الاتحاد

تقارير

إحياء الصناعة: خطة ترامب والطريق المسدود

لا شك في أن تعهد «بيتر نافارو»، المستشار الاقتصادي للرئيس دونالد ترامب، باستعادة التفوق الصناعي الأميركي، لم يكن مفاجئاً، خصوصاً إذا تذكرنا أن حملة ترامب الانتخابية، قد ركزت كثيراً على الوعد الخاص بالعودة إلى الاقتصاد الصناعي، الذي كان سائداً في منتصف القرن العشرين، والذي كانت تهيمن عليه الولايات المتحدة، قبل أن تأتي دول مثل الصين، وتحل محلها كورشة للعالم.
ولكن هذه المحاولة لن تنجح، على الأرجح؛ لأن التغيرات في التركيبة الصناعية، وفي التقنية ذاتها، تعني أنه ليست ثمة إمكانية للعودة لنمط اقتصاد الأمس. ولفهم سبب ذلك، يمكن قراءة كتاب «الجغرافيا الجديدة للوظائف» الذي كتبه «إنريكو موريتي» أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا- بيركلي، وهو ربما يعتبر أهم كتب الاقتصاد شعبية في هذا العقد.
ويبين «موريتي» في كتابه أن هناك أميركيتين في الواقع: الأولى، معافاة، وغنية، وتنمو باستمرار. أما الثانية، فهي تتأخر باستمرار عن الآخرين. والأمتان، داخل أمة واحدة، منقسمتان ليس على أساس المنطقة، أو العنصر، أو الدين، وإنما على أساس نمط الصناعات التي تدعمها كل منهما. فالمدن والبلدات التي تعتبر مقراً للصناعات الابتكارية، مثل تقنية المعلومات، والصناعات الدوائية، والتصنيع المتطور، وما إلى ذلك، عادة ما تكون أكثر ازدهاراً، وأكثر ثراء، وبالتالي أكثر أماناً.
ويشرح «موريتي» أيضاً من خلال الرسوم البيانية، أن المدن التي كانت تتمتع بمؤشرات اجتماعية أفضل -توقعات حياة أطول، ومعدلات طلاق أقل، ومشاركة انتخابية أكبر في عقد الثمانينيات- قد تمكنت من تأكيد تفوقها منذ ذلك الحين كمراكز للابتكار. وأما الأماكن التي تخلفت عن الركب، فهي تلك التي كانت تفتقر إلى رأس مال بشري مرتفع التأهيل.
وما سبب هذا الاختلاف؟ السبب كما يشرحه «موريتي» أيضاً، يكمن فيما يطلق عليه الاقتصاديون «المضاعفات المحلية» Local Mulitplier، بمعنى أن الأميركيين الذين يشغلون وظائف ابتكارية مرتفعة الأجر -كمهندسي البرمجيات، ومديري شركات الأدوية وغيرهم- يتسوقون محلياً، أي أنهم يدفعون للأطباء لعلاج مشكلات رُكبهم، ويدفعون لمعلمي «اليوجا»، والمدربين الشخصيين، واختصاصيي التغذية أيضاً.. وهم كذلك يتسوقون من المتاجر المحلية، ويأكلون في المطاعم المحلية. بمعنى أن كل دولار تجذبه صناعة الابتكار من الخارج، ينفق داخل البلدة والمدينة أنفسهما.
والتصنيع التقليدي على النمط الذي كان سائداً من قبل، يخلق مضاعفات محلية بدوره. ولكن نوع الصناعات التي اعتادت الولايات المتحدة التخصص فيها مثل النسيج، والحديد والصلب، والسيارات، تقدم عدداً أقل بكثير من المضاعفات المحلية، مقارنة بالصناعات الابتكارية التي تحولت البلاد إليها في الوقت الراهن. ومن المهم هنا تأكيد أن الولايات المتحدة لم تخسر أمام الصين، وأن كل ما حدث هو أنها انتقلت إلى صناعات أكثر إنتاجية. وإذا ما عادت البلاد إلى نوع الصناعات ذات المضاعفات المحلية الأقل، التي خلفتها وراءها في الثمانينيات، فستغدو أكثر فقراً نتيجة ذلك.
وعام 1955، كتب «ويليام إف باكلي» في مجلة «ناشيونال ريفيو»، يقول إن وظيفة التيار المحافظ هي «الوقوف بشكل موارب أمام التاريخ، وأمرُه بالوقوف». ولكن إذا حاول ترامب وفريقه أن يوقفوا التاريخ الاقتصادي، فإن النتيجة لن تكون طيبة. لأن التاريخ الاقتصادي، باختصار ليس قصة تقدم، وإثراء فحسب، وإنما هو أيضاً قصة مشروعات، ومناطق قادرة على إنجاز التغييرات الصعبة التي تحتاج إليها، من أجل البقاء والازدهار. ومن هنا، فإن محاولة إعادة الولايات المتحدة إلى عصر المصانع ذات المداخن والماكينات الثقيلة لن يساعد أحداً.
ولكن طالما أن العودة إلى عصر التصنيع الشامل، ليست هي الحل، فما هو الحل إذن؟ عندما لا تستطيع العودة للخلف، فليس أمامك سوى السير إلى الأمام. بمعنى أن ما هو مطلوب من الولايات المتحدة، الآن، هو جعل اقتصاد الابتكار يعمل بشكل أفضل.
ومن ضمن الحلول التي يقترحها «موريتي»، العمل على مساعدة أعداد أكبر من الناس للانتقال إلى المدن، التي تمثل محاور للصناعات الابتكارية. فخلق كثافة سكانية أكبر في هذه المدن، سيساعد العاملين في مجال الخدمات، والموظفين منخفضي الأجور، الذين يؤدون بشكل أفضل فيها، حتى بعد أخذ تكاليف المعيشة المرتفعة في الحسبان. وانتقال أعداد أكبر من السكان من المدن الراكدة، سيؤدي إلى انخفاض نفقات الإيجار في هذه المدن، كما سيجعل المنافسة في الوظائف فيها أقل حدة.
ومن الأفكار الأخرى، فكرة التركيز على الاستثمارات الحكومية، في مجال رأس المال البشري، وهو ما يعني توسيع الجامعات القائمة، وتحسين إمكاناتها البحثية، وخلق صلات بين الجامعات، والمشروعات المحلية. وهذه الإجراءات لن تحول كل مدينة في الولايات المتحدة إلى وادي سيليكون، ولكنها ستساعد المزيد من الاقتصادات المحلية، وستسمح لأميركا بالمحافظة على تفوقها في الصناعات الابتكارية مرتفعة القيمة.
وعلى فريق ترامب قراءة كتاب «موريتي». أما مجرد كتابة تغريدات غاضبة من الشركات التي تفتح مصانع في المكسيك، فلن يوفر وظائف للعمال الأميركيين، ولكن توسيع الجامعات، وزيادة الكثافة السكانية في المدن، هما اللذان سيؤديان الغرض المطلوب. وإذا لم يكن ترامب وفريقه قادرين على عمل ذلك، فإن الديمقراطيين يجب أن يجعلوها ركيزة من ركائز استراتيجيتهم الاقتصادية.
وخلاصة القول: ليست هناك إمكانية لعودة الاقتصاد الأميركي إلى الوراء، وإنما هناك فقط إمكانية وحيدة للتحرك نحو الأمام.. إلى مسافة أبعد في عصر الابتكار.

* أستاذ المالية المساعد بجامعة ستوني بروك
ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا