الاتحاد

فكر

بين الفلسفة والعلم (1)

إن العلاقة بين العلم والفلسفة ليست علاقة خصومة، فالخصومة أبعد ما يتصف بها المجال الفلسفي والمجال العلمي، ذلك أن النقد وممارسته كأساس لمنهج الفيلسوف لا يتعارضان مع منهج العالم في تحققه من الأسباب والعوامل المؤثرة لحدوث ظاهرة بعينها، فالعالم لا يسلم جدلاً، بل يمحص الفرض بمحك التجربة والملاحظة والفيلسوف كذلك يتشكّك في الأفكار المسبقة والتسليمات ويتأملها منطقياً بمحك العقل والاستدلال، فليس هناك تنافر أو تباعد عن حياة الفيلسوف وعن موضوعية العالم ووضوح فكرته، لذلك فإن الفلسفة صدى للأفكار العلمية المعاصرة لها، فكل تحول أو نشأة يعرضها الفكر العلمي، تكون لها آثارها على الفكر العلمي المعاصر لها، فيتأثر بالتحولات العلمية المرافقة له، لذلك يريد الفكر الفلسفي إعادة النظر في أسسه بإدخال نتائج العلم واحتوائها من طرف بنية المذهب الفلسفي، لذلك تصبح قضايا العلم هي نفسها التي تثيرها الفلسفة، لكنها إثارة لا يكون الهدف منها البحث العلمي فحسب، بل معالجتها من منظور النسق الفلسفي·
من ثوابت تاريخ الفلسفة، محاولة احتواء العلوم داخل الأنساق الفلسفية بصيغ مختلفة وهي عملية تنتهي دوماً لا إلى انتصار العلم، بل إلى تكريس الفلسفة كمعرفة وحيدة جديرة بأن تكون هي المعرفة على الإطلاق، وترشيح الفيلسوف ''عالما'' جديراً بأن يكون هو العالم، ولا ينبغي هنا أن نغفل عن إرادة الهيمنة على العلم ليست إرادة صرفاً أو خالصة، بل هي إرادة تعكس حضور عاملين آخرين يفعلان فعلهما في النسق الفلسفي، إلى جانب الجانب العلمي، فالفلسفة ليست صدى للعلم والأفكار العلمية المعاصرة لها فحسب، بل هي إلى جانب ذلك صدى لنفسها ولقضاياها ولتاريخها، كما أنها صدى للواقع والظرف الاجتماعي وللحظة التاريخية التي يعيشها الفيلسوف·
وكذلك ليست الفلسفة وحدها التي تتلقى تأثير العلم المعاصر لها، بل العلماء أيضاً ومن أجل فهم ممارستهم العلمية والتفكير فيها يلجأون إلى الفلسفة، سواء تلك التي يعاصرونها أم الفلسفات القديمة، وذلك من خلال طرح أفكار عامة حول العلم وطبيعة المعرفة العلمية، محاولين في ذلك البحث في تاريخ الفلسفة عن الأفكار التي تتشابه مع نظرياتهم فيعدونها فلسفة توافق العلم، وكذلك طرح أفكار تلتقي وبعض الأفكار الموجودة في الفلسفة، وبذلك يتحولون إلى فلاسفة بوعي أو بدون وعي منهم·
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما مهمة الفلسفة؟، وما مهمة العلم؟·
إن مهمة الفلسفة هي أن ترد كل ما عساه أن يقع لنا في خبراتنا إلى أصوله الصورية المجردة، التي لولاها لما أمكن لتلك الخبرات أن تقع على النحو الذي تقع به، أعني أن مهمة الفيلسوف هي أن يقيم الإطار المنطقي العقلي الصرف والذي في حدوده يحدث ما يحدث لنا من أفكار عن أنفسنا وعن العالم الذي يحيط بنا، وهي نفسها المهمة التي يؤديها العلم، ولو ان الفلسفة يمكن أن تؤديها على مستوى أعلى في درجة التعميم والتجريد·

سدير طارق علي

اقرأ أيضا