الاتحاد

الملحق الثقافي

السمة كشأن للجميع

د· عبد الملك مرتاض

د· عبد الملك مرتاض

نود أن نقدم كتاباً صغيراً حجمه، كبيرة فائدته، وهو للناقد الإيطالي العالمي الصيت أمبرتو إيكو، وعنوانه: ''السمة'' أو )جم َّىهَم(· والحق أن هذا المصطلح الذي نستعمله هنا ليس متفقاً عليه بين السيمائيين العرب، فمنهم من يُطلق عليه ''العلامة''، ومنهم من يطلق عليه ''الدّليل''، بل منهم من يطلق عليه ''الإشارة''·
ويتناول أمبرتو إيكو في كتابه هذا تاريخ هذا المفهوم السيمائي في الثقافة الإنسانية، ومن ثم التعرض لمكانته في حياة الناس الفكرية، واليومية معاً· ومع ما نعلم بأن أول من تناول مفهوم السمة في الفكر النقدي العربي هو أبوعثمان الجاحظ في كتابيه: ''البيان والتبيين'' و''الحيوان''، وجاء من بعده نحاة ونقاد عرب ومسلمون خاضوا في مسألة السمة ومنهم عبد القاهر الجرجاني، إلا أن أهل الغرب هم الذي طوروا، في الحقيقة، هذا المفهوم على المستويين النظري والتطبيقي، ومنهم أمبرتو إيكو الذي تناول في الكتاب المومأ إليه أهم المسائل المرتبطة باستعمال السمة في حياتنا اليومية والفكرية·
ودون أن نود التولج في تفاصيل المسائل الواردة في هذا الكتاب، فإننا نريد أن نتخذ منه مجرد تكأة للتنبيه إلى أن كل واحد منا يستعمل السمة يومياً ويفهمها، وقد لا يعرف أنه يتعامل معها، كالمسيو جوردان، أحد شخصيات موليير المسرحية، الذي ظل طول عمره يتحدث النثر، ولا يدري أنه كان يتحدث النثر فعلاً؛ أرأيت أن الرعد حين يقصف إنما هو سمة حاضرة للدلالة على سمة غائبة هي وشكَان هطول المطر، كما أن إيماض البرق هو إيذان بدوي الرعد الذي هو إيذان بنزول الغيث المدرار، فكل سمة، هنا، تحيل على أختها، وكل سمة حاضرة، هنا، تدل على سمة غائبة، فتغدو إِقُونة لها· وكل الفلاحين، وعامة الناس، في العالم يعرفون هذا، فهم إذن يعرفون السمة ويتعاملون معها في حياتهم اليومية· كما أن ضوء إشارة المرور الأحمر، بالقياس إلى سائقي السيارات، هو سمة تحل محل عبارة: ''ممنوع المرور''، في حين أن ضوء الإشارة الأخضر هو سمة تعني عبارة: ''يباح المرور''· وكان يمكن أن تستحيل هذه الإشارات إلى عبارات مكتوبة على لوح مضاء يرتفق به السائقون، ولكن بأي لغة يكتب؟ فلكي تقع الإفادة من ذلك يجب أن يكتب ذلك اللوح بكل لغات العالم، حتى يفيد منه الناس جميعاً··· ولما كان ذلك مستحيل التطبيق، وباهظ التكاليف فإن الإنسان استعاض عنه بسمة بسيطة تمثل في لون ضوء بعينه (سيمائية الألوان) فتحل محل اللغة المنطوقة·
أليست السمة إذن، والحال بعض مال ذكرنا، مندرجة ضمن ثقافتنا اليومية المبسطة، وليست شأناً خالصاً للجامعيين وحدهم···؟

اقرأ أيضا