الاتحاد

الملحق الثقافي

انتحلوا أسماء إسلامية واندسوا في قوافل الحج

مسيحيون في مكة يرصد شهادات أوروبيين في البلد الحرام

مسيحيون في مكة يرصد شهادات أوروبيين في البلد الحرام

نشر كتاب ''مسيحيون في مكة'' لأول مرة في لندن عام 1908 وتمت ترجمته إلى العربية في عام 2007 وجمع مؤلفه أغسطس رالي طرفا مما كتبه أوروبيون تخفوا في زي الحجاج المسلمين من اجل استطلاع احوال المسلمين في مواسم الحج حتى القرن التاسع عشر الميلادي·
ويوضح المؤلف في مقدمة كتابه أن الهدف هو سرد مغامرات كل حاج وملاحظاته عن الناس في مكة وهذه الاشياء تتغير من عصر لآخر لكن ما لا يتغير هو طقوس الحج ومظهر المسجد العظيم ولذا وصف المؤلف هذه الاشياء في الفصول الافتتاحية ثم حذفها في حالة كل مسافر منفرد مبقيا على التجارب الشخصية المميزة لأكثر من 16 أوروبيا وفدوا الى مكة من عام 1503 إلى عام ·1894

أقدم الرحالة

وطبقا لما أورده المؤلف فإن الايطالي لودفيكو بارتيما يعد أقدم الرحالة الاوروبيين الذين قصدوا مكة لاستطلاع احوال المسلمين أثناء موسم الحج وكان ذلك عام 1503م حيث اندس وسط قافلة الحج القادمة من دمشق بوصفه من المماليك ذوي الاصول الاوروبية وكان يعرف نفسه باسم الحاج يونس المصري· ومن أهم ما ذكره بارتيما ابن مدينة روما انه زار قبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة ولم ير هذا القبر متأرجحا وسط الهواء بسبب قوة جذب حجر مغناطيسي كما كان يعتقد الاوروبيون آنذاك، واحصى هذا الإيطالي منازل مكة مؤكدا ان عددها ''ستة آلاف مبنية بصورة جيدة كبيوتنا'' ويصف الكعبة بأنها ''برج صغير وسط الساحة محاط بقماش او علق عليه قماش او انسجة حريرية مزدانة بالرسوم ويجري الدخول إلى البرج من بوابة من فضة وعلى جميع جوانبها أوعية ممتلئة بالبلسم''· ومن الطريف أن أمر هذا الإيطالي المتخفي في زي حاج مسلم، انكشف عندما بادره في مكة احد المماليك بالكلام واتهمه بأنه مسيحي لكنه انكر ذلك وألح المملوك متحدثا بالإيطالية قائلا انه زار البندقية وعندئذ اعترف بارتيما بجنسيته لكنه زعم انه مهتد للإسلام· وعند عودته إلى عدن تم القاء القبض عليه بعد ان رفض النطق بالشهادتين ثم ادعى الجنون وهو ما سهل هروبه على احدى السفن التجارية المتجهة إلى الهند وعاد منها عبر طريق رأس الرجاء الصالح إلى روما·

رحلة تجارية

اما الحاج الثاني فكان فرنسيا وهو فانسان لوبلان الذي قصد مكة في عام 1568م· وذهب إلى مكة لأغراض تجارية بالأساس مع رجل اوروبي يدعى كاسيس وشقيق الاخير كان قد اعتنق الاسلام واقام بدمشق حيث يعمل في تجارة البهار·
ويؤكد الفرنسي لوبلان ان عدد الحجاج في تلك السنة كان يتجاوز الخمسين الفا وانه رأى مكة مدينة كبيرة يبلغ حجمها ضعف مدينة مرسيليا وهي محاطة بجبال عالية كبيرة مثل الاسوار تجعل من غير الممكن الوصول إليها أو اقتحامها عسكريا· وبالنسبة له كتاجر فقد كانت مكة تبدو له ملجأ لثروات جزر الهند الشرقية حيث كان التجار يبيعون الأدوية والعطور والاحجار الكريمة في اروقة المسجد، فيما كانت القوافل تتدفق بجمالها بين مكة وجدة حاملة البضائع إلى سوريا أو مصر أو أوروبا· وبعد جوهان وايلد أول ألماني يزور مكة عام 1607م، وكان قد أسر أثناء الحرب بين الألمان والمجرمين حلفاء الاتراك العثمانيين ثم بيع كعبد لأحد ضباط الانكشارية وظل يتنقل من سيد إلى آخر طوال خمس سنوات اظهر خلالها اعتناقه للإسلام، وذهب مع سيده الفارسي إلى مكة ضمن قافلة الحج بالطريق البري عبر سيناء وقدر هذا الالماني عدد الحجاج في القافلة بعشرين الفا بصحبتهم مئة ألف بعير· وتحدث جوهان وايلد بورع ملحوظ عن موكب الذهاب إلى عرفات قائلا: ''لابد ان يكون المرء قد لاحظ الطريقة المهيبة التي يسير بها سكان مكة إلى الجبل والجمال محملة بالسجاد وكانت النساء على ظهور الجمال يغنين ابتهالات على طول الطريق وكذلك الرجال''·
اما جوزيف بيتس فقد كتب ''لست ادري ان كان هناك الآن في انجلترا انسان وطئت قدماه ارض مكة'' وذلك لكونه أول انجليزي وقعت عيناه على المدينة المقدسة، وكان ذلك في عام 1680م· وكان بيتس يعمل بحارا ووقعت سفينته في اسر قراصنة من الجزائر، واجبره سيده الجديد على اعتناق الإسلام ولكنه ظل حسب تعبيره يأكل لحم الخنزير بينهم ويراسل عائلته في انجلترا·
وقد زار مكة بصحبة سيده الثالث الذي كان يعامله بلطف وذلك ضمن قافلة الحج المصرية التي انطلقت من القاهرة عبر الصحراء إلى السويس واستقل هو وسيده سفينة إلى جدة ومنها إلى مكة· وحسبما سجل جوزيف بيتس فقد كانت هناك اربع قوافل للحج، واحدة تأتي من مصر ومعها كسوة الكعبة وقافلة تأتي عبر تركيا والاناضول ودمشق والقافلة الثالثة من جزر الهند الشرقية وفيها الكثير من الاغنياء والقافلة الاخيرة من مراكش بالبر إلى مصر وكانت القافلة الاخيرة تتوقف في كل مدينة لتجمع الحجاج وكان يتم استقبالها بهتافات الفرح وبرفع الاعلام وقرع الطبول·

جاسوس نابليون

ومن زوار مكة ''المسيحيين'' باديا إي ليبليش المولود في بيسكاي والذي يعتقد انه كان جاسوسا لنابليون بونابرت الذي كان يحلم بالعودة إلى الشرق عقب هزيمة قواته الغازية في مصر· وزار ليبليش مكة متخفيا في زي حاج مسلم واستعار لنفسه اسم ''علي بيه العباسي'' وكان الرجل الذي درس الطب والفلك وعلم المعادن على دراية طيبة باللغة العربية، ولذا تمكن من اقامة علاقات جيدة مع سلطان المغرب الذي وافق على سفره للحج في عام 1806م· وسجل باديا أول معلومات يشاهدها اوروبي عن وصول الوهابيين إلى الحجاز ولذا تعتبر كلماته ذات اهمية كبيرة·

بعد 64 عاما ما زالت حكاية مصرعها بلا حل
لغز أميرة الجبل اسمهان

حلمي النمنم

بعد 64 عاما من مصرعها اللغز، مازالت حياة المطربة أسمهان موضعا للتساؤل والبحث، وتدور حولها الكتابات وآخرها الدراسة التي أعدتها شريفة زهور وصدرت بالانجليزية وترجمت إلى العربية بعنوان ''أسرار أسمهان·· المرأة والحرب والغناء''· توفيت أسمهان مبكرا وهي في ذروة عطائها الفني ولم يقدر لها ان تعش طويلا مثل أم كلثوم أو شقيقها فريد الاطرش· ولعل هذه الوفاة المبكرة هي التي استوقفت الباحثين حتى اليوم·
المؤلفة اثناء اعدادها للكتاب زارت بيروت ودمشق والقدس والقاهرة والإسكندرية وهي الأماكن التي عاشت بينها أسمهان، حياتها القصيرة وألتقت الباحثة بشقيق أسمهان الأكبر الراحل فؤاد الأطرش، وحين قالت له الباحثة انها تسأل عن ''أسمهان'' رد عليها: تقصدين الاميرة أمال الأطرش التي رفضت عائلتها عملها بالفن وزوجتها من ابن عمها حسن الأطرش والد ابنتها كاميليا، لكنها لم تحتمل حياة الجبل في لبنان فعادت ثانية الى مصر· وهناك الكثير من الخلاف حول تفاصيل حياة أسمهان، عائلتها تصر على انها ولدت عام 1917 ولكن الكاتب الصحفي محمد التابعي في كتابه عنها يذهب الى انها من مواليد عام1913 وتوفيت في عمر 31 عاما، والمتابع لمسيرتها الفنية وأدائها يرجح رأي التابعي، ولكن الذي لا خلاف عليه هو جمال صوتها، حتى ان الكاتبة المغربية د·فاطمة المرنيسي في كتابها ''نساء على جناح الحلم'' تتحدث عن طفولتها وكيف ان أسمهان كانت تملأ بفنها عالم الحرملك بالمغرب، وكن يحاولن تقليدها·

شكوك وشكوك

المعروف ان أسمهان توفيت عام 1944 غرقا في احدى الترع داخل سيارتها مع صديقة لها، ونجا السائق، حيث فتح باب السيارة وقفز منها، وترك السيارة تنطلق بها في الترعة، وحين اندفع الفلاحون اثر استغاثته كانت السيارة قد غرقت تماما في المياه، ودفعت نجاة السائق الى الكثير من الاقاويل، منها ان هناك من أوعز له ان يلقي بالسيارة في المياه وبها أسمهان، والتساؤل الى اليوم هو من وراء تلك العملية؟!
وتتعدد الاجابات والاقاويل وهناك من يقول بإن الضابط محمد أنور السادات الذي أصبح رئيسا لمصر ابتداء من عام 1970 كان وراء العملية، اذ كان منخرطا في تنظيم الحرس الحديدي، وكان ذلك التنظيم يتبع الملك فاروق ويقوم بتصفية المتعاملين مع الانجليز والمخابرات البريطانية، وهذا التنظيم هو الذي اغتال بالفعل أمين عثمان، ولكن ان يقوم باغتيال أسمهان فهو أمر مستبعد، فهي لم تتعامل مع الانجليز ـ بفرض صحة ذلك ـ ضد مصر ومصلحة مصر، بل لمصلحة قومها وأسرتها، دروز سوريا ولبنان·
وهناك رواية أخرى عن مصرعها تلقي بالعملية على عائلتها، فلم تقبل العائلة ان تكون اميرة درزية ممثلة في السينما ومطربة، وحاولوا منعها أكثر من مرة، لكنهم فشلوا، والثابت انه جرى التفكير داخل العائلة في قتلها وهي في القدس، وارسل احدهم الى الحاكم الانجليزي بالقدس انهم سوف يقومون بهذه العملية لأسباب تتعلق بالشرف، وكان رد الحاكم ان القدس تحكم بالقانون البريطاني ومن يفعل ذلك فسوف يعدم، وقيل ان العائلة ارسلت مرة الى القاهرة من يقوم بالعملية لكن الذي جاء لقتلها وقع في هواها بمجرد أن رآها، لكن فؤاد الأطرش شقيقها الاكبر نفى تماما ان تكون العائلة وراء تصفيتها، فقد حزنوا على فراقها وأقاموا العزاء لها في السويداء، رغم انها دفنت في مصر·
وتصور ثالث يعود الى ''الغيرة النسائية'' ويتهم أم كلثوم بأنها وراء العملية، خوفا من ان تهدد أسمهان عرشها الفني، وهو تصور لم يصمد كثيرا، لأن عرش أم كلثوم كان قد استقر قبل ظهور أسمهان وكان نجمها في صعود داخل مصر وخارجها، حتى رغم ظهور أسمهان، فضلا عن ذلك، فقد كانت هناك نجمات أخريات في ذلك الزمن مثل نجاة علي ومنيرة المهدية، وكن متألقات اكثر من أسمهان·
وهناك داخل العائلة، عم أسمهان، قال للمؤلفة بالحرف: لم تكن مجرد امرأة درزية، بل إمرأة لها خصوصيتها· نحن لم نعتبرها مجرد بطلة فيلمين، بل أميرة· حقا· ولابد أيضا ان يحسب حساب اعدائها من الأسرة المالكة· وبقدر ما تعلق الأمر بنا، فلو لم تمت كما ماتت، لكان ينبغي التخلص منها في اقرب وقت·
والمقصود بالأسرة المالكة هنا الملكة نازلي والدة الملك فاروق التي كانت تغار ـ فيما قيل ـ من علاقة اسمهان بأحمد حسنين رئيس الديوان الملكي، ومستبعد تماما ان يكون لنازلي دور في العملية، لأن نازلي كانت قد تزوجت بالفعل حسنين باشا، والاخير كان حذرا جدا في علاقاته، غير ان هناك من يرى ان علاقة أسمهان بأحمد حسنين تعود الى غرض آخر فالاخير كان رجل الانجليز، وهي كانت كذلك، والرواية الأقرب الى التصديق في مصرع أسمهان، لكن تنقصها الوثائق، هي ان أسمهان تعاملت مع الألمان ومع الانجليز في وقت واحد، وان احدهما قام بتصفيتها، خاصة انها كانت ثرثارة ولم تكن تخفي شيئا، ويلفت النظر ان حسنين باشا مات بعد ذلك في حادث سيارة على كوبري قصر النيل وهو حادث يحمل ألغازا كثيرة الى اليوم!!

حكاية العراف

وهناك رواية تقليدية حكاها يوما فؤاد الاطرش للصحفي الراحل فوميل لبيب تقول ان عرافا ألتقى الأسرة فور وصولهم مصر، فتنبأ لفريد بأنه سيعاني مرضا يروح ضحيته، وان فؤاد لن يوفق في الزواج من حبيبته وأن أسمهان سوف تموت في الماء، كما ولدت فيه ـ فقد ولدت على ظهر سفينة ـ وكان فؤاد مقتنعا بذلك، هو احب فتاة يهودية في شبابه واعترضت الاسرة على ارتباطه بها، ومات فريد مصابا بالقلب، وهكذا ماتت أسمهان، وهي رواية غير قابلة للتصديق، لكنها بالتأكيد أراحت قائلها·
تزوجت أسمهان من ثلاثة رجال، ابن عمها حسن الأطرش والمخرج احمد بدرخان ثم زيجتها العاصفة من المخرج والمنتج أحمد سالم· وكانت هناك حكايات عن علاقات عاطفية ربطتها بصاحب ومؤسس مجلة ''آخر ساعة'' محمد التابعي ثم أحمد حسنين باشا، وإذا كان الخلاف حول حياتها فإن فنها موضع تقدير المستمعين والدارسين حتى الآن، من حيث قوة صوتها وادائها المتميز، والمؤكد ان هناك من أضير بوفاتها مثل الملحن محمد القصبجي والشيخ زكريا أحمد، فقد كانا يتعاملان معها وبعد وفاتها لم يبق لهما سوى ام كلثوم وتأزمت علاقة كل منهما بها· وتتوقف الباحثة شريفة زهور لتعقد مقارنة بين الشقيقين أسمهان وفريد، ويلفت انتباهها موقف العائلة من أسمهان وفريد، كانت العائلة تعتبر أسمهان عارا لأنها تعمل بالفن، بينما رأت في فريد سفيرا وشرفا لها رغم انه يعمل بالفن، فعمل الرجل بالفن مقبول وعمل المرأة ليس مقبولا خاصة في العائلات الكبرى بالمنطقة العربية·
فؤاد الاطرش قال ان مغامرات أسمهان كان يمكن ان تؤثر على مستقبل وصعود فريد·
عوائق التحول الديمقراطي في الوطن العربي في إصدار مشترك لسعيد العلوي والسيد ولد أباه

سجال في الأسئلة يثير مزيداً من الأسئلة

عمار أبو عابد

كتاب قيم ومثير للسجال أصدرته دار الفكر بدمشق لباحثين عربيين هما الدكتور سعيد بن سعيد العلوي (المغرب) والدكتور السيد ولد أباه (موريتانيا)، تناولا فيه، كل من وجهة نظره، عوائق التحول الديمقراطي في الوطن العربي·
وبعد أن قدم كل منهما بحثه الخاص بهذه المسألة، جرى سجال بينهما، حيث عقب كل منهما على ما طرحه الآخر، في ما يعتبر نموذجاً للرأي والرأي الآخر في الساحة الأكاديمية العربية، وفي مسألة ملحة كالديمقراطية·

تناسل الأسئلة

يمهد الدكتور العلوي لبحثه في طرح عديد الأسئلة، فمن يروم التصدي لقضية الديمقراطية في العالم العربي أو لمسألة التحول الديمقراطي باعتباره أملاً، يجد نفسه مجابهاً بأسئلة، ومحاصراً بجملة قضايا تتفرع عن تلك الأسئلة، أما السؤال الأول فيتعلق بمعرفة حقيقة الحال التي يراد الانتقال منها إلى الحال الأخرى المأمول الانتقال إليها، ما دام التحول يعني، من جهة الاقتضاء اللغوي، الانتقال من حال إلى حال غيرها· وبعبارة أخرى، فإن هذا السؤال البسيط والواضح في ظاهره لا يكون كذلك في عمقه، ومحاولات الإجابة عنه تفتح أبواباً جديدة من التساؤلات، وتثير ألواناً من الاختلاف في الرأي وفي التقدير، ومن ثم فإن ما يكون الاعتقاد أنه محط اتفاق حوله وإجماع عليه، لا يكون ـ عند الاختبار ـ على هذا النحو من الوضوح، ومن ثم فإن الإجابة عن هذا السؤال الأول والعام تستدعي الإنصات إلى أسئلة أخرى، والاجتهاد في الإجابة عنها·

مكمن العيب

السؤال الثاني هو سؤال معرفي تاريخي نصوغه على النحو التالي: الديمقراطية ـ على النحو الذي نعرفها به في الغرب الأوروبي خاصة ـ نظام في السلوك والفكر، وثمرة تغير جذري أمكن بموجبه للمجتمعات الغربية أن تنتقل من حال في الوجودين السياسي والاجتماعي (هي التي كانت عليها قبل القرن الثامن عشر عامة) إلى نظام مغاير أخذت معالمه في الاتضاح منذ القرن المذكور، لتبلغ مداها في نهاية القرن التاسع عشر ومطالع القرن الماضي، وسؤالنا (المعرفي ـ التاريخي) هو ذاك الذي يتعلق، من جانب أول بمعرفة الأسباب الفعلية التي تقوم وراء ذلك الانتقال التاريخي الكبير، كما يتعلق ـ
من جانب ثان ـ باستقصاء الصفات الواضحة التي بها تمايز النظام الديمقراطي من غيره من الأنظمة الأخرى· ويتصل السؤال الثالث في كوننا عرباً نحيا في العالم المعاصر، ونحن نصوغه على النحو التالي: لماذا ظل العالم العربي الحديث والمعاصر في أحوال متصلة من العجز عن انتهاج الديمقراطية فلسفة في الفكر، ونموذجاً في النظام السياسي، وأسلوباً في الوجود الاجتماعي، والحال أن حديث العدل والمساواة والعقل ما فتئ يتكرر في الفكر السياسي العربي الحديث والمعاصر منذ (عصر النهضة)· فما مكمن العيب؟ هل هو فينا حتما، أم نحن نراكم تجارب الظلم والفشل دون أن نستخلص العظة والعبرة؟ أم أن هناك عوائق موضوعية ليس لنا نصيب في المسؤولية عنها؟·

الخروج من الحلم

أما السؤال الرابع، الذي يتصل بالسؤال السابق من وجه، ويتصل بمعنى الديمقراطية في التصور الغربي لها من وجه آخر، فهو يتعلق عندنا بقضية شغلت من الفكر السياسي العربي المعاصر مكاناً محورياً، وشغل من نظره المساحة الكبرى، فنحن نصوغه كما يلي: لا يكاد معنى الديمقراطية في الفكر السياسي العربي المعاصر يخرج عن معنى تداول السلطة وإمكان انتقالها انتقالاً سلمياً من جهة إلى أخرى، في عملية توازن معقول، هو الذي يكسب (اللعبة الديمقراطية) شرعيتها ومعناها معاً، فلماذا كانت الديمقراطية في هذا الفكر العربي تقتصر على معنى التداول هذا أو تكاد؟ ولماذا تم التغاضي عن الشروط الأخرى لإمكان تحقق الديمقراطية؟ أو لماذا كان التقليل من خطرها في فكرنا العربي السياسي المعاصر؟ والسؤال الأخير تستوجبه طبيعة الحديث في التحول الديمقراطي في العالم العربي، وتكون صياغته ـ على وجه التقريب ـ على النحو التالي: هل يمتلك العالم العربي اليوم فرصاً وإمكانات تخرج بالتحول الديمقراطي من حال الحلم والأمل البعيد إلى حال الواقع الممكن تحققه؟
وعن هذا السؤال ينتج سؤال آخر مزدوج: هل تملك الديمقراطية، في العالم العربي، أن تكون موضع استيراد حيناً، وموضع (إملاء) وفرض عن قوة خارجية حيناً آخر؟ هل التحقق الديمقراطي، في نهاية الأمر، يستوجب الأخذ بالأسباب جميعها التي أخذ بها الغرب في تاريخه الحديث في كل مجالات الفكر والاجتماع؟ ويرى الدكتور العلوي أن الإجابة عن الأسئلة الخمسة الكبرى السالفة تعني الإدلاء برأي في مسألة التحول الديمقراطي في الوطن العربي، ولهذا فهو يقسم بحثه إلى خمسة أقسام تناول فيها على التوالي: التحول الديمقراطي في الغرب، محاولات الديمقراطية في الفكر السياسي العربي الإسلامي الحديث، عوائق التحول الديمقراطي العربي، الشروط الضرورية للتحول، ثم الإمكانات والآمال·

الدرب العسير

بعد أن يفصل الدكتور العلوي في كل قسم من أقسام بحثه بالشواهد والبراهين، ينتهي إلى القول: إن طريق الديمقراطية شاق وعسير، وهو يقتضي زاداً من الإرادة والمعرفة، وارتفاعاً من وهدة البؤس الشديد الذي يشل الفكر والحركة معاً، مثلما يقتضي أموراً أخرى تواكب هذه المطلوبة كلها، ولكن هذا الطريق يستدعي أول ما يستدعي وضوحاً في الرؤية وقدرة على الاختيار السليم لا يملكها إلا القادة، أولئك الذين يجعلون من الديمقراطية فكرة يكونون على أتم الاستعداد لكي يبذلوا في سبيل إعلاء كلمتها كل ما يكون في وسعهم أن يبذلوه من جهد وفكر وإرادة·
وفي نهاية بحثه الذي امتد على اثنتين وثمانين صفحة يسأل الدكتور العلوي: هل يمتلك العالم العربي كل هذا ويطيقه؟ ذلك هو السؤال الذي نقدر أن الإجابة عنه تكمن في تشاؤم سهل ميسور، مثلما لا تقوم في تفاؤل كاذب هو أشبه بالهروب من واقع الوجود إلى وجود لا إمكان له في الواقع·
من جهته، يناقش الدكتور السيد ولد أباه عوائق التحول الديمقراطي في الوطن العربي، ويرى أن الخطاب العربي الراهن تمحور حول ثلاث مقاربات:

1 ـ النزوع التبشيري الذي يركن إلى إغراء الشعار، ومسحة البداهة التي يكتسيها في الوعي والمخيال الجماعيين، والحاجة الموضوعية إلى الحل الديمقراطي لمواجهة حال الاحتقان السياسي السائد في البلاد العربية· دون البحث عن عوائق وحواجز التحول الديمقراطي في الأقطار العربية·
2 ـ النزوع العلموي لرصد عوائق التحول الديمقراطي، بإحالتها إما إلى رواسب وخلفيات ثقافية (تراث الأحادية وغياب الرؤية الاختلافية والفكر التعددي)، أو على طبيعة التركيبة الاجتماعية في البلاد العربية (البنية الأبوية أو العشائرية)، أو إلى المحددات الاقتصادية والتنموية (استحالة التحول الديمقراطي في المجتمعات ما قبل الرأسمالية أو ذات القاعدة الإنتاجية الهشة)·
3 ـ احتواء الشعار الديمقراطي في الخطاب الرسمي لأنظمة الحكم التي تتبناه شكلاً وعلناً، انسجاماً مع توجهات دولية ضاغطة دون أن يتجاوز هذا التبني حد الواجهة الاستعراضية·

انفصام المثقف عن المفكر

تناول الدكتور ولد أباه الواقع الراهن للبلاد العربية، عقب التطورات الحاصلة في العالم أواخر القرن العشرين، وانتصار قيم التعددية في المنطقة العربية، والانفتاح السياسي الذي أنعش الآمال، ثم توقف عند المآزق التي تعرضت لها هذه الآمال، وحللها من منطلق الأحداث التي حصلت في العالم، والمشاريع التي طرحت فيه والتحولات التي جرت، ليتوقف عند علاقة المثقف بالسلطة، حيث يقول: الواقع أن الساحة الفكرية العربية تعاني حالياً من انفصام خطير ومتفاقم بين نموذج (المثقف الملتزم) الذي يعض بالنواجذ على شعاراته وأحلامه دون القدرة على المراجعة الجريئة لتجربته وبعض مواقفه ومنطلقاته، ونمط من المفكر (العدمي) الذي يستخدم المناهج التفكيكية ومقولات ما بعد الحداثة الغربية في نقد وتقويم الخطاب الأيديولوجي العربي، وفي الخروج عن سلطته ومرجعيته، مما تنجم عنه نتائج خطيرة أخلاقياً ومعرفياً في مستوى الخيارات المطروحة إزاء وضع عربي مترد يعدّ السكوت عنه تواطؤاً·
الهادي البكوش يضيئ على سنوات الاستعمار والمقاومة في تونس والمغرب الكبير

أسرار الرجال وخفايا القضايا

الطيب بشير

''إن الرسالة التمدينية'' التي ادعت فرنسا أنها استعمرتنا من اجلها كذب وبهتان في مستوى النيات، وتجهيل وتفقير في مستوى النتائج، إنها مغالطة وتضليل''· هذه هي الصرخة التي أطلقها الهادي البكوش الوزير الأول التونسي سابقا في كتابه ''إضاءات على الاستعمار والمقاومة في تونس وفي المغرب الكبير'' للتأكيد بأن استعمار فرنسا لتونس ولدول المغرب العربي هي جريمة بالنسبة لمرتكبيها، لان الاستعمار في الحقيقة احتلال بالقوة، وابتزاز بالعنف· وهو ظلم وعدوان تسلط على الجزائر 132 عاما، و75 عاما في تونس، و44 عاما في المغرب·

رد على المتخاذلين

وهو في هذا الكتاب يعبر عن مرارته وغضبه واستنكاره لمواقف بعض التونسيين من الذين أدى بهم التخاذل والإحباط الناجم عن بعض سلبيات بناء الدولة الجديدة، أو قادهم الحنين الى ماض عائلي، أو غلبت عليهم مصالح شخصية، فاعتبروا ان الاستقلال جاء نتيجة تطور تاريخي عرفته كل بلدان العالم، حتى الضعيفة منها، موحين بأن فضل االمقاومة الوطنية فيه ادعاء مبالغ فيه، وهم بالتالي يشككون في دورها، ويمجدون رجالا تعاونوا مع الاستعمار، وتواطؤوا معه·
ويعبر رئيس الحكومة التونسية سابقا عن صدمته من تظاهرات مثيرة تشكك فيما كان عليه الاستعمار من قمع وجور، وتسعى الى تمجيده، وتحقر بالتالي من ملحمة المقاومة التي تصدت له، وكأنّ الاستعمار بين الامس واليوم أضاع حقيقته البشعة، وتغير وجهه القبيح· ويلح الكاتب على ان اعتبار المقاومة التحريرية حدثا عشوائيا عابرا ـ وتجاهل عظمتها ـ والحط من قيمتها، خطأ تاريخي، وإساءة لذاكرة شعوب مجاهدة· وان تلميع صورة الاستعمار، وتمجيد عهوده، والتغني بحسناته، ينافي الحقيقة التاريخية، ويرجع بنا الى مقولات استعمارية، عنصرية، باطلة·
فالبعض من رجال الفكر والسياسة في فرنسا في كتاباتهم واقوالهم وقراراتهم ينكرون اليوم ان الاستعمار قهر، وظلم، وجريمة ضد الانسانية ويؤكدون انه عملية تمدينية، ويشيدون بما ينسبون اليه من جوانب ايجابية، محاولين تلميع صورته·

رغم الأذى

ويقول الكاتب ان الأقدار جرته والصدف دفعته الى معايشة أحداث حاسمة من تاريخ الحركة الوطنية ومن مراحل بناء الدولة التونسية الحديثة وقد شاهدها عن قرب وشارك في البعض من وقائعها·
ولا يخفي انه متأثر في ما يكتبه بالمحيط الذي ترعرع فيه وبالمسؤوليات التي تقلدها، ويعترف بأنه في آرائه كان شديد الوفاء بالالتزام بنضال وطني يصعب عليه التخلص منه رغم ما أصابه من أذى كان لبطانة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة دور كبير فيه· علما بأن المؤلف تمت في عهد الرئيس الراحل بورقيبة محاكمته وسجنه مع وزير الاقتصاد وجمع من المسؤولين اثر فشل تجربة ''التعاضد الاشتراكية''·

تساؤلات نزيهة

والهادي البكوش مؤلف هذا الكتاب مناضل سياسي، ساهم في الحركة التحريرية، وتولى بعد الاستقلال عدة مناصب هامة أهمها رئاسته للحكومة التونسية مدة عامين (1987 ـ 1989) في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، كما تولى في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة منصب مدير الحزب الاشتراكي الدستوري (الحزب الحاكم في تونس)، وشغل أيضا منصب سفير في عديد البلدان العربية والاوروبية ووزير للشؤون الاجتماعية·· وحرص الهادي البكوش في كتابه على التأكيد بأنه توخى فيه ''النزاهة والصدق''، مؤكدا بأنه طرح تساؤلات بحرية وصراحة وصدق وايمان ونزاهة وموضوعية·

أسرار عن بورقيبة

وبين الهادي البكوش ان الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي حكم تونس على امتداد 30 عاما لم يكن يرغب بعد استقلال تونس عام 1956 في ان يصبح رئيسا، وكشف بأنه ترأس أول حكومة بعد الاستقلال بتردد، فقد كان اتباعه يخشون أن يتولى زعيمهم مسؤولية الحكومة، لأنهم كانوا ـ وفق شهادة المؤلف ـ يحبونه حبا جما، ويخشون ان تتعقد الاوضاع في الحكم، ويصعب الأداء، وتتشوه صورته اللامعة التي يريدونها ناصعة الى الابد· وقد يكون الزعيم بورقيبة نفسه خشي من ذلك المصير خاصة وأنه ـ حسب شهادة المؤلف ـ يكره البروتوكولات التي يقتضيها العمل الحكومي، ويعزف عن التفرغ للملفات التقنية والادارية التي يتعين على الوزير الاهتمام بها· وفعلا فقد كان لطول شيخوخة بورقيبة واستفحال مرضه أسوأ الاثر وأخطره على الاستقلال الذي أتى به، وعلى الدولة التي بناها، وقد تعرض كلاهما الى الانحلال والتلاشي·

شاهد عيان

وكشف المسؤول التونسي السابق عن أسباب فشل تجربة الوحدة بين تونس وليبيا، مشيرا إلى أن آمال العقيد معمر القذافي خابت في إقامة وحدة مع مصر، وحقد على السادات الذي منع مسيرة وحدوية ليبية من الدخول الى بلاده في 18 يوليو،1973 وارتأى العودة الى المنطقة، واتجه نحو الغرب مساندا البناء المغاربي، بعدما كان شهّر به باعتباره مبادرة غربية ضد العرب، فاستقبل بورقيبة بحرارة في طرابلس (غرة سبتمبر 1973) ثم أدى له زيارة في ديسمبر ·1973
وفي اجتماع شعبي بقاعة سينما'' البالماريوم'' بتونس العاصمة وبحضور العقيد القذافي نفسه رد بورقيبة على أطروحته الوحدوية بقوة معتبرا مقولاته أضغاث احلام· ورغم ذلك، واصل القذافي تقربه من تونس، وجاء في 12 يناير 1974 الى جزيرة ''جربة'' بمشروع وحدة مع تونس، وافق عليه بورقيبة، وأمضاه· ولكن بعد أيام بدأ يتنكر له·
فقد عارضه بعض رفاقه وفي مقدمتهم الهادي نويرة الوزير الاول وقتها· وكذلك الرئيس هواري بومدين الذي اعتبره عملا ارتجاليا مصطنعا، واعلن انه سيقاومه بكل الوسائل بما فيها الوسائل العسكرية·
ويحلل الهادي البكوش ـ بصفته شاهد عيان ـ انعكاسات فشل الوحدة بين تونس وليبيا على العلاقات بين البلدين مؤكد ان التنكر لاتفاقية ''جربة'' اثّر على العلاقات التونسية الليبية سنوات عديدة تأثيرا عميقا، فحقد القذافي على بورقيبة، وحاول الإطاحة بنظامه، والانتقام من الهادي نويرة الذي كان وراء إخفاق الوحدة بين تونس وليبيا·
وقد حاول تونسيون قدموا من ليبيا في مدينة ''قفصة'' سنة 1980 وبمساعدة بعض المصالح الجزائرية تفجير ثورة لإضعاف بورقيبة والإطاحة بحكومة الهادي نويرة ولكن مساعيهم باءت بالفشل·

اقرأ أيضا