الاتحاد

تقارير

تطور التعصب الديني

لقد شاهدت فيلم ''فتنة'' لمخرجه ''غيرت ويلدرز'' زعيم حزب الحرية الهولندي الذي يتبنى موقفاً متشدداً إزاء هجرة المسلمين إلى بلاده، والفيلم ذو 17 دقيقة الذي وضع يوم الخميس الماضي على الإنترنت يستعرض بعض مظاهر العنف في القرآن، ويعرض صوراً وخطابات يطلقها المتشددون، فضلا عن مشاهد قطع الرؤوس والتفجيرات الانتحارية وتلقين الصغار كراهية اليهود ونعتهم ''بالقردة والخنازير''، ولا يتوقف الفيلم القصير عند ذلك الحد بل يواصل عرض صور المتظاهرين وهم يرفعون شعارات مثل ''يعيش هتلر'' أو ''لتذهب الحرية إلى الجحيم''·
وكما كان متوقعاً سارعت العديد من الحكومات الإسلامية إلى التنديد بالفيلم، كما صوت نصف أعضاء البرلمان الأردني بقطع العلاقات مع هولندا، علاوة على تهديد شيخ الأزهر في مصر ''بعواقب وخيمة'' إذا لم تعمل الحكومة الهولندية على حظر الفيلم، وفي الوقت نفسه ينخرط القادة الأوروبيون في حركاتهم المسرحية من عض للأصابع وغيرها، ملقين باللوم على ''ويلدرز'' الذي يحرض على ''الكراهية''·
بيد أن فيلم ''فتنة'' قادني شخصيا إلى التفكير في أيقونة السمكة -أيقونة على شكل سمكة تحيل إلى المسيح- وعاد بي تحديداً إلى اسطنبول في العام ،1991 حيث كنت مع صديق في أحد الملاهي واسترعى انتباهي أن المكان يغص بالأتراك من الطبقة الوسطى، ومع أنهم لم يكونوا يتحدثون بالإنجليزية ولا كنا نحن نجيد التركية، إلا أننا أمضينا وقتاً ممتعاً في انسجام تام مع بعضنا بعضا، وعند انتهاء السهرة في آخر الليل تقدم إلي رجل ومد لي بطاقة العمل الخاصة به، رسم على ظهرها السمكة، ومع أن الأمر ليس مهماً وقد لا يستحق الذكر، إلا أنه بالنسبة لي كان لافتاً أن يتقدم إلي هذا الرجل في مدينة حديثة على الطراز الأوروبي ويصر على التلميح أنه مسيحي مثله مثلي، أو هكذا اعتقد على الأقل·
وبالرجوع إلى التاريخ تستحضر أيقونة السمكة لدى المسيحيين معجزة المسيح، كما تحيل إلى الحقبة التي كان فيها المسيحيون يتعرضون إلى الاضطهاد على يد الرومان فيلجأون إلى رسم صورة الأيقونة على الأرض كنوع من التضامن مع المضطهدين، وفي أميركا تكثر مثل تلك الرسوم الدينية في لوحات السيارات الخلفية، رغم أنه مؤخراً بدأت أيقونات جديدة في الظهور تبرز فيها صورة ''داروين'' في إشارة إلى نظرية النشوء والارتقاء التي يؤمن بها البعض على حساب المعتقدات الدينية حول الخلق وغيرها·
والحقيقة أني أجد استبدال سمكة المسيح بأخرى لـ''داروين'' مهينة إلى درجة بعيدة، والسبب هو أن هذه العملية غالباً ما تسعى إلى إظهار المتدينين على أنهم متخلفون وغير عقلانيين مثل مروجي سمكة ''داروين''، وقد توسع معنى سمكة داروين لتحيل إلى قيم التسامح، حيث غالباً ما تلصق بالسيارات لحث السائقين على التسامح أثناء حركة المرور· لكن العملية برمتها تنطوي على مفارقة واضحة، إذ في الوقت الذي تدعو فيه الأيقونة المعدلة إلى التسامح، فهي تخرق أدنى معايير التسامح بسخريتها من المتدينين المسيحيين وانتهاك قدسية الأيقونة الأصلية·
وكما يوضح ذلك ''كريستوفر كودلويل'' في ''ويكلي ستاندرد'' تنتهك سمكة ''داروين'' القاعدة المتفق عليها في مجال الهوية، وهي أنه من المقبول إبراز الهوية، لكنه من المشين التهجم عليها· ويضرب ''كودلويل'' مثالا على ذلك بقوله: ''إن كتابة كلمة شالوم داخل نجمة داوود لا تلفت أي انتباه، لكن وضع كلمة ''الربا'' داخل النجمة سيثير السخط''، ولعل الأكثر إزعاجاً من ذلك هو الشعور بالقوة التي تتيحها ممارسات كاستعراض سمكة ''داروين'' في ظل غياب أي تداعيات سلبية على ذلك، بحيث أصبح التهكم على الرموز الدينية المسيحية في الولايات المتحدة نوعاً من المواجهة مضمونة العواقب·

جونا جولدبورج
كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا