الاتحاد

تقارير

صراعات 2014: الجريمة والتمرد والعنف الانتخابي

لويس آربور
رئيس مجموعة الأزمات الدولية


قبل الغوص في قائمة الصراعات المتوقع حدوثها في العام الجديد، علينا ترتيب بعض الأفكار الخاصة بالعام المنصرم. لم يكن عام 2013 عاماً جيداً بالنسبة لقدرتنا الجماعية على إنهاء الصراع. بالتأكيد كانت هناك لحظات مشرقة، فكولومبيا تبدو على وشك إنهاء الحرب الأهلية التي تكمل في 2014 عامها الستين، وقد تتمكن أيضاً من إسدال الستار على صراعاتها العرقية الداخلية التي دامت عقوداً.
أما الاتفاق المبرم بشأن برنامج إيران النووي فيعتبر حافزاً للدبلوماسية. كما استطاع مجلس الأمن الدولي أخيراً كسر الجمود إزاء سوريا فيما يتعلق بالأسلحة الكيماوية، وتعهد بتدخل أكبر في شرق الكونجو الديمقراطي وجمهورية أفريقيا الوسطى. كما تتواصل مباحثات تركيا مع حزب العمال الكردستاني على نحو متقطع. واستطاعت باكستان نقل السلطة بشكل ديمقراطي للمرة الأولى.
غير أن سوريا والتدخلات الأخيرة في أفريقيا الوسطى أفضل صورة لقصور قدراتنا الجماعية على إدارة الصراع. إن السرعة والحسم اللذين اتسم بهما تصرف المجتمع الدولي حيال الكيماوي السوري يؤكدان فشله في العمل بنفس العزم لإنهاء الصراع. وبينما يدخل الصراع في سوريا عامه الثالث، هناك مؤشر بسيط على توقفه في القريب العاجل، حيث تعلق الآمال على محادثات جنيف المقرر عقدها في يناير الجاري.
وبالنسبة لأفريقيا الوسطى، فإن المجتمع الدولي فوجئ بانهيار الجمهورية في موجة من العنف. وقد خلفت عقودا من سوء الحكم والتخلف وسوء الإدارة الاقتصادية شبحَ دولة قبل فترة طويلة من الانقلاب الذي حدث هذا العام وتصاعد العنف الطائفي عقبه.
وبمقارنة 2013 بالعام الذي سبقه، نجد أن خمس دول التحقت بالقائمة، وهي بنجلاديش وأفريقيا الوسطى وهندوراس وليبيا وشمال القوقاز. أما الدول أو الأقاليم الخمسة المتبقية فهي آسيا الوسطى والعراق ومنطقة الساحل والسودان وسوريا ولبنان. وبالنسبة للدول التي غادرت القائمة لكنها قد تسترد مكانها بسهولة فهي باكستان وتركيا وأفغانستان والصومال والكونجو. ويبدو أن جنوب السودان على أعتاب حرب أهلية، لينضم لقائمة هذا العام.
يمثل 2014 عاماً حاسماً بالنسبة لأفغانستان في ظل إجراء الانتخابات واستمرار تمرد «طالبان». وفي الصومال، لا تزال حركة «الشباب» تظهر قدرتها على الضرب محلياً وخارجياً، بالإضافة إلى صراع العشائر مع بعضها البعض. وأخيراً، فإن غياب الدولة وسيادة القانون في الكونجو قد يبرران دخولها قائمة الصراع لهذا العام رغم هزيمة متمردي حركة إم23.
وفي النهاية، فإن هذه القائمة تسعى للتركيز، ليس فقط على الأزمات التي تقع في دائرة الضوء الدولية -أفريقيا الوسطى وسوريا والساحل والسودان- ولكن أيضاً على مناطق أقل وضوحاً مثل الهندوراس وآسيا الوسطى.
ومن العوامل المسببة لعدم الاستقرار: الجريمة المنظمة في أميركا الوسطى، والمنافسة السياسية حول الانتخابات في بنجلاديش، والتمرد في شمال القوقاز. هذا إلى جانب مخاطر الحكم الاستبدادي وعدم الاستجابة للمعارضة مثلما هو الحال في سوريا والعراق. ومن العوامل التي تساعد على نشوب الصراعات: التخلف، وعجز الدول عن توفير احتياجات مواطنيها، وعدم المساواة.
وبالنسبة لسوريا ولبنان، فقد كان للاتفاق حول الأسلحة الكيماوية وتفكيكها تأثير بسيط على ساحة المعركة. فالعنف يتواصل مع تفاقم العواقب الإنسانية. ويظهر نظام الأسد ثقة متزايدة عقب تمكنه من تجنب التدخل العسكري الأميركي، وعليه فقد أعاد تصعيد حملاته لطرد المتمردين من معاقلهم في في حلب وعلى الحدود اللبنانية. كما سعى لتسويق نفسه لدى الغرب كشريك في مكافحة الإرهاب.
ومن ناحية أخرى، فإن ائتلاف المعارضة السورية ليس لديه سيطرة حقيقية على العمليات العسكرية. كما يساعد مؤيدو المعارضة الإقليميين على دعم الكتل المتنافسة داخل الائتلاف، والجماعات المسلحة المنفصلة خارجه، مما يساهم في زيادة الانشقاقات التي استغلتها الجماعات الجهادية، وأبرزها «الدولة الإسلامية» التابع لتنظيم «القاعدة» في العراق والشام. وبالمقابل، شكلت الجماعات المتمردة الأخرى «الجبهة الإسلامية» التي قد تكون أكثر تماسكاً من تحالف المعارضة، والتي أثارت مخاوف مؤيدي المعارضة في الخارج.
كما تجر سوريا لبنان معها إلى أسفل. وفي الوقت نفسه، فإن تورط «حزب الله» يستدرج شيعة لبنان إلى المعترك السوري. كما استهدفت هجمات أخرى مساجد السنّة في طرابلس، حيث دفعت الفتنة الطائفية الجيش لإحكام السيطرة.
ويتركز الاهتمام الدولي حالياً على إجراء محادثات بين النظام والمعارضة، وقد تقرر عقدها في 22 يناير. وقد قبل ائتلاف المعارضة المشاركة في المحادثات، إلا أنه يسعى لاتخاذ قرار نهائي في ظل الأوضاع الراهنة. أما النظام، فوافق بسهولة على حضور المباحثات، لكنه يرفض الهدف منها وهو تشكيل حكومة انتقالية.
وبالنسبة للعراق، فمنذ أبريل 2013، عندما كثفت حكومة المالكي الشيعية حملاتها العنيفة على حركة الاحتجاج السنية السلمية، تضخم مد الهجمات والاعتقالات وحالات الإعدام بصورة تدريجية. ومن المرجح أن يشهد عام 2014 مزيداً من تشابك الصراعين العراقي والسوري. بينما من غير المرجح أن تتمخض الانتخابات المقرر إجراؤها في 2014 عن حلول. وعلى العكس من ذلك، فهي تواجه خطر تفاقم العنف وزيادة التدخل الأجنبي. وبالنسبة لليبيا، التي تكتنفها مخاوف أمنية هائلة، والغارقة في جمود سياسي، فإن المرحلة الانتقالية التي تلت القذافي تواجه خطر الخروج عن المسار. فمن المقرر أن تنتهي ولاية المؤتمر الوطني العام في 7 فبراير، بينما تأخر تشكيل لجنة كتابة الدستور لأكثر من عام. وقد كان رئيس الوزراء الحالي علي زيدان هدفاً لعدة هجمات ودعوات لإقالته. كما تتراجع ثقة الشعب في مؤسسات الدولة والعملية الانتقالية المفترض أن تخلق إطاراً لديمقراطية جديدة.
وقد ازداد الانقسام في ليبيا على عدة محاور: الإسلاميون مقابل الليبراليين، والمحافظون مقابل الثوريين. وفي شرق ليبيا، أصبحت الاغتيالات تستهدف مسؤولي الأمن بصورة شبه يومية، مما يؤجج المواقف المعادية للإسلاميين. وعلى الأقل، فإن الميليشيات المحلية وانتشار الأسلحة الصغيرة سوف يشكل مصدر إزعاج لليبيا وجيرانها في السنوات القادمة، مما يحبط جهود الحكومة لإعادة بناء قوات الأمن وتأمين الحدود.
ومن ناحية أخرى، فقد خلفت سنوات من الاشتباكات الدامية في أفريقيا الوسطى دولة ضعيفة على شفا الانهيار. وقام متمردو حركة «سيليكا» التي تضم مقاتلين مسلمين من أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، بانقلاب للإطاحة بالرئيس فرانسوا بوزيريه واستبداله بزعيمهم ميشال دجوتوديا، مما أثار موجة من العنف على نطاق واسع مع عدم وجود جيش وطني فعال لوقفها. ومما يزيد القلق هو نشوب الصراع بين التيار الديني بين «سيليكا» والجماعات المسيحية المسلحة، مما يزيد العنف ويصعد من التوترات الدينية. وقد يمتد الصراع إلى البلدان المجاورة في ظل انعدام الأمن.
أما السودان، فظل مرتعاً لعدم الاستقرار والعنف لسنوات، مع اضطراب سياسي في الخرطوم وهشاشة اقتصادية وتعدد التوترات، الأمر الذي ينذر بمخاطر الصراع في 2014. وفي نوفمبر، أعلن وزير دفاع السودان هجومه على متمردي الجبهة الثورية السودانية الذين يقاتلون من أجل حكومة أكثر تمثيلا، والذين ردوا بهجمات على الطرق الاستراتيجية ومنشآت الجيش في شمال وجنوب كردفان. ثم تراجعت الخرطوم وأعربت عن استعداد الحكومة لاستئناف المحادثات. إن سوء الحكم يجعل البلاد على شفا كارثة، مع نمو الجماعات الإسلامية المتشددة، مما يشير إلى فقدان الحكومة السيطرة على جميع الجبهات. ويبقى الحل في إعادة تعريف جذري للعلاقات بين الخرطوم وباقي أنحاء البلاد. وبخلاف ذلك فستستمر المظالم الإقليمية في التفاقم.
وفي منطقة الساحل وشمال نيجريا، من المتوقع أن تواصل الحركات الانفصالية والإرهاب الإسلامي والتوترات بين الشمال والجنوب... تغذية العنف خلال 2014 نتيجة ضعف الحكومات. وتشهد دول مالي والنيجر ونيجريا صراعات مماثلة نتيجة ضعف الحكومات وانتشار الهجمات الإرهابية والجماعات المتمردة.
ومن المتوقع أن يمتد العنف السياسي إلى بنجلاديش والبلدان الواقعة في آسيا الوسطى مثل أفغانستان التي ستكون موضع اهتمام المجتمع الدولي في 2014، وأوزبكستان وقرغيزستان وكازاخستان الغنية بالموارد.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا