الاتحاد

عربي ودولي

بهية الحريري··الرفيقـــة الحزينـة


السعد عمر المنهالي :
على عكس قرار الأميرة الفينيقية إليسا - بعد أن قُتل زوجها اشربس - بترك مملكتها في صيدا وصور والهرب بعيدا تاركة كنوزها وعرشها لقاتل زوجها، ومن ثم تنقلها طويلا باحثة عن موضع قدم جديد لها ولأتباعها فأصبحت في الأساطير الملكة ديدو أي التائهة التي رمتها أمواج البحر المتوسط إلى أن استطاعت أن ترسى على أرض في شمال الساحل الأفريقي عام 1864 ق·م، وكونت مدينة قرطاجة ، كان قرار النائبة الحزينة بهية بهاء الدين الحريري بالبقاء والصمود في وجه من قتل أخاها!·
ولأن اسم الأميرة إليسا بسبب بطولاتها في البحر المتوسط ظل وللآن محفورا في ذاكرة البحارة في صيدا وصور يكررونه في أهازيجهم تيمنا بها، إلا أن ما شهدته لبنان على يد بهية الحريري بسبب كلمتها الأخيرة التي أطلقتها في البرلمان اللبناني -في الجلسة التي عقدت في الثامن والعشرين من فبراير ،2005 والتي خصصت لمناقشة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري - سيجعل اللبنانيين يذكرونها دوما كون كلمتها تسببت في تحويل مسار لبنان إلى خط مختلف تماما!!·
رفيقة رفيق
ولدت بهية بهاء الدين الحريري عام 1952 في مدينة صيدا في جنوب لبنان - تبعد 36 كم عن العاصمة بيروت ناحية الجنوب وتطل على الجانب الشرقي للبحر المتوسط- وترعرعت في ظل أسرة بسيطة-مسلمة من الطائفة السنية- اشتغل ربها بالفلاحة في بساتين الحمضيات، وجاء ترتيبها الثالث بين إخوانها رفيق وشفيق، ورغم فقر العائلة إلا أن الوالد أصر على تعليم أبنائه الثلاثة في مدارس صيدا المجانية، فتلقت بهية تعليمها كباقي إخوانها الصبيان·
عملت بهية الحريري في مهنة التدريس وظلت تشغلها فترة السبعينيات، وهي الفترة التي بدأت فيها أعمال أخيها رفيق الحريري تشهد تطورا هائلا من بعد سنوات من سفره للمملكة العربية السعودية للعمل فيها، وقبل نهاية عقد السبعينيات كانت يد رفيق الحريري قد وصلت لبنان فأنشأ مؤسسة الحريري في صيدا وولى مهام الرئاسة فيها إلى أخته بهية عام ،1979 وتهدف المؤسسة الأهلية إلى تنشيط دور المواطن اللبناني في إنجاز التنمية البشرية المستدامة، كانت تقوم على أساس إقراض الطلبة اللبنانيين لدفهم لإكمال تعليمهم، ولعل نشاط بهية في الحقل التعليمي دفع بأخيها للاعتماد عليها في أغلب مشاريعه التعليمية التي أقامها في بلاده لبنان·
شغلت السيدة بهية الحريري خلال عقد الثمانينات مهام كثيرة في عدد من المؤسسات في حقل الشباب والتدريب، وقد ظل نشاطها خلال تلك الفترة بعيدا عن السياسة إلى أن شجعها شقيقها رفيق على دخول هذا الحقل فوفر لها الإمكانيات المادية والسياسية من تحالفات قوى السنة والشيعة في دائرتها الانتخابية لتمثل المدينة في مجلس النواب البرلمان اللبناني بعدما تم انتخابها في صيدا ممثلة للمقعد السني عام ،1992 لتصبح أول برلمانية لبنانية مسلمة سنية في أول برلمان لبناني بعد انتهاء الحرب وانقطاع الحياة النيابية لمدة عشرين عاما، لتمثل دائرتها في ثلاثة برلمانات متعاقبة 1992 وبرلمان 1996 وبرلمان ·2000 ورغم دخولها حقل السياسة الملغوم إلا أن نشاطها ظل يولي عملية التعليم والتطوير حيزا كبيرا، وخلال سنواتها تلك ترأست لجنة التربية والثقافة في البرلمان، ولجنة التدريب والتطوير في فترة أخرى، بالإضافة إلى عضويتها في لجنة الشؤون الخارجية·
بما أن الإنسان وتعليمه كان محور اهتمام النائبة بهية خلال سنوات حياتها، ركزت كذلك على حقوق الأطفال على وجه الخصوص فأولت أهمية خاصة له، وفي سبيل ذلك كانت وراء عدد من القوانين ومشاريع القوانين لتحسين ظروف حياة الطفل اللبناني في سبيل مستقبل أكثر إشراقا للبنان· ورغم نشاط النائبة المميز داخل أروقة البرلمان اللبناني كانت في الشأن الداخلي، إلا أن مساهماتها وجدت صدى إقليميا وصل مداه على الصعيد الدولي عندما عينت سفيرة للنوايا الحسنة في منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم والتربية اليونيسكو في نوفمبر ·2000
تقلدت بهية الحريري منصب نائبة لرئيس الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، وعرفت باهتمامها الخاص بالقضايا الاجتماعية كقضايا المرأة والطفل، فروجت كثيرا لمكانة أكثر ثباتا للمرأة في المجتمع العربي وشنت الكثير من الحملات لتبني قوانين لحماية المرأة، فكانت من أوائل المؤسسات لقمة المرأة العربية في القاهرة عام 2000 بالتعاون مع الجامعة العربية والمجلس الوطني للمرأة· وبجانب هذا فهي من الفاعلات الساهمات في المشاريع التنموية والاجتماعية والإنسانية، فترأست الهيئة الوطنية للمدرسة الرسمية، وترأست جمعية التراث والبيئة وترأست لجنة شؤون المرأة في الاتحاد البرلماني العربي، كما أنها عضوة في اللجنة الدولية لحقوق الطفل ، وعضو منتسب للشبكة البرلمانية في البنك الدولي، هذا بجانب شغلها مهام رئيسية في كافة المؤسسات التي يملكها ويرعاها رئيس الوزراء السابق شفيق الحريري ·
الخنساء في ساحة الشهداء
تبدو علاقة بهية الحريري بأخيها رفيق أقوى من حالة الشبه الكبير بينهما، فأخوها الذي يكبرها بثماني سنوات، لعب دورا كبيرا في توجيه شقيقته في الحقل السياسي، ولعل وصول رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة اللبنانية خلال خمس حكومات بالإضافة إلى دوره الحيوي في الحياة اللبنانية السياسية والاقتصادية بعد الحرب الأهلية (1975 - 1989) وقبلها، إذ لا يمكن الحديث عن أتفاق الطائف الذي أنهى الحرب دون ذكر مهندسه رفيق الحريري فدوره الذي لعبه من وراء الكواليس لإنها الحرب الأهلية بعد أن عمل كوسيط ومستشار ومروج لوقف إطلاق النار، بسبب استثماره لعلاقاته القوية بأطراف عربية وإقليمية رئيسية وفاعلة في المنطقة لجلب السلام إلى لبنان، وبعد الحرب كان له دور اقتصادي فاعل في إعادة إعمار لبنان بعد أن أزاح دمار الحرب السابقة، كل تلك الأسباب وغيرها جعلت للأخ الكبير رفيق مكانة خاصة ومميزة قد تفوق علاقة الخنساء التي بكت أخاها بعد أن مات ورثته بشعر ملأ الدنيا وشغل الناس وأبكاهم!·
لم تنظم الأخت المفجوعة بهية الحريري الشعر في مرثيات شعرية بعد اغتيال شقيقها رفيق الحريري ظهر يوم الرابع عشر من فبراير عام ،2005 غير أن دموعها -التي حبستها مرارا أثناء الكلمات التي كانت تدلي بها من وقت لآخر بعد قتله لوسائل الإعلام وعناقها المستمر لابني شقيقها سعد وبهاء أظهرت عظم الفاجعة التي أصابتها-، ودموع المعتصمين في ساحة الشهداء -يوم الثامن والعشرين من فبراير 2005 التي أخذت طريقها في عيون المحتجين بعد أن ظهرت النائبة بهية على الشاشات الكبيرة في الساحة وانساب صوتها عبر مكبرات الصوت-، أكدت ذكرى وفاة أخيها وما سيتبعها من تداعيات ستفوق ذكراه كرم صخر الذي خلدته الخنساء بشعرها!·
كان الهجوم الذي شنته بهية الحريري في كلمتها التي سجلتها في الجلسة المخصصة لمناقشة اغتيال رفيق الحريري والذي زاد من حماس المعتصمين والغاضبين بقولها إن الحكومة تفتقر إلى الرجال الكبار وإطلاقها جملتها التي اختتمت بها كلمتها أمام النواب والحكومة فالتسقط الحكومة كافية من وجهة نظر الحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس عمر كرامي - لاتخاذ قرار الاستقالة الذي فاجئ الجميع، وهو ما أكده دولة الرئيس بنفسه بعد عودته إلى منزله مساء يوم الثامن والعشرون من فبراير لوسائل الإعلام أن عبارة بهية الحريري الأخيرة كانت العامل الحاسم في اتخاذه قراره بالاستقالة· وقد سجلت استقالته التي تلاها بعد استراحة البرلمان هذه الأهمية لكلمة بهية الحريري، فقد جاء في نص استقالته ··· ولأني لم أكن يوما متمسكا بمنصب، ونحن من عائلة لها تاريخها تقديم التضحيات والشهداء، تحملت كل الظلم والأذى، لأن الأولوية لي كانت كشف الجناة القتلة، لكنني لم استطع أن أبقى على اعتقادي، فأبدوا كمن يزايد على أسرة الشهيد، خاصة وأن شقيقته، دعت إلى رحيل الحكومة كأولوية·· ·
وماذا بعد؟!
لم يكن هذا النقد الأول الذي توجهت به النائبة بهية للحكومة، ففي حديث إذاعي مع إذاعة لبنان الحرة بعد اغتيال رفيق الحريري وعن حادث الاغتيال بقولها ··الرأي العام يريد أجوبة، ولا يجوز الاستهتار بإرادة الناس· هناك أسئلة يجب أن تتم الإجابة عنها بدءاً من السلطة نفسها وإجراءاتها· فنحن بدأنا نشعر بجدية التحقيق في الجريمة منذ وصول المحققين الدوليين، لكن قبل ذلك لم نسمع سوى خطابات واتهامات واستهتار بعقول الناس !!·
ورغم غضب النائبة بهية الحريري على الحكومة إلا أن الأمر لم يجرها إلى توجيه النقد المباشر للوجود السوري في لبنان، فقد شددت في حديث مع صحيفة الشرق الأوسط بعد سقوط الحكومة على الالتزام باتفاق الطائف الذي أرسى دعائمه الرئيس الحريري معتبرة إياه السقف الذي على جميع الأطراف عدم تجاوزه بجانب التعاطي باحترام مع قرارات الشرعية الدولية، وكذلك قولها أن الناس أكثر وعياً ولن تنجر إلى الفتنة أو تقع فيها· علينا أن نتوازن مع المسؤولية التي حملنا إياها استشهاد رفيق الحريري، حتى لا يذهب دمه وتضحيته هدراً ، كلها تأكيدات على موقفها المتحفظ والحذر من التحدث عن الوجود السوري في لبنان·
توافقت توجهات المعارضة مع غضب أسرة الحريري، ولذا لم تتوقف المعارضة التي ازدادت قوة بعد استقالة الحكومة عن تهليلها، إنما طالبت المعارضين والمحتجين إلى الاستمرار بالاحتجاج والاعتصام حتى تغادر القوات السورية الاراضي اللبنانية، وهو ما يؤكد أن مطالب المعارضة تزداد متانة يوما بعد آخر خاصة بعد التأييد الدولي المتزايد لها والذي خرج من أقوى عواصم العالم السياسية في واشنطن وباريس ولندن· وبين المفاجأة بالاستقالة والتهليل يزداد المجهول غموضا، غير أنه حتى هذا المجهول تظهر النائبة الحزينة بهية الحريري لتكون أحد الأسماء المرشحة لتشكيل الحكومة المقبلة بجانب رئيس الحكومة السابق رشيد الصلح ووزير الاقتصاد والتجارة في الحكومة المستقيلة عدنان القصار، ووزير المالية السابق فؤاد السنيورة ووزير العدل السابق بهيج طبارة والنائب محمد الصفدي والسفير اللبناني السابق احمد الحاج و سليم الحص رئيس الحكومة السابق· فهل سيكتب للناذبة الحزينة القدر تشكيل حكومة جديدة بعد أن أسقطت السابقة؟!·

اقرأ أيضا

مايك بومبيو يلتقي وزير خارجية روسيا في زيارته لواشنطن