الاتحاد

ثقافة

الفصاحة والذخيرة اللغوية عند العرب

عبد الرحمن حاج صالح

عبد الرحمن حاج صالح

ألقى الدكتور عبد الرحمن حاج صالح، رئيس مجمع اللغة العربية بالجزائر، محاضرة في مقر ''المكتبة الجزائرية'' بعنوان ''السماع اللغوي العلمي عند العرب ومفهوم الفصاحة''، قدم فيها خلاصة 40 سنة من دراساته وبحوثه المستفيضة في مجال الدراسات اللغوية العربية·
استنكر المُحاضر قول البعض إن النحو وليد المنطق الأرسطوطاليسي، وقال: ''هذا زعم، ولقد سقتُ براهينَ تاريخية ولغوية تفند ذلك، كما مسحت كتاب سيبويه وشروحه الخمسة التي وصلت إلينا كمخطوطات لم تُنشر بعد آنذاك واعتمدتُ عليها لأؤكد أنه لا دخل للمنطق الأرسطي في النحو العربي''· وأضاف المحاضر أن أثر أرسطو لم يظهر إلا في زمن ابن السرَّاج، مشيراً إلى أن كتب ''الطبقات'' تنطوي على الغث والسمين، وفيها قصص للتسلية وليس كتاب لغة ونحو، ونفس الشيء بالنسبة لكتاب ''الأغاني''· وانتقد نقل ''العلل الأربعة لأرسطو'' وتساءل عمن فعل ذلك، وهل كان بحاجة إليها؟! وقال: ''إن المنطق الأرسطي لا يوافق المنطق الرياضي، وهو أحد عوامل جمود الفكر العربي ثم الأوروبي، وقد جاء ديكارت ونفض عنه الغبار بينما لا نزال نحن في عهده ولم نخرج بعد من القرون الوسطى''·
وانتقد حاج صالح تهافت العرب على النظريات الغربية وضرب مثلاً بذهاب الطلاب العرب إلى أوروبا للحصول على الدكتوراه في ''البنوية'' التي تجاوزها الأوروبيون إلى مذاهب أخرى·
كما نبه إلى أن مقولة اعتماد النحاة على الشعر وحده مغالطة أخرى؛ إذ إن هناك ما يقرب من 4 آلاف مثل نثري اعتمد عليه سيبويه في صياغة أسس النحو فضلاً عن ألف بيت شعري، ودعا إلى الاحتكام إلى الحاسوب كمحك لمدى صحة النظريات العلمية، وما لا يقبله الحاسوب، يعني أنها نظريات خاطئة أو ناقصة، وأشار إلى وضعه ''النظرية الخليلية الحديثة'' وقال: ''إن اللغويين العرب لم يعترضوا عليها كما أن المفكر تشومسكي أخذ بها''·
وتناول الشق الثاني من المحاضرة مشروع ''الذخيرة اللغوية'' الذي يُعدُّ الحاج صالح أحد أبرز المشتغلين به في السنوات الأخيرة، ووصفه بأنه ''مشروع العصر الحديث ومستقبل العرب جميعاً وبخاصة الذين لا يعرفون اللغات الأجنبية وهم أكثر العرب'' ووصفهم بـ''المعوقين'' الذين لا يستطيعون مواكبة المعلومات التي تظهر يومياً في العالم· وقال ''إن المشروع سيخرجهم من ورطتهم هذه بأن يضع في متناولهم، عن طريق الحاسوب والانترنت، كمية هائلة من المعلومات التي لا تصلهم في العادة إلا بعد سنوات، وسيساعد العلماء والباحثين والأساتذة وحتى الأطفال بأن يتيح لهم الاطلاع على معلومات غزيرة جداً، وسيركز المشروع على حصر كل ما نشر في التراث العربي وبخاصة التراث العلمي الذي يجهله الكثير من الناس كاختراعات العرب في الكيمياء والطب والرياضيات··· وسيقدِّم للعرب كل ما هو مستعمل في الدول العربية من ترددات الكلمات، علماً بأن المشروع كان في بدايته لغوياً لسانياً ثم توسع ليصبح ثقافياً علمياً شاملاً''·
إلا أن المُحاضر أبدى استياءه من تقاعس الدول العربية عن الإنفاق على المشروع برغم موافقة 18 دولة عليه في إطار الجامعة العربية، وأكد مواصلته عمله بإصرار و''النتيجة سيراها الشباب في المستقبل''، وقد تمَّ إلى حدِّ الساعة إدخال عشرات أمَّهات الكتب التراثية العربية في الحاسوب، كما أنشأ فريقاً في المجمع الجزائري للغة العربية ليقوم بانجاز جزءٍ من المشروع، وهو ينتظر أن تساهم جميع الجامعات في ذلك، وأكد أن الجامعات الجزائرية قادرة على انجاز كل المشروع وحدها، لكنه يفضل مشاركة كل العرب فيه لتعميم اللغة العربية في كل المعارف والعلوم ومناحي الحياة·
وأثناء المناقشة أشاد الدكتور صالح بلعيد بجهود حاج صالح في خدمة اللغة العربية؛ فهو أول من أدخل الحاسوب إلى ''مركز الدراسات اللغوية'' بالجزائر سنة ،1969 ووصف مشروع ''الذخيرة اللغوية'' بـ ''أعجوبة الألفية الثالثة''، وقال'' إنه سيُرسي ''الأسس العلمية المحوسبة'' للغة العربية، وإن حاج صالح ''سابق لزمانه'' وأفكاره طموحة جدا ومشروعه يجيب على كل ما يخطر على البال من تساؤلات معرفية، ودعا الدول العربية إلى مساعدته· إلا أن الدكتور عثمان سعدي، رئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية في الجزائر، تدخل لينبِّه إلى أنه لا أملَ في تنفيذ (جامعة الدول العربية) للمشروع؛ فهي تقتات من القروض بسبب عدم دفع الحكومات العربية حصصها المالية لهذه الهيئة، ودعا إلى الاقتداء بتجربة الإمارات العربية المتحدة التي أعدت مشروعاً ضخما لخدمة اللغة العربية وكذا تجربة جامعة الملك فيصل في السعودية·
أما عدة فلاحي، برلماني سابق، فنبَّه المحاضرَ إلى ''إبداع'' علماء الإسلام المنهج التجريبي في البحث ليتجاوزوا به المنطق الأرسطي، كما أن كتاب ''الأم'' للشافعي و''نقد المنطق'' لابن تيمية تجاوزاه أيضاً، بينما أثار أحد المتدخلين باستياء قضية ''زحف اللغة الفرنسية'' على ألسنة الجزائريين وتراجع المفردات العربية في حياتهم اليومية·
وعقَّب حاج صالح على هذه التدخلات بالتأكيد أن مشروع الذخيرة اللغوية هو ''نوع من التعريب والعلم والمعرفة'' وهو لا يُترجم فقط الكتب التي صدرت قبل 50 سنة، بل أيضاً المقالات التي صدرت أمس في مجلات غربية عبر الترجمة الفورية·

اقرأ أيضا

الشعر النبطي.. خزّان الحياة البدوية