الاتحاد

تقارير

تهمة «التنميط العنصري»!

العملية الأمنية التي قامت بها الشرطة في مدينة كولونيا الألمانية مؤخراً، إنما سعت من خلالها إلى تفادي تكرار سيناريو العام الماضي، عندما شن مشتبه فيهم، من بينهم طالبو لجوء، موجة اعتداءات جنسية ليلة رأس السنة. فخلال عطلة نهاية الأسبوع، قامت السلطات باستجواب مئات الرجال الذين يشار إليهم باسم «نافريز» -وهو اختصار لـ«المنحدرين من شمال أفريقيا»- وقامت باعتقال قرابة 100 شخص منهم.
لكن هل كان ذلك عملية أمنية أم حالة من حالات التنميط العنصري الجماعي؟
بعد الهجوم القاتل الذي نفّذه تونسي بواسطة شاحنة في أحد أسواق أعياد الميلاد في برلين في التاسع عشر من ديسمبر المنصرم، باتت ألمانيا أكثر انقساماً من أي وقت مضى، بشأن الكيفية التي ينبغي التعامل بها مع مئات الآلاف من طالبي اللجوء الذين وصلوا إلى البلاد حديثاً، ومن بينهم أشخاص كثيرون من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
عمليات التمشيط الأمني في كولونيا، التي تبعد بنحو 482 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من برلين، أصبحت أحدث نقاط الخلاف؛ إذ يشيد البعض بعمل الشرطة في حين ينتقدها البعض الآخر لاستخدامها أساليب قوية جديدة.
هذا الانقسام يعكس النقاش المحتدم في ألمانيا -وعبر أوروبا كلها تقريباً- حول كيفية إحداث توازن بين قيم الخصوصية والحريات المدنية، من جهة، وبين متطلبات الحذر التي يستدعيها عهد المخاطر الحالي، من جهة ثانية. وكانت السلطات الألمانية قد أعلنت يوم الاثنين أنها قامت بعملية اعتقال جديدة مرتبطة بمحاربة الإرهاب ضمن سلسلة من العمليات المماثلة، حيث ألقت القبض على مهاجر سوري للاشتباه في سعيه للحصول على أموال من تنظيم «داعش» من أجل تنفيذ هجوم بواسطة شاحنة ملغومة.
وفي كولونيا، قامت الشرطة خلال عطلة نهاية الأسبوع بنشر الآلاف من عناصرها عبر المدينة. وأظهر شريط فيديو مجموعة كبيرة من الرجال، المنحدرين من بلدان شمال أفريقيا، وهم يقتادون من قبل الشرطة من أجل التحقيق معهم. لكن البعض وجّه انتقادات لاذعة للشرطة، جزئياً بسبب استعمالها كلمة يعتبرها البعض ذا شحنة عنصرية للإحالة إلى رجال من شمال أفريقيا.
وكانت شرطة كولونيا قد أرسلت تغريدة على «تويتر» ليلة رأس السنة جاء فيها: «إن مئات (النافريز) خضعوا للتفتيش والاستجواب في محطة القطارات الرئيسة».
وقد نددت منظمة العفو الدولية بالعملية باعتبارها «تنميطاً عنصرياً» سافراً. كما قال السياسي في حزب الخضر، سيمون بيتر، لصحيفة «رينيش بوست»: «إن أسئلة حول القانونية والتناسب تفرض نفسها عندما يخضع قرابة ألف شخص للاستجواب ويتم توقيفهم جزئياً فقط بسبب مظهرهم».
غير أن أصواتاً أكثر يبدو أنها ارتفعت للرد على انتقادات المنتقدين؛ حيث أشادت باتخاذ الشرطة إجراءات وقائية عقب أحداث العنف التي شابت احتفالات ليلة رأس السنة الجديدة العام الماضي، عندما تعرّضت أكثر من 1200 امرأة لاعتداءات جنسية في مدن مختلفة عبر ألمانيا، من بينهن أكثر من 600 امرأة في كولونيا ونحو 400 في هامبورج. هذه الاعتداءات تورط فيها أكثر من ألفي رجل. وقد تم، حتى الآن، التعرف على هويات 120 منهم على الأقل، نصفهم تقريباً مواطنون أجانب وصلوا إلى ألمانيا مؤخراً.
حكومة المستشارة أنجيلا ميركل -التي تواجه انتقادات بسبب سياسة الباب المفتوح التي تبنتها سابقاً تجاه اللاجئين- دعمت العملية الأمنية في كولونيا؛ حيث قال المتحدث باسمها، يوم الثلاثاء: «إن الحكومة تشعر بارتياح كبير لكون الاحتفالات العامة التي أقيمت بمناسبة ليلة رأس السنة الجديدة جرت بسلام بشكل عام، من دون أن تعكّر صفوها حوادث بغيضة مثل تلك التي وقعت العام الماضي».
ومن جانبه، اعتبر سيجمار جابرييل، رئيس «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» ونائب المستشارة الألمانية، أن الانتقادات التي وُجهت لعملية الشرطة غير مبرَّرة، إذ أكد أن «الأمر لا علاقة له بالعنصرية وإنما بالسلامة العامة الذكية»؛ كما دافع عن استعمال مصطلح الـ«نافريز»، حيث تساءل: «ماذا يجدر بالشرطة فعله عدا عن وقف تلك المجموعة من الرجال المنحدرين من شمال أفريقيا ومنعهم من التوجه إلى وسط مدينة كولونيا؟».
رئيس شرطة كولونيا، جورجن ماثيز، قال يوم الاثنين إن مجموعة من المشتبه فيهم خضعوا للتفتيش والاستجواب بناء على سلوك «شرس» من جانبهم وليس بناءً على مظهرهم كما قال البعض، مضيفاً القول إن عدداً كبيراً من الرجال جاؤوا فجأة إلى محطة القطارات المركزية في كولونيا ليلة رأس السنة، ما دفع السلطات إلى إرسال تعزيزات أمنية.
وفي النهاية، قامت الشرطة باعتقال 92 شخصاً -من بينهم 16 ألمانياً و10 سوريين- مساء السبت في كولونيا. «كنتُ أخشى أن يسوء الوضع فجأة»، يقول ماثيز. غير أنه يؤكد أنه يأسف لاستعمال كلمة «نافريز» في تغريدة الشرطة. «هذه الكلمة لا يفترض أن تستعمل في العلاقات العامة»، يقول قائد شرطة كولونيا، الذي يضيف أن الكلمة تُستعمل داخلياً منذ عام 2013 للإحالة إلى شبان من بلدان شمال أفريقيا «يميّزون أنفسهم منذ سنوات بميل لاستخدام العنف».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

اقرأ أيضا