الاتحاد

دنيا

الوفاء بالعهد والبر بالوعد

إذا أبرم المسلم عقدا يجب أن يحترمه، واذا أعطى عهدا فعليه أن يلتزم به، ومن الايمان أن يكون المرء عند كلمته التي قالها، فيعرف بين الناس بأن كلمته موثق غليظ، لا خوف من نقضها·
وحول خلق الوفاء يقول الدكتور أحمد محمود كريمة -أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: لابد من الوفاء بالعهد ، كما ان اليمين لابد من البر بها، وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: ''من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير''·
والعهود التي يرتبط بها المسلم درجات فأعلاها مكانة، واقدسها ذماما، العهد الاعظم، الذي بين العبد ورب العالمين: ''ألم أعهد إليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين· وان اعبدوني هذا صراط مستقيم''·
ووفاء الإنسان بالعهد اساس كرامته في الدنيا وسعادته في الاخرة· ومن سوء الظن بالله ان توفي له ثم تتوقع الشر منه· قال تعالى: ''اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وافوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون''·
ويوضح الدكتور أحمد كريمة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان وهو يدعو الناس الى الإسلام يبايع الوفود المقبلة عليه بتعاليم يتخيرها من بين التعاليم الكثيرة التي حفل بها الدين على حسب ما يرى من طاقتهم النفسية والعقلية·
وقد بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الانصار على ان يجندوا أنفسهم واموالهم لحماية دعوته، وحراسة رسالته، حتى يستطيع ابلاغها للعرب ومن ورائهم·
والعهد الذي قطعه الانصار على انفسهم يعد ألمع المواثيق في تاريخ العقائد وأدلها على التجرد لله، والفناء في الحق، وقد تم في ليلة من موسم الحج، وعاد الناس بعدها يعالجون شؤونهم المختلفة، غير ان تبعات هذا العهد لزمت اصحابه، فقبلوها عن سماحة وطواعية، وقدموا دماءهم في معركة ''بدر'' وما اعقبها من معارك بين الإسلام والوثنية·
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الازمات الشديدة يعتمد على هذه المواثيق والعهود لنصرة الدين واعلاء كلمة الله، فلما انكشف المسلمون في الجولة الاولى من معركة ''حنين'' اهمل رسول الله عليه السلام الجموع الكثيرة التي دخلت في الإسلام وصاح بالأوفياء الذين بايعوه في العقبة ليلة الموسم لينقذوا الموقف·
روى ان رجلا من أهل المدينة يدعى ثعلبة اتى مجلسا من مجالس الانصار فاشهدهم: ''لئن آتاني الله من فضله اتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدقت منه ووصلت القرابة، فمات ابن عم له، فورث منه مالا· فلم يف بشيء مما عاهد عليه، فنزل قول الله تعالى: ''ومنهم من عاهد الله لئن اتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين· فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون· فاعقبهم نفاقا في قلوبهم الى يوم يلقونه بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون· ألم يعلموا ان الله يعلم سرهم ونجواهم وان الله علام الغيوب التوبة الآيات 78-·75
والإسلام يوصي باحترام العقود، التي تسجل فيها الالتزامات وغيرها، ويأمر بانفاذ الشروط التي تتضمنها وفي الحديث: ''المسلمون عند شروطهم''· وانتشار الثقة في ميدان التجارة وفي شتى المعاملات الاقتصادية اساسه افتراض الوفاء بأي تعهد، ويجب ان تكون الشروط المكتوبة، متفقة مع حدود الشريعة وإلا فلا حرمة لها، ولا يكلف المسلم بالوفاء بها·
وقد منح الإسلام عقد الزواج مزيدا من الرعاية فقال رسول الله -عليه الصلاة والسلام: ''ان أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج''· ومن ثم فليس يجوز لرجل تزوج امرأة، ان يأخذ درهما من حقها، أو يستخف بالرباط الذي جمعه بها·
وفي الحديث: ''أيما رجل تزوج امرأة، على ما قل من المهر أو كثر، ليس في نفسه ان يؤدي اليها حقها، خدعها، فمات ولم يؤد إليها حقها لقي الله يوم القيامة وهو زان· وايما رجل استدان دينارا لا يريد ان يؤدي الى صاحبه حقه· خدعه حتى اخذ ماله، فمات ولم يؤد اليه دينه، لقي الله وهو سارق''·
وقد تتابعت آيات القرآن تحض على الوفاء وتخوف من الغدر: ''وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا''· وقال تعالى: ''وأوفوا بعهد الله اذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون''· النحل الآية·91
وقد بين الله عز وجل ان الغدر ينزع الثقة، ويثير الفوضى، ويمزق الاواصر ويرد الاقوياء ضعافا فقال: ''ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون'' النحل الآية ·92
ومن الشؤون التي اهتم الإسلام بها ونوه بقيمة الوفاء فيها، الديون فان سدادها من اهم الحقوق عند الله، واول ما شرعه الإسلام في هذا ان حرم الاستدانة إلا للحاجة الضرورية·
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ''يدعو الله بصاحب الدين يوم القيامة ، حتى يوقف بين يديه، فيقال: يا ابن ادم، فيم اخذت هذا الدين· وفيم ضيعت حقوق الناس· فيقول: يا رب انك تعلم اني اخذته فلم آكل، ولم أشرب، ولم ألبس، ولم اضيع، ولكن أتى علي اما حرق، واما سرق، واما وضيعه· فيقول الله: صدق عبدي، انا احق من قضي عنك، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه، فيرجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضله ورحمته''·

اقرأ أيضا