الاتحاد

الملحق الثقافي

حكايات الجذور والأغصان

الشجرة حكاية الحياة

الشجرة حكاية الحياة

منذ بدء الخليقة، شكل ارتباط الإنسان بالطبيعة ظاهرة استحقت الكثير من الدراسات والأبحاث، وخرج المنظّرون من خلالها بفيض من النظريات حول علاقة الإنسان بالطبيعة، منذ أن استخدم الأحجار ليوقد ناراً يستدل بها على طريق، أو تكون وسيلة للتدفئة في برد قارس لا يُحتمل، ومنذ أن صنع الإنسان الأول المدية واستغلها لحماية حياته وبقائه، ولتصبح إحدى وسائل الدفاع عن النفس في مكان تكثر فيه الحيوانات المفترسة التي تهدد حياته على مدار الساعة·

استمد الإنسان في الخليج، وعلى الدقة في مجتمع الإمارات العربية المتحدة، الكثير من المحفّزات على الحياة، فكانت الصحراء رفيق البدوي، ومكانه الأجمل، وسميرِه الأوحد، وكانت النار عنوان الحياة، ورمزاً لاستقبال الآخر، كما كانت لبيت الشَّعر هيبته مهما تنقل به من مكان إلى آخر بفعل ظروف الطبيعة· وكما كانت الصحراء سكن البدوي، ومستقره الأثير، كان البحر معشوق ابن الساحل الذي ارتبط به ارتباطاً مباشراً ووثيقاً على الرغم من قسوته، فتحول بحاراً ماهراً، وغواصاً بارعاً، وصائداً متمرساً، وصانعاً لا يُشقّ له غبار·
حديث الأشجار
لعبت الأشجار دوراً حيوياً في حياة الإنسان، وكانت العلاقة بين الشجر والإنسان الإماراتي علاقة حب ومنفعة متبادلة، فبقدر ما كان الإنسان يهتم بشجرته كانت الشجرة تبادله العطاء بعطاء، وهنا سنحاول رصد بعض أشكال العلاقة بين ابن الإمارات والأشجار قبل ظهور النفط على الدقة·
لقد استفاد ابن الإمارات من الأشجار استفادة عظيمة، وتمتع بما تجود به الطبيعة من نعم النخيل، فالنخلة هي الأم التي لايمكن نكران عطائها، أو التغاضي عن وجودها، وما تجود به من خير عميم في الفصول جميعها، وقد كانت النخلة مصدر غذاء للإنسان وما زالت صيفاً وشتاءً في قمة عطائها، ويُعد التمر أهم وجبة غذائية تزدان بها المائدة الإماراتية لا بل والخليجية كذلك· والأمر لا يتعلق بالتمر وحده كمادة رئيسة، وإنما كل ما يتصل به من صناعات غذائية تتقنها المرأة الإماراتية، فهو يستخدم بديلاً للسكر في صناعة العديد من الوجبات، وبخاصة ما اتصل منها بالحلويات، كاللقيمات، والخِمير، والمحلاّ، والعصيدة، والبثيثه وغيرها الكثير، إذ يعتبر التمر مكونها الأساسي، الأمر الذي يضفي على الوجبات نكهة يفضلها الصغار والكبار كذلك· لقد استفاد الإنسان في مجتمع الإمارات من النخلة كثيراً فمن سعفها، وجذوعها، وخوصها صنع العديد من مستلزمات الحياة آنذاك، كالأسرة، والدعون، والمنايم، والقفف، والسلال، والمنازل، ومن عسلها استطاب له أن يتمتع بالدبس، وهو عسل التمر الذي يزيّن المائدة الإماراتية، وفيه الكثير من الفوائد الصحية إذ يمنح الجسم طاقة جيدة، ويعتبر بديلاً للسكر في صناعة الأغذية·
التمر كمادة علاجية
دخل التمر في تركيب الكثير من العلاجات والأدوية الشعبية، فقد استخدم لتجبير الكسور، وبخاصة المسمّى منه'' فرض'' إذ يمزج المعالجون سح الفرض بالملح، ويصنعون من المزيج لزقة يضعونها على العظم الذي جُبّر بطريق الخطأ فتؤدي هذه اللزقة إلى تليين العظام، ليمكن بعد ذلك تعديلها أو إعادة جبرها، وقديما قالوا ''الفرض عمود الأرض''، كناية عن قوته وصلابته، وقيمته الغذائية القيّمة·
ولم يسلم نوى التمر كذلك من اختراعات الإنسان قديماً في مجتمع الإمارات، فقد استطاع أن يستخدمه علاجاً لأمراض العيون بتحويله إلى مسحوق أسود تُكحل به العين المصابة بالرمد، فتشفى بإذن الله تعالى·
استغل الإنسان في الإمارات النخلة ومشتقاتها أفضل استغلال، حتى استفاد من جميع أجزائها، فصنع الحصر من خوص النخيل، واستخدمها بدلاً من السجاد لفرش المنازل·
كما صنع السراريد والقفف والجفران من خوص النخيل كذلك، وهذه كلها مكملات وأدوات لحفظ الأطعمة والملابس، وأدوات الزينة بالنسبة للمرأة، ولقد ذاع استخدامها في جميع البيئات، فهي مستخدمة في مجتمع الصيادين، كما هي عند أهل البادية والحضر كذلك· ومن ليف النخلة صنع شِباك الصيد، ومن جريده وجذوعه شاد المنازل القديمة، وأقام الجدران للأكواخ، كما صنع المخاريف والسّلال والمزامي، ومفردها مزماه، وفيها يجمع حصيلة اليوم من التمر فينقله من الضاحية إلى المساطيح، كما ينقل فيها كذلك الحبوب والسماد حين الحاجة بخاصة ذات الأحجام الكبيرة·
ومن مصنوعاته المكاب والمهاف، وهي أدوات لحفظ الطعام، والثانية تستخدم كمروحة يدوية للتهوية، وهي مصنوعة من ورق سعف النخيل، يضاف إلى ذلك صناعة المشاب وهي كالمراوح تستخدم للتبريد أوالتهوية كذلك، أما جذوع النخل فكانت الركيزة التي تقوم عليها المنازل·
الأشجار والزينة
يحمل التاريخ الإماراتي الكثير من العبق، ويتجاوز في ذلك حدود ذاكرة الزمان، والمكان لتتجلى من خلاله صور كثيرة لحياة الأسلاف الذين جاوزوا في تحدياتهم كل الحدود، فصبروا وتجلّدوا، اذ كان شظف العيش عنوان حياتهم، والطبيعة المصدر الرئيس للحياة، غذاء، ودواء، ومنتجات تجميل·
الحناء: شجرة الحناء هي أحد محاصيل المناطق الحارة، وتحتاج عند نموها في الصيف إلى درجتي حرارة ورطوبة عاليتين، إلا أنها تبقى في فصل الشتاء ساكنة لا تنتج، ولهذا فهي قادرة على التأقلم مع درجات الحرارة المنخفضة، أما بالنسبة لزراعتها فيفضل أن يتم ذلك في شهر إبريل أو مايو، وتختلف ظروف تكاثر هذه الشجرة من بيئة إلى أخرى· لقد توطدت العلاقة بين الإنسان واللون الأخضر، فكانت الحناء هي الأقرب له ذكراً كان أم أنثى، وقد اتخذها وسيلة للزينة وللعلاج كذلك، لأنها تُضفي على المرأة جمالاً وسحراً، وتحقق للرجل فوائد علاجية كثيرة فقد عُرف عن الحناء أنها مادة علاجية فعالة، لذا كان القدماء يخضبون أقدامهم بها قبل الخروج في رحلة الغوص، فكانت الحناء وسيلة ناجحة لمنع لمعان الأقدام التي تلفت انتباه سمك القرش في الماء، وهو يسبح جانب الغيص ولا يتحرش به الإّ أثناء تسلقه قاصداً السفينة حيث يرى رجليه فيهاجمه· كما استخدم الغاصة الحناء لحماية أيديهم من التشققات الناتجة عن شد الحبال، ويعد الحناء علاجاً للعين المجهدة من رحلات الغوص بتأثير ملوحة البحر والشمس، ويمكن أن يخلط الحناء بالقرط ويدهن به جسم الغواص كاملاً لحمايته من القروح الناتجة عن ملوحة البحر والحر الشديد والرطوبة العالية· أما نقش الحناء البسيط فكان مستمداً من الطبيعة كأن ترسم المرأة بعود ثقاب شكل سعفة النخل، أو قمراً أو نجمة أو سيفين ونخلة، أو دائرة صغيرة في وسط الكف أو دروباً ملتوية مثل درب الحية· ويأتي الكحل في المرتبة الثانية، وهو نوعان الإثمد والصّراي، ويحتل مكانة مهمة في حياة إنسان الإمارات ذكراً كان أم أنثى، فهو يسطّر في العيون آيات الجمال والاكتمال الأنثوي الفارِه، وللرجل يعتبر من أهم العلاجات لالتهاب العيون وأمراضها الأخرى·
ويصنع كحل (الصراي) أيضاً من دخان حطب الحرمل، وهي شجرة تستخدم للدواء من أمراض الحساسية والحسد أيضاً حيث يؤخذ حطب الحرمل ويحرق حتى يتجمع دخانه وعندما يتم تجميعه يضعونه في (مَلّه) وعاء، ويضيفون إليه الماء البارد حتى ينظف ثم يخفقونه مع الزبدة ويكون صالحاً للاستعمال·
السدر: شجرة السدر إحدى الأشجار المهمة في حياة إنسان الإمارات، فعلاوة على أنها مصدر غذاء ثانوي، إلا أنها تمثل علاجاً للكثير من الأمراض، وأهم استخداماتها أنها غسول مطهّر، تستخدمه المرأة بعد الولادة، إذ من عادات وطقوس الولادة في مجتمع الإمارات أن تغتسل المرأة بالسدر بعد عشرين يوماً من الولادة·

ورقة عمل مقدمة إلى ندوة ''الأشجار في الأدب الشعبي'' إدارة التراث ـ الشارقة

اقرأ أيضا