الاتحاد

عربي ودولي

مؤتمـر لنــدن دروس في السياســـة والإصلاح الديموقراطي للفلسطينيـين


أحمد خضر :
بريطانيا هي التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن المأساة الفلسطينية ، منذ وعد بلفور المشؤوم ، مروراً بمساعدتها العصابات الصهيونية في الاستيلاء على الأراضي العربية، إلى الإعلان عن إنشاء دولة إسرائيل وطرد العرب في نكبة عام ·1948 وحين قام بلير بزيارة إلى إسرائيل والمناطق الفلسطينية ، بدا مصراً على القيام بشيء ما لصالح حل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني المزمن ، لعل أوروبا عامة وبريطانيا بشكل أخص تستطيع المساهمة في حل هذا الصراع المستعصي في منطقة الشرق الأوسط ، وتتدخل بشكل فيه شيء من الإنصاف ، عن طريق بلورة مشروع سياسي إقتصادي إنساني ، يشكل رافعة لخطة خارطة الطريق من أجل حل القضية الفلسطينية ، لكن تحركات بلير أفرغت من محتواها في كل من واشنطن وتل أبيب قبل أن تبدأ حيث أن مؤتمر لندن قبله الفلسطينيون ، في البداية ، وأثنوا على نتائجه وتوصياته فيما رفض شارون حضوره ، وأدانت نتائجه الحكومة الإسرائيلية لأنه لم يتعرض لمقاومة الإرهاب ( الفلسطيني ) ، أما واشنطن فإنها حددت صلاحياته بالنواحي الاقتصادية والمعيشية ، حيث أسفر عن مساعدات قيمتها مليار و300 مليون يورو تقدمه الدول الغربية للسلطة ·
إن مؤتمر لندن الذي ركز على المساعدات الاقتصادية لبناء السلطة الفلسطينية ، وعلى تعليم الفلسطينيين التجارب الجديدة في السياسة والإصلاح الديمقراطي ، والبعد عن النهج الطوباوي السلبي ، أشاد بقراراته أبومازن ، وفي رأيه أن المؤتمر حقق أهدافه ولعب الاتحاد الأوروبي دوراً مهماً في نجاحه ، ودعا الاتحاد إلى القيام بدور سياسي مهم داخل اللجنة الرباعية ، وقد بدا متفائلاً من قيام دولة فلسطينية ، فيما تحفظ عليه أبوعلاء رئيس الوزراء الذي يرى أن الفلسطينيين ليسوا بحاجة إلى دروس في تعلم فن الإصلاح ، وإنما إلى بحث القضايا النهائية التي تعطل عملية السلام ، وأن تأجيل البحث في هذه القضايا لن يترك للفلسطينيين أي مجال لإقامة الدولة بعد أن تمتلىء بالمستوطنات ، ويلتهم أراضيها جدار الفصل العنصري ، أما صائب عريقات فإنه رأى أن مؤتمر لندن بشأن مساندة السلطة حقق النتائج المرجوة منه ، حيث لم يكن مؤتمر سلام خصص كي يبحث عملية السلام ، وإنما ركز على جهود الإصلاح الاقتصادي والسياسي الفلسطيني وإعادة بناء الأجهزة الأمنية ·
لعبة المصالح
إن الفلسطينيين اليوم لديهم خطاب سياسي برغماتي ، ويمتلكون الجرأة على التعامل بواقعية أكثر بعد أن تخلصوا من الأوهام والشعارات الكبيرة ، أما بالنسبة للدول الغربية فإنها هي الأخرى تبحث عن مصالحها من أجل احتكار المنطقة وإخضاعها لنفوذها حيث تضاعفت المشاكل بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وتم اكتشاف البترول هذه الطاقة الجديدة القادرة على أن تعطي لدول المنطقة إمكانيات تحقيق رأسمالي في أفق التحرر الكلي من إطار التخلف، ولأن بعض المصالح الغربية كانت ومازالت تتعارض مع هذا المسار التحرري النهضوي للمنطقة العربية فإنها تكالبت عليها لرصد كل التحولات التي تجري لخدمة الشعوب ورقيها وإفشال هذه المحاولات ، وعرقلة كل مخططات ومشاريع النهوض ، حيث كانت بريطانيا هي أول من أعطى الضوء الأخضر لليهود من أجل إقامة دولتهم في فلسطين ، فيما أمريكا أول دولة اعترفت بإسرائيل حين زرع الكيان الصهيوني في فلسطين ، وجعلت الإمبريالية الجديدة اهتمام الشعوب العربية ينصب حول الحروب لتعيش في دوامة الحرب الماضية والحرب المقبلة ، فما أن تنتهي الحرب حتى تبدأ حرب أخرى وما أن تهدأ مشكلة أو تحل حتى تتفجر مشكلة جديدة كل هذا يجري في الوقت الذي تنعم فيه شعوب العالم بحالة سلام منذ ما يزيد عن ستين عاما على الأقل ·
قلب العالم
إن منطقة الشرق الأوسط تحولت من مركز القلب في العالم الذي شع بنور الحضارات إلى أرض ملتهبة بالصراعات الدموية في العديد من المناطق ، وإلى مكب لنفايات العالم ، فكل شيء سيء مر من هنا ، حيث أريد لمنطقتنا أن تحمل على كاهلها دوماً الصراعات الدولية التي لا تكاد تحصر وعندما أصبح العالم بقيادة قطب واحد فإن المسرح مفتوح الآن على مصراعيه لأمريكا وحليفتها بريطانيا كي تخوضا الحروب وترسما السياسات والخرائط وتطلقا الدعوات من أجل الإصلاح الديمقراطي ، وغير ذلك ، أما بالنسبة للفلسطينيين فإنهم يحملون أخطاء العالم ، إنهم ضحايا التاريخ كما وصفهم رئيس وزراء ماليزيا ، شعب فرض عليه أن يدافع عن أهم قضية عربية وإسلامية ، وأن يبقى الجدار الواقي لشعوب بكاملها ، فرضت عليه الإمبريالية الجديدة عن طريق الأسلحة المتطورة والمحرمة دولياً التي تستخدمها القوات الإسرائيلية ضده في ساحات الانتفاضة ، وضد السكان العزل في بيوتهم أن يقدم أبناءه للشهادة وهويبحث عن الحياة منذ أكثر من مئة عام، فرضت عليه التكنولوجيا أن يكون مجالاً لتجريب كل أدوات الدمار ، وأن يمنح الفلسطيني الصغير في عيد ميلاده لعبة الكبار حتى يعتقد أن الهدايا في أعياد الميلاد عبارة عن قنابل ورصاص في وقت ينعم فيه أطفال العالم بهدايا أخرى ·
والسؤال الذي يطرح نفسه ؟لماذا لا تسخر حرارة النار في منطقة الشرق الأوسط لإنضاج طبخة سياسية من أجل تحقيق السلام العادل وعندها تنتهي اللعبة حيث يتركون الفلسطينيين يعيشون على جزء صغير من وطنهم التاريخي ، أين طارت مبادرة الطريق التي أطلقتها الإدارة الأمريكية واعترفت بها جميع الأطراف حسبما يقولون ؟
التحدي السافر
إن إسرائيل بلغت ذروة الاستهتار والتحدي للمطالب الفلسطينية العادلة وهي تعيث فساداً في الأرض ، تنهب وتصادر ، وتقتلع رغيف المواطن وزيته وزعتره البري الذي يعيش عليه في ظروف الاحتلال والحصار ، والبعض في هذا العالم صامت يتفرج على التراجيديا الفلسطينية ، والأكثر من ذلك يعتبر القاتل رجل سلام ، والضحية إرهابياً ، لقد بلغت شأواً كبيراً في التنكر لحق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة ، إذ كيف يمكن أن تقام الدولة بعد أن مزق جدار شارون الأرض وقطعها إلى 82 قطعة ، وحين تمت المراوغة في مسألة القدس منذ بداية مسيرة السلام واعتبرت من القضايا الشائكة التي تم تأجيلها ، وإذا بالقدس الآن قد قسمت إلى خمسة أقداس ، وأحكمت عليها قبضة الاحتلال بالكامل ·
إن إسرائيل تتمسك بخياراتها وأفكارها السياسية، وتضرب بالمواقف والمبادرات العربية عرض الحائط ، حيث تؤكد للجميع أن الحل يصنع في إسرائيل ، وليس في لندن أو واشنطن ولا في أي بلد غربي أو عربي مهما امتلك العرب من برغماتية أو حسن نوايا·
إسرائيل تطالب أطفال غزة أن يلقوا الحجارة من أيديهم ويرفعوا الراية البيضاء في إشارة إلى وقف الانتفاضة رغم مصادرة مقدساتهم وأرضهم وقراهم ، إنها ترفض التهدئة مع الفلسطينيين ، بل تريد منهم استسلاماً كاملاً ، وتسعى إلى قلب الطاولة ، نسف كل عناصر التهدئة عبر مبررات وحجج أوهى من خيط العنكبوت ، لأنها ببساطة تخطط لفرض الحل الإسرائيلي مع الفلسطينيين والعرب الذي يعني ضياع حلم الدولة الفلسطينية المستقلة ·
بالمقابل تصدر لنا سراباً اسمه السلام مع قنابل الموت العنقودية التي تلقى على رؤوس الأطفال في المدارس ، ومع كل شهيد أو جريح جديد تطالب الفلسطينيين ، بالإصلاح الديمقراطي ، واختيار الرئيس المناسب ، والقضاء على ما تسميه الإرهاب ، وتعلن خيبة أملها من أبومازن الذي أعلن أنه سيسير على نهج عرفات ، منذ اليوم الأول ، وها هي اليوم تهدده بأيام صعبة في المستقبل إذا لم يقم بتصفية الجهاد الإسلامي وحماس ، وفي المقابل فإنها لا تطالب نفسها بشيء من مثل وقف التوسع الاستيطاني ، والانسحاب إلى ما قبل 28 / 9 ، وتمهيد الطريق لتطبيق خارطة الطريق ·
التجريب البريطاني
إن بريطانيا تجرب ، بل هي مفتونة بالتجريب ، من خلال تأهيل الشعب الفلسطيني لاستحقاقات السلام ، والمال في هذه الحالة يلعب دوراً مغرياً عن طريق تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية علاقات عامة ، وبقدر ما تبدو هذه اللعبة جميلة في ظاهرها ، إلا أنها تنطوي على مخاطر عديدة أهمها إبقاء الكرة في الملعب الفلسطيني ، لكن الفلسطينيين في الواقع يحاولون استغلال أي فرصة لمساعدتهم على كافة الأصعدة سواء الاقتصادية أو السياسية ، وما نخشاه ألا يتحول مؤتمر لندن إلى أداة ضاغطة على الطرف الفلسطيني من أجل تقديم تنازلات جديدة أمام التعنت الإسرائيلي ، وتسكين روح المقاومة لديه ، عن طريق التعلق بالأوهام ، وإجباره على التعامل ببراءة وتسامح ومحبة مع المحتل الإسرائيلي الذي يصفعه على وجهه، ويهدم بيته ، ويسرق أرضه ·
إن التاريخ الفلسطيني ـ البريطاني مليء بالدسائس والمؤامرات من قبل بريطانيا العظمى التي كانت منتدبة على فلسطين ، لم يشهد الماضي أية حالة عطف أو تفهم أو إنصاف من قبل بريطانيا لقضية هذا الشعب المستضعف الذي كان يخوض الصراع على جبهة الاحتلال البريطاني ، والعصابات الصهيونية في آن معاً ، ولا يمكن نبذ هذا التاريخ الاستعماري الطافح بالمؤامرات حتى ومحمود عباس وبلير يبتسمان أمام عدسات المصورين في لندن ، الذاكرة ما زالت حية لدى الطفل والشيخ وكل إنسان عربي ومسلم ، وبقدر ما تساهم بريطانيا في تضميد جراح الفلسطينيين ، بقدر ما تبرهن أنها تسير في طريق سياسي منسجم مع حقوق الإنسان ، والشعوب التي ما زالت تطالب بالحرية ، والتي تتحدد فقط بالشعب الفلسطيني على مستوى العالم بأسره ·

اقرأ أيضا

ترامب يصف وزير خارجيته السابق تيلرسون بالجهل