الاتحاد

الملحق الثقافي

لا تصرخ بوجهي في الظلام!

ـ لا تحدق بي هكذا!·· هتفت بثينة.. أشاح بنظره عنها ولم يعد يقوى على التفكير·· لماذا تتحداه في كل شيء؟ ولماذا تغضب من كل شيء يقول وكل شيءٍ يفعل؟·· إنه يحتاج إلى دهورٍ ليفهم مغزى كلمةٍ واحدة مما تقول··
ـ اقرأ لي آخر جملة في النص!·· قالت له بحدة، شعر بالفزع وقرأ: أكون أو لا أكون·· هذا هو السؤال!
بدا عليها الامتعاض وقالت في سخرية: إن هذه الجملة وجدت خصيصاً لأمثالك! حريٌ بك أن تفكر في مغزاها! احسب الدقائق التي تمر من عمرك من دون أن تفعل فيها شيئاً، ستجدها لا تعد ولا تحصى·
شعر ''سعيد'' ـ كما يشعر عندما يكون مع بثينة دائماً ـ بأن لا قيمة له· إنها تستمر في التقليل من شأنه بمناسبة ومن دون مناسبة·· لطالما نعتته بأسوأ الصفات وهو لا يقوى على الرد عليها·· إنها محقة·· هو ضعيف، ويعلم هذا جيداً·· ضعيف البنية·· ضعيف الذاكرة·· وضعيف الشخصية·· منذ طفولته والجميع يستغلونه، إنه لا يذكر أنه قال لأحدٍ يوماً كلمة: ''لا''! فقط نعم!، أجل!، حاضر!، أمرك!·· لا! لن يكون لعبةً في يد الآخرين بعد اليوم، حتى بثينة، ليس لكونه متيّماً بها فهذا يعطيها الحق للسخرية منه وإهانته على كل شاردٍة وواردة··· عليه أن يضع حداً لهذه المهزلة·
ـ سعيد! أين ذهبت بعقلك يا فتى؟ ألا تسمعني أكلمك؟·· سألت بثينة·
رد في فزع: نعم! أعني·· آسف·· لقد سهوت قليلاً·
تأففت، وقالت بلا اهتمام: أياً يكن، لا أحتاجك الآن، اذهب إلى بيتك!
وبلا تفكير أجاب بسرعة: أمرُك!

كانت بثينة على وشك الانتهاء من محاضرتها التي تلقيها على مسامع الحاضرين حول ''نيتشه'' الفيلسوف الألماني، وبدا لسعيد من السخافة بمكان أن جميع الحاضرين يبدون مندهشين لما تقول بثينة، وكأنما هذه أول مرة يعرفون فيها أن نيتشه كان مصدر إلهام لمدارس الوجودية وما بعد الحداثة!
ما أغاظ سعيد أنه يعرف كل ما قالته بثينة، بل وأكثر، لكنه لا يستطيع الوقوف أمام جمهور تعداده بالمئات·· لا يستطيع أيضاً النظر في وجه أيٍ منهم وهو يتحدث·· لقد كانت المرة الوحيدة التي ألقى فيها محاضرة وهو بالصف الثالث الثانوي، وعلى الرغم من أنها ـ المحاضرة ـ تمحورت حول موضوعٍ بسيط وسلس، ألا وهو أهمية المحافظة على الماء، إلا أن سعيد شعر بالخوف، واستمر في التعرق والتأتأة بعد كل جملة، وفي النهاية لم يستطع التحمل أكثر، فاعتذر وانصرف راكضاً إلى دورة المياه وسط ضحكات زملائه الطلاب وسخط مدير المدرسة·
ركز سعيد نظره على بثينة، فلاحظ تلك الكاريزما التي تملكها·· إنها حتماً هي ما يشد الناس إليها ويدفعهم للاستماع لما تقول·· إنها من ذلك النوع الذي يجعلك تصدق ما يقول حتى لو كان افتراءً، كما أن تلك اللمعة القوية في عينيها تجعلك تخشى ما قد يحدث لك من مغبة عدم استماعك إليها!
كانت بثينة قد وصلت إلى قولها: وبعد أيها السادة، فمما لاشك فيه أن الفلسفة، بل والبشرية جمعاء قد ربحت ربحاً عظيماً بوجود فيلسوفٍ عظيمٍ مثل نيتشه، فمؤلفاته ألهمت الملايين، وحملت آخرين على إيجاد فلسفتهم الخاصة في···
كانت قد وصلت إلى قولها هذا عندما انقطع نور الكهرباء عن القاعة فجأة، فتعالت همهمات الحاضرين الذين تجاوزت أعمارهم سن الأربعين، وشكروا الله في سرهم أنه غير مسموح بدخول الأطفال إلى قاعات المحاضرات وإلاّ لبكى كثير منهم الآن وأحدثوا ضجة· لكنهم كانوا مخطئين، فمن رأس القاعة انبعث صراخ حاد، صراخ كادت تصم له آذانهم·· لقد كان صراخ بثينة! صرخت بشدة وكأنما التقت للتو وحشاً مهولاً مرعباً، وتحولت همهمات الحاضرين إلى تساؤلات حائرة في أعينهم، تنقلت ما بين شخصٍ وآخر، بيد أن الوحيد الذي شعر بالسرور حينها كان سعيد، وطرأ بخلايا دماغه خاطر وحيد أيضاً: إن بثينة تخاف من الظلام!
عبثاً حاول الحضور جعلها تهدأ، لكنهم استسلموا أخيراً بعد أن أدركوا أن لا سبيل لإسكاتها، وتبرع سعيد بجذبها من ذراعها والمرور بها بين الجموع المتجمهرة، في حين وصلت إلى مسامعه عبارات مثل:
ـ يا لها من مسكينة!·· لقد كانت في عز شبابها!
وأراد الضحك، في الواقع ضحك فعلاً، قبل أن يصل بـ(بثينة) إلى الخارج حيث الشارع مضاء بالأنوار، إذ كانت الساعة قد جاوزت التاسعة مساءً·
هناك هدأ روع بثينة، وصدرت منها تنهدات متقطعة، في حين نظر إليها سعيد نظرة انتصار·· تأّملته عالمةً بمعنى تلك النظرة، ولم يسرّها ما رأت·· لقد كان سعيد يتشفى فيها، وبدا الوحيد المسرور من صراخها في القاعة· شعرت بالأرض تميد تحت قدميها ولم تشعر بنفسها إلا وهي في السيارة بجوار سعيد، في العادة تتولى هي القيادة، ويجلس سعيد على الكرسي المجاور، لكن ليس اليوم· نظرت باتجاه حذائها متحاشيةً النظر نحو سعيد، الذي كان ينظر إليها من حينٍ لآخر، ولم تلاحظ انحرافه عن خط السير المعتاد الموصل إلى منزلها، حيث كان يسير في طريقٍ شبه خالٍ لم تنتبه له بثينة إلا عندما خفت سرعة السيارة، وخبت أنوار الشارع· في الظلام، نظرت أخيراً نحو سعيد بعينين فزعتين، فنظر نحوها هذا الأخير بمكر، وهتف: ماذا هناك؟
وإذ لم تجبه، صرخ مجدداً: ما بك يا عزيزتي؟ لِمَ أنت خائفة هكذا؟
ومن فورها بدأت بالبكاء والصراخ: أرجوك يا سعيد·· لا تفعل هذا ثانيةً، لا تصرخ بوجهي في الظلام!
ابتسم سعيد وقال: عندها سيكون عليك أن تفعلي ما أطلبه منك·
ردت في يأس: أجل·· أمرك·

اقرأ أيضا