الاتحاد

تقارير

«تانجوار»: أنشودة الأمل وسط اليأس

أميلي واكس ثيبوديو
المديرة السابقة لمكتب أفريقيا - واشنطن بوست


مع أغانيه العاطفية التي تحكي عن الظلم، وعمله كناشط، وولعه بالنظارات الشمسية التي تلتف حول جانبي وجهه، يعتبر لام تانجوار، الفنان السوداني الجنوبي مزيجاً بسيطاً من المغني الأيرلندي بونو ونجم جامايكا بوب مارلي.
كان تانجوار جندياً طفلاً قبل أن يصبح نجم «هيب هوب»، حيث تؤرخ أغانيه لليأس النابع من عقود من العنف التي شهدها وطنه وفي نفس الوقت عزم جنوب السودان على الولادة من جديد عندما أعلن استقلاله منذ عامين ونصف العام إثر انفصال الجنوب الذي تقطنه أغلبية مسيحية أفريقية عن الشمال الذي يضم أغلبية من المسلمين والعرب، لتنتهي بذلك أطول حرب أهليه تشهدها القارة السمراء.
وفي أغنيته «دعوة الرئيس» يحث تانجوار الشباب في جنوب السودان على احتضان الإمكانيات المتاحة في دولتهم الجديدة: «يوماً ما، قد تكون الرئيس الجديد، فلتعرض للشباب ما الذي يمثله لنا المستقبل».
وقد ألزم تانجوار نفسه تجاه العاصمة جوبا المعدمة، حيث فتح مركزاً اجتماعياً للفنانين، وأطلق مسابقة للموهوبين على طراز «أميركان ايدول»، وقد روج هذا العرض لفكرة أن الموهبة والجدارة والعمل الجاد هي العوامل التي يحتاجها الإنسان لبدء حياة جديدة في بلد جديد -حيث لم تعد الديانة أو العرق أو الامتيازات الموروثة هي من يحدد نجاح الإنسان أو فشله.
غير أن كل هذه المُثل انقلبت رأساً على عقب، حتى بالنسبة لليائس الآمل تانجوار. فإخوته الثلاثة قتلوا خلال الشهر الماضي أثناء العنف الذي تجدد مهدداً مستقبل جنوب السودان. ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة، فإن ما يزيد على ألف شخص قد قضوا بينما أجبر 180 ألفاً آخرون على الفرار من منازلهم. وقد أصبح تانجوار، الذي يرمز في ذهني لكل ما هو واعد في جنوب السودان، محترقاً وجدانياً سواء فيما يتعلق بخسائره الشخصية أو بسبب احتمالات تمزق بلاده. «كيف لنا أن نعود مرة أخرى؟ إننا الجيل الذي نشأ مع الاستقلال وقد ملأ الأمل قلوبنا» هذا ما قاله لي تانجوار عبر محادثة تليفونية مشوشة الأسبوع الماضي، مردفاً «لقد أصبحنا الآن محطمين نفسياً مرة أخرى. نشعر بأن الحكومة التي وثقنا بها بحق قد خانتنا».
ولن يتبدد تحطمه نفسياً بسرعة، حتى وإن أسفرت محادثات السلام الجارية في إثيوبيا عن التوصل لاتفاق بين الرئيس سلفاكير ونائبه المخلوع رياك مشار، الذي اتهمه كير بمحاولة القيام بانقلاب. وقد أثارت الخصومة بين الطرفين قتالاً على نطاق واسع بين أنصارهما، المنقسمين إلى حد كبير على أسس عرقية، حيث ينتمي كير إلى قبيلة الدينكا بينما ينتمي ماشار إلى قبيلة النوير. لقد التقيت تانجوار وابن عمه «إيمانويل جال» عندما كنت أعمل في نيروبي، وكانا من أروع الناس الذين التقيتهم هناك. وكانا يقدمان فن «الهيب هوب» متنامي الرواج في شرق أفريقيا، فكانا غالباً ما يقدمان فنهما في مخيم «كاكوما» للاجئين، الذي يضم الآلاف من «الأولاد المفقودين».
ويغني «جال» في ألبومه الذي يحمل عنوان «طفل الحرب» قائلاً «في ذهني أصوات أصدقائي الذين قتلوا، والذين فروا من بلادهم في عمر السابعة. وبعد عام كانوا يحملون مدافع إيه كي-47.... وفي الوقت الذي كان فيه سائر الأطفال الآخرين يتعلمون القراءة والكتابة، كنت أنا أتعلم كيف أقاتل».
وقد شاع فن تانجوار و«جال» في لندن وباريس. وعندما أدى «جال» فنه في الفصول بمخيم كاكوما، بكى بعض التلاميذ ،ثم تحول بكاؤهم إلى نواح بينما كانوا يستمعون الى شعره.
وعقب لقائه في نيروبي، أعطاني «جال» نسخة من ألبومه وقميصاً أصفر كتب عليه «هناك من يحبني في جنوب السودان». وقد أخبرته بأنني سأحتفظ به ضمن مجموعة من القمصان الأفريقية التي تسخر من الصراعات، وتضم قميصاً للديكتاتور التشادي وآخر من ليبيريا يحمل رسومات طفولية لبنادق وقنابل وكلمة «المحررين». وكان كلانا يعلم مدى الألم الذي تحمله هذه القمصان. ولكنها كانت دليلاً على التكيف، كما ولو كان الأشخاص الذين صنعوها يقولون: نعلم أن الأمور سيئة، ولكن كل شيء سيكون على ما يرام.
وقد حاولت التأقلم مع الحقائق المؤلمة والعسيرة من حولنا. والحقيقة هي أنني لست متأكدة كيف أصبح مفعمة بالأمل وأنا أحيا في قارة غالباً ما يبدو فيها وقف إطلاق النار وكأنه فرصة لإعادة التسلح، كما لاحظ زوجي أثناء قيامه برحلة إلى ساحل العاج لتغطية الحرب الأهلية المتقطعة هناك.
وبالتأكيد كان من الصعب في كثير من الأحيان العثور على بوادر للأمل خلال حوالي 20 رحلة قمت بها لتغطية الأحداث في السودان.
وعندما كنت أقوم بالتغطية الإخبارية لجنازة جون قرنق زعيم جنوب السودان الذي توفي في حادث طائرة، سألت إحدى السيدات إن كانوا يشعرون بالأمل بدون زعيمهم. وكن يعلمن بالمشكلات التي يواجهن: أموال النفط التي تثير حتماً الفساد والطمع في مجتمع معدم، وزعماء المتمردين المسنين الحريصين على الثراء، والسياسيون الراغبون في استغلال التوترات القبلية للحصول على السلطة.
وقد أخبرني «جال» عندما أتى إلى واشنطن لحضور افتتاح سفارة جنوب السودان هناك أن «الدولة قد تنهار إذا لم يتم تقاسم موارد النفط هناك، فلا توجد تنمية حقيقية»، كما حذر الأميركان من تعقيدات الصراع في السودان.
وقد اتهمت مجموعة من المحامين أفراد قوات الأمن في جوبا بأنهم يشنون «حملة عنف ضد المدنيين لأنهم ببساطة ينتمون إلى جماعة عرقية مختلفة». كما ترددت الإشارة أيضاً لانتشار الكسب غير المشروع على نطاق واسع، وفقاً لتيد داجن الذي كان يعمل مستشاراً لسلفاكير. وقد أوصى بإجراء تعديل وزاري أو إعادة هيكلة تهدف إلى وضع الأساس السليم للجيل القادم، إلى جانب اجتثاث الفساد وتفعيل دور الحكومة. وذكر لي أن «هناك الكثير من الناس في حكومة جنوب السودان يرغبون في رؤية بلادهم قوية ومزدهرة وموحدة، ولكن المعرقلين يهمشونهم من أجل السلطة والمال».
وعندما سألت تانجوار عما يحمل من الأمل، قال إنه على رغم كل شيء لا يزال متفائلاً بمستقبل جنوب السودان.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سرفيس»

اقرأ أيضا