مدينة الخليل، والسبب في هذه الهجرة الخليلية إلى القدس عدا عن كون زهرة المدائن هي الشقيقة الكبرى وعاصمة فلسطين، فإن الخلايلة عرفوا بأنهم تجار مهرة لذا كان لابد من التواجد في المركز الاقتصادي، أما قبل ذلك فإن الصليبيين قاموا عند احتلالهم لمدينة القدس بذبح كل سكانها وكان عددهم آنذاك 70 ألفاً، وحين خرج الصليبيون مندحرين فإن العديد من أبناء الخليل ملأوا الفراغ السكاني·
في كل بيت من بيوت الخليل تجد دوالي العنب تتسلق البيت، لذلك هم مشهورون بأكلة تسمى (العنطبيخ) وهي مربى العنب المطبوخ على الطريقة البلدية، إضافة إلى (القدرة الخليلية) اللذيذة وهي عبارة عن أرز ولحم يوضعان في الطنجرة أو (القدرة) التي توضع في الفرن، حيث ينضج الرز واللحم على مهل، وتنتشر في الخليل وبلداتها وقراها أشجار التين والزيتون والخوخ واللوز والجميز والمشمش والتفاح إلى جانب الخضروات، وهي مدينة لا تعرف الجوع نظراً للخير الوفير ونعم الله الكثيرة·
والخليل مدينة محافظة إذ لا يوجد فيها سينما حتى الآن، وأهلها مشهورون بالكرم والوفاء، وعاداتهم بدوية عشائرية خاصة في الأرياف حيث لا يعرفون التزلف والنفاق، وكثيراً ما يعقدون الصلح العشائري بين المتخاصمين، وتستعين بهم باقي المناطق الفلسطينية من أجل ذلك، وفي إحدى المرات، قمت بضرب أحد الناس في تلك المدينة بسبب مشكلة معينة، فقام بتقديم شكوى ضدي إلى المحاكم الإسرائيلية كانت ستكلفني خمسة عشر شهراً في السجن، وقمنا بإرسال الوجهاء كي يتوسطوا لهذا الشخص، لكنه كان يرفض مشترطاً أن يأتي أهلي من منطقة نابلس ويعتذروا لأهله أمام فهد القواسمي الذي كان رئيساً لبلدية الخليل آنذاك، وهذا ما حصل·
والخليل هواؤها عليل في فصل الصيف، أما في الشتاء فإن جوها بارد قارس، وتهطل فوقها الثلوج حيث ترتفع 1000 متر عن سطح البحر، وعدد مدارسها 273 مدرسة، وعدد رياض الأطفال 26 روضة، كما توجد فيها دار للمعلمين، ومعهد البولوتكنيك (كلية الخليل الفنية الهندسية)، وجامعة الخليل، إضافة إلى المستشفيات والعديد من الجمعيات الخيرية·
وفي فلسطين لا تشاهد حيوان الجمل إلا جنوب القدس بدءاً من بيت لحم، ويتركز في الخليل ثم جنوباً إلى بئر السبع وصحراء النقب، لذلك فإن لحم الجمل أغلى من لحم الماعز والبقر بسبب ندرته، وكان المزارعون يقومون بالاستعانة به في العمل في الحقول، ونقل الأحجار قبل أن تنتشر وسائل النقل والزراعة الحديثة·
قبل عدة أشهر اتصلت بصديقي العميد منير العبوشي محافظ مدينة سلفيت فقلت له: أين أنت؟ فأجابني بأنه في بيت صديقنا المشترك العميد محمد بركة التكروري في مدينة الخليل الذي اعتقلته قوات الاحتلال مرات عديدة، وكانت إحدى هذه المرات بعد أقل من شهرين على زواجه، ذكرني الصديق الكبير والمناضل الصلب محمد بركة التكروري بقصائد كتبتها حين كنت أتأمل عنفوان مدينة الخليل وعظمتها، وحين ابتعدت عن مدينة الخليل نسيت الشعر والشعراء·
خجلت من الصديق الكبير محمد بركة التكروري حين أخبرني أن مجموع سنوات اعتقاله بلغ عشرين عاماً، لقد جن جنوني، حيث قلت لأصدقائي على الهاتف: أنتم تعتقلون في زنازين الاحتلال وغيركم يزايد عبر الفضائيات كي يسهر الساهرون على أصواتهم وصراخهم كل ليلة، إنها الخليل بلد الرجال الرجال·

اقرأ أيضا

جائزة الشيخ زايد للكتاب تكشف عن القائمة الطويلة لفرع «الترجمة»