صحيفة الاتحاد

تقارير

قنابل «ستيف بانون»

كما هو الحال مع كثيرين غيري، كنت أحاول فهم «ستيفين بانون»، كبير الاستراتيجيين والقوة الموجهة وراء الفوضى التي تتميز بها رئاسة دونالد ترامب الغريبة. وقد وُصف «بانون» بأنه العنصر السياسي الفعال الأكثر خطورة في أميركا، وثاني أقوى رجل في العالم، والمناور الأكبر. وقيل إنه يقارن نفسه بفلاديمير لينين، الزعيم السوفييتي، ليس من حيث سياسته، ولكن من حيث هدفه فيما يتعلق بنسف الدولة. وفي مقابلة نادرة في الخريف الماضي، أشار بانون إلى بعض نماذج القدوة في رأيه. وقال لمجلة «هوليوود ريبورتر»: إن «الظلام جيد». وأضاف «ديك تشيني، دارك فيدر، الشيطان. هذا نفوذ». وبالتأكيد لا يمكنك اتهامه بالافتقار إلى الطموح، ولكنني أعتقد أنه قد استشهد بهذه القائمة من الأشرار للتخلص من الناس، بمعنى من المعاني. وفي نفس المقابلة، أشار إلى مقارنة أخرى أكثر دقة: «أنا توماس كرومويل في محكمة تيودورس».
ومن المعروف جيداً أن ترامب لا يقرأ، إنه يشاهد قناة «فوكس نيوز»، ثم يطلق تغريدات غير دقيقة عن أمر لا يستطيع التعامل معه. ولكن بانون، على الجانب الآخر، قارئ نهم للفلسفة والنظريات واللحظات المفصلية في التاريخ. لقد كان «كرومويل»، الذي غير مجرى الأحداث في العالم الغربي بطرق لا تزال ملموسة حتى اليوم، هو ستيف بانون في ملابس تيودور المبهرجة!
بالنسبة للإيرلنديين، ما زال اسم كرومويل يسبب الرعب، فهو الاسم الذي ارتبط بالإرهاب والذبح في إيرلندا. ولكن هذا كان أوليفر كرومويل، أحد الأقارب البعيدين. إن قراء روايات «هيلاري مانتيل» الرجعية، ومشاهدي مسلسل «بي بي سي» الذي يستند إلى رواية لها، يعرفون توماس كرومويل، باعتباره الوزير الوقور الذكي في بلاط الملك هنري الثامن، من 1532- 1540. أما كرومويل الحقيقي، فقد كان متآمراً ماكراً استطاع أن يمزق النظام القديم في خدمة ملك منغمس في الملذات وقاتل لزوجته والذي فرض ديناً انفصالياً على رعاياه.
أم أنه كان يخدم احتياجاته الخاصة، من خلال خطة شاملة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه بشأن بانون. وكما هو الحال مع كرومويل، فإن بانون ذكي وماكر، ومملوء بالتناقضات. إنه يبدو أحد مواليد خمسينيات القرن العشرين الكاره لنفسه، وعضو كلية هارفارد للأعمال، ونخبة جولدمان- ساكس ومخرج هوليوود وصحفي. ومن أفلامه عن سارة بالين، حتى إدارته لموقع «بريتبارت» الصحفي، تعلم أن يكون داعية جداً، وهو الدور الذي خدمه أيضاً في البيت الأبيض.
لقد كان الملك هنري يحمل ملامح الشخصية الترامبية (نسبة إلى دونالد ترامب) - متجبر، مختال، متفجر، وساحر وسيم في شبابه. وكما تزوج هنري ست مرات، وتم إعدام اثنتين من زوجاته، كذلك تزوج بانون وترامب ست مرات.
وكان كرومويل معروفاً بأمرين. أولًا، لقد ساعد على التخطيط لفسخ عقد زواج الملك من زوجته «كاثرين أراجون»، حتى يتسنى للملك الزواج من عشيقته. وعندما لم تمنحه الكنيسة الكاثوليكية الطلاق، أعلن هنري نفسه الرئيس الأعلى لكنيسة إنجلترا المنشقة.
أما المبادرة الثانية التي قام بها كرومويل، فهي ضمان أن الكنيسة التي أسسها مجرم معتاد الإجرام ستمحي النظام القديم. لقد كان مسؤولاً عن تدمير الأديرة والتجاويف المليئة بالآثار في الكاتدرائية، ونقل الثروة إلى التاج. كما قتل الرهبان والراهبات الذين رفضوا حلف اليمين للملك هنري. وتعد الأنقاض الجميلة التي يصعب نسيانها لدير البينديكتين في كانتربري، التي أسست عام 598، من النتائج غير المباشرة لأفعال كرومويل. والدور الحالي لملك بريطانيا كرئيس لكنيسة إنجلترا يعد إرثاً آخر يرجع تاريخه إلى الملك هنري.
وبالنسبة لبانون، فهو قريب من الكاثوليك المحافظين الذين لا يحبون النزعة التقدمية للبابا فرانسيس، بل يفضلون صِدام الحضارات ضد الإسلام، بدلاً من نهج البابا المتفتح.
إن تغيير روما سيكون مهمة صعبة. ولكن في أماكن أخرى، كان بانون مشغولاً بمحاولة تدمير النظام القائم. وهجمات ترامب على الصحافة الحرة، والقضاء المستقل والمجتمع المدني، ما هي إلا تشويشات بإيحاء من بانون. وادعاء ترامب الذي لا أساس له بأن الرئيس أوباما قد أمر بالتنصت على برج ترامب لا يخلو أيضاً من لمسات بانون.
وباعتباره كبير الاستراتيجيين، تعهد بانون مؤخراً بالعمل يومياً على «تفكيك الدولة الإدارية». ويعد هذا عملاً من أعمال كرومويل، الذي يهدف إلى قلب ليس فقط العمل التقليدي للحكومة الفيدرالية، بل أيضاً النظام الدولي الحالي للمعاهدات والاتفاقيات التجارية والتحالفات التي أبقت العالم آمناً نسبياً منذ الحرب العالمية الثانية. إن حكومة ترامب مكدسة بالأشخاص الذين يتمثل هدفهم في تحييد الوكالات التي يرأسونها.
ولكن قبل أن يصبح شرهاً بفعل السلطة، يجب أن يتذكر بانون ما حدث للنسخة المطابقة له في التاريخ. لقد انقلب هنري عليه. وتم إعدام توماس كرومويل عام 1540، من دون محاكمة، وتعليق رأسه المقطوع على جسر لندن.

* محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»