الاتحاد

تقارير

القدس··· واقع استيطاني يتجدد

القدس··· واقع استيطاني يتجدد

القدس··· واقع استيطاني يتجدد

يبدو أن تأجيل البت في ''مسألة القدس''، وإرجاءها للمرحلة النهائية أدى إلى تعزيز وتكريس الاحتلال لسياساته الهادفة إلى تهويد المدينة والسيطرة على جميع جوانب حياة المواطنين الفلسطينيين فيها، كما أدى إلى شعور المقدسيين بالإهمال، وعدم تدخل السلطة الفلسطينية لحمايتهم، فيما تصاعدت وتيرة الإجراءات الإسرائيلية من ضرائب واستيطان·· الخ، عبر بلدية القدس ووزارات الداخلية والمالية والإسكان والبنية التحتية وغيرها، حرمت المقدسيين من استعمال 86 بالمائة من أراضيهم، والتي أصبحت وكأنها ملكٌ لبلدية الاحتلال بعد الضرائب العالية والمتعددة، في وقت انخفض فيه الدخل انخفاضاً شديداً وضعف القطاع التجاري وشلت السياحة وأنهك القطاع الصناعي جراء سياسة الضم الاقتصادي الإسرائيلي للمدينة وإغلاق أبواب التصدير والاستيراد للمقدسيين· وزاد من الإرباك ترافق كل ذلك، مع تشديد الحصار على المدينة من خلال الحواجز العسكرية على مداخل المدينة، فأغلقها تمهيداً لإحكام الخناق عليها بفصلها عن الضفة الغربية جغرافياً وبشرياً، واليوم يكتمل العزل والفصل للمدينة بانتهاء سور الفصل والتوسع العنصري الذي يعزل أكثر من 100 ألف فلسطيني ممن يحملون هوية الاحتلال في القدس عن مدينتهم، وعزل أكثر من 150 ألفا عن امتدادهم وتواصلهم مع شعبهم، ويهمش القدس ومكانتها كمركز اقتصادي واصل بين شمال الضفة وجنوبها والمجمع الصحي الذي تتمركز فيه 50 بالمائة من المؤسسات الصحية والطبية (5 مستشفيات منها 3 تخصصية)، ويهمش القدس كمركز ثقافي ويفقدها المئات من الكوادر البشرية والتعليمية والطبية والمؤسساتية، ويهدد بحرمان الكثير من المدارس من كوادرها التعليمية والمستشفيات من كوادرها الطبية والفنية والمؤسسات الأخرى من عامليها·
فمنذ اللحظات الأولى لاحتلال القدس، بدأت خطوات تهويد المدينة على مدى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فوضعت البرامج الاستراتيجية والتكتيكية المختلفة لبلوغ الهدف، فبعد الإعلان عن توسيع حدود بلدية القدس عام ،1967 وطبقاً للسياسة الإسرائيلية للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقل عدد ممكن من السكان العرب قام ''رحبعام زئيفي'' -الحاكم العسكري للقدس- بعد الحرب بالتنسيق مع موشي ديان وزير الدفاع في حينه، بترسيم حدود البلدية لتضم أراضي 28 قرية وبلدة عربية، وإخراج جميع التجمعات السكانية العربية لتأخذ هذه الحدود وضعاً غريبا· وشرعت الجرافات الإسرائيلية في رسم معالم تهويد القدس وفرض سياسة الأمر الواقع وخلق ظروف جيوسياسية يصعب على السياسي أو الجغرافي إعادة تقسيمها مرة أخرى، فبدأت بوضع الأساسات لبناء المستوطنات اليهودية بالقدس الشرقية، وأحاطت القدس من جميع الجهات وملأتها بالمستوطنين لتخلق واقعاً جغرافياً وسكانياً بغية إحداث خلخلة سكانية، تحقيقاً لما أوصت به اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون القدس عام 1973 برئاسة ''جولدا مئير'' بأن يكون السكان العرب من المجموع العام للسكان 22 بالمائة، فبعد أن كان السكان الفلسطينيون يشكلون أغلبية عام ،1967 ويسيطرون على 100 بالمائة من الأراضي أصبحوا أقلية عام ،1995 ويسيطرون على 14 بالمائة من الأراضي بعد عمليات المصادرة التي طالت ما نسبته 35 بالمائة من مساحة القدس الشرقية·
واستخدمت سلطات الاحتلال أساليب جديدة في تهويد المدينة عبر قانون التنظيم والتخطيط، وقد انبثقت عن هذه السياسة مجموعة من الخطوات الإدارية والقانونية في مجال التنظيم والتخطيط، فبدأت قوانين التقنين وإجراءات التراخيص تأخذ مشاهد من الإعجاز، وارتفاع التكاليف، مما أدى إلى تحويل ما يزيد عن 40 بالمائة من مساحة القدس إلى مناطق خضراء يمنع البناء العربي عليها، وتستخدم كاحتياط لبناء المستعمرات المستقبلية كما حدث لجبل ''أبو غنيم''، كما أدت هذه السياسة إلى هجرة سكانية كبيرة من مدينة القدس إلى الأحياء المحيطة بالمدينة بسبب سهولة البناء وقلة التكاليف، كذلك انبثق عن هذه السياسة تقليص كبير للاستثمار وفي البنى التحتية والقطاع السكاني المتعلق بالفلسطينيين؛ وعلى الرغم من أن فلسطينيي القدس الشرقية يدفعون نفس الضرائب التي يدفعها الإسرائيليون إلا أن 5 بالمائة من هذه الضرائب تستثمر في القدس الشرقية، مما أدى إلى وجود فجوة في البنية التحتية، وتحولت القدس الشرقية إلى مدينة سيئة البنية التحتية مقارنة بالقدس الغربية، وقدمت اللجان المحلية للتخطيط واللجان اللوائية اقتراحات في سبيل تحسين الوضع السكني للسكان أو تطوير هذه البنية لكن سياسة البلدية اقتصرت على الخدمات اليومية، وبعد أن تمت محاصرة القدس العربية من جميع الجهات بالمستعمرات وإقامة الوحدات السكنية اليهودية بدأت مرحلة أخرى من التهويد هي ضرب العصب الاقتصادي الفلسطيني، وذلك بالإعلان عن مخططات جديدة هدفها تقييد النشاط التجاري والصناعي بالمدينة، حيث شرعت البلدية بإحداث تغييرات جذرية على المنطقة التجارية وتحويل مركز المدينة إلى ''سوق اشباح''·
يذكر إن العام ،1993 شهد بدء مرحلة أخرى من مراحل التهويد ورسم الحدود، أطلق عليه مشروع ''القدس الكبرى''، وتشمل أراضي تبلغ مساحتها 600 كم2 أو ما يعادل 10 بالمائة من مساحة الضفة الغربية، لتبدأ حلقة أخرى من إقامة مستعمرات خارج حدود البلدية كان هدفها هو التواصل الإقليمي والجغرافي بين المستعمرات في الضفة الغربية وخارج حدود البلدية، بالإضافة إلى إنشاء شبكة من الطرق بين المستعمرات، وأصبحت خريطة الحكومة الإسرائيلية للاستيطان في منطقة القدس تشمل مستوطنات (غوش عتصيون، افرات، معاليه ادوميم، جبعات زئيف)، ويجري فيها البناء الاستيطاني ''بطاقة كاملة''، يشار إلى أن ''شارون'' قد سبق له وأكد، إبان ترأسه الحكومة الإسرائيلية: ''أن الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية ستبقى في أيدي إسرائيل وستحاط بالجدار''، ويهدف ذلك الى، الحفاظ على طريق حرة للمستوطنين، وتعزيز مكانة القدس الخاصة وإسنادها كعاصمة أبدية لإسرائيل، وخلق تواصل واضح للمسنوطنين اليهود، والحيلولة قدر الامكان، دون وجود جيوب سكانية فلسطينية متداخلة، وتقليص الاحتكاك مع الفلسطينيين، بالإضافة إلى وصل مستوطنات معاليه ادوميم، جبعات زئيف، غوش عتصيون، بيتار بمدينة القدس، عن طريق ممرات (أنفاق) وإيجاد تواصل بين المستوطنين اليهود داخل حدود بلدية القدس·
شملت التوسعات الاستيطانية ''ريخس شعفاط'' (رامات شلومو) تقع هذه المستعمرة على أراض صودرت عام ،1970 بموجب قانون (الاستملاك للمصلحة العامة) وقد بلغت مساحة المستعمرة حسب المخطط الهيكلي عام 1973 (1198) دونما، في البداية كانت المنطقة محمية طبيعية، وفي عام 1990 أعلن عن إقامة هذه المستعمرة واقتلعت الأشجار وأنشئت البنية التحتية لإقامة (2165) وحدة سكنية استيطانية لليهود المتدينين الكنديين، وشرع في العام 2007 بوصل المستعمرة بالمستعمرات الواقعة إلى الشمال الشرقي ليوصل بين المستعمرات الشرقية والغربية، وجرت المصادقة على توسيعها ضمن إطار إحداث تغيير ديموجرافي لصالح المستوطنين· وكذلك كان حال مستعمرة (جبل أبو غنيم)، ففي عام 1990 تم استملاك (1850) دونما من أراضي القرى العربية (صور باهر، أم طوبا، بيت ساحور)، ونص المخطط الهيكلي على إقامة (6500) وحدة سكنية استيطانية· فإنشاء المستعمرة في المنطقة الجنوبية الشرقية، وبعد أن يتم وصلها بالمستعمرات الجنوبية الغربية تكون قد أغلقت جنوب القدس، ووضعت الشارع الواصل بين مدينة القدس وبيت لحم تحت السيطرة الإسرائيلية، ويعد هذا البناء وغيره من مشاريع تحت التنفيذ جزءا من مخطط كبير لبناء (17) ألف وحدة استيطانية كمرحلة نهائية، أما في مستوطنة ''جبعات ياعل'' وضمن مخطط التطوير الاستيطاني في مدينة القدس لعام (2020) من أجل إحداث تغييرات ديموجرافية، قامت الحكومة الاسرائيلية بمصادرة (2000) دونم من أراضي قرية ''الولجة'' لإقامة هذه المستوطنة، وحسب المخطط ستقام (13) ألف وحدة استيطانية لتستوعب (55) ألف مستوطن، وسيخلق هذا المشروع تواصلاً استيطانياً بين القدس وغوش عتصيون، في حين كان المشروع الإستيطاني (أي 1) -الذي تم الإعلان عنه عام (1994) على مساحة تبلغ (12443) دونماً من أراضي الطور وعناتا والعيزرية وأبوديس- هدف إلى -إقامة منطقة صناعية على مساحة 2كم، وإقامة 3500 وحدة سكنية، وخمسة فنادق، ويعتبر هذا المشروع من أخطر المشاريع الاستيطانية، حيث سيغلق القدس بشكل كامل، من جهة الشرق، ويربط جميع المستوطنات الواقعة في المنطقة الشرقية، وخارج حدود بلدية القدس، مع مستوطنات داخل حدود البلدية، كما سيعزل العشرات من القرى الفلسطينية، ويحكم الحصار عليها بالمستوطنات، وسيسارع إلى إقامة ''القدس الكبرى'' وفق المفهوم الإسرائيلي، التي تبلغ مساحتها (600) كيلومتر مربع، وسيربط هذا المخطط مع مشروع قيد التنفيذ ويطلق عليه اسم ''البوابة الشرقية''·

عبدالرحيم حسين- رام الله

اقرأ أيضا