الاتحاد

الملحق الثقافي

التغرودة الإماراتية

د· علي بن تميم

د· علي بن تميم

يدخل كتاب ''التغرودة الإماراتية''، الصادر عن أكاديمية الشعر ،2008 للدكتور غسان الحسن في نقد النوع امَْم ْىُّىكىٍَّ، الذي يعنى بذكر الخصائص الفنية للأنواع الأدبية ذكراً تفصيلياً بغية التفريق بينها بحيث يتم اكتشافها كبنية مستقلة· وهذا لا يعني أن نقد النوع الأدبي هو نقد متشدد يؤمن بفكرة النقاء، وإنما شهد هذا الاتجاه في المرحلة الأخيرة تطورات غنية جعلته يتخلى عن تشدّده في الإلحاح على الفروقات دون المتشابهات التي تجمع الأدب في كتلة موحدة ومنسجمة، ودون أن يعزل نفسه عن الحوض الاجتماعي الذي يساعد على فهم النوع الأدبي· ويدرك قارئ كتاب ''التغرودة'' الوظيفة المقترحة لهذا النوع من النقد عبر رحلة يقوم بها المؤلف مبتدئاً باللحظة المعاصرة ومنتهياً بالإبداع قبل الإسلام، حتى يعيد تشييدها بإلماحات تتعقب علاقتها ببعض النصوص القديمة، لفظاً وإيقاعاً ولغة من أجل أن يحثّ قارئه على إعادة تأويلها وربطها بسياقاتها الاجتماعية والثقافية· والكتاب يقارب أيضاً التغرودة من منظور دراسات الجندر، ولذلك فالمؤلف يؤكد أن فن التغرودة فن ذكوري بالأساس نشأ على ظهور الخيل في النزاعات والصراعات والحروب·
ويظهر لي أننا في حاجة ماسة إلى أن نعيد قراءة الأنواع الأدبية، المندثرة منها على الخصوص، من منظور اجتماعي وثقافي وسياسي دون أن تتمحور قراءتنا على الخصائص الفنية والأسلوبية فحسب· ويصبح بذلك نقد النوع الأدبي عميقاً وقريباً من القارئ لأنه يربطه بالتاريخ والبيئة والثقافة والفن، ولذلك فالكتاب ممتع لأنه يحاول أن يحقق هذا الهدف بشكل مكثّف· ويلاحظ بشكل عام بأن الدراسات الإماراتية في التراث الشعبي المحلي لا تعتمد على معطيات نقد النوع عند دراسة الأشكال الشعبية، على الرغم من أننا في أمس الحاجة إلى استقبال الأشكال الشعرية الشعبية من منظور نقد النوع بتطوراته على يد نقاد ما بعد البنيوية· ونحن بحاجة ماسة إلى دراسات تفسّر لنا الخصائص النوعية في الأشكال الشعبية، وتطورها بعد أن تغامر في فضاء تاريخي مفتوح على الثقافة التراثية العربية·
لقد سعى كتاب التغرودة الإماراتية إلى أن يرصد جملة من العوامل التي ساهمت في تراجع فن التغرودة، ولعل أهم هذه العوامل تعود إلى التغيرات الواقعة في السياقات الاجتماعية والذوقية والحضارية، أي أنها عوامل سياسية وفنية وثقافية·
وتشدني إلماحات المؤلف إلى أن الذائقة الفنية قد تغيّرت، وطرأت عليها جملة من الانكسارات ساهمت بلاشك في تراجع حضور فن التغرودة في الأدب المحلي، خاصة أن فن التغرودة، فن جماعي، وكثير من الأمثلة التي يستشهد بها مؤلف الكتاب، تستخدم '' أنا المتكلمين'' أو أنها تتوجّه إلى متلقٍ معين بضمير المخاطب، ومن المعروف أن أشكال الإبداع المعاصرة تفضل الأشكال الذاتية، تلك التي تعزّز حضور صوت المبدع الفريد الذي يخاطب ذاته ويتكلم بصوته المفرد إلى متلقٍ غير معيّن الهوية بعد أن تعززت الثقافة الكتابية في المجتمع·

اقرأ أيضا