الاتحاد

الملحق الثقافي

آثر الحنين إلى المستقبل ولا يرى لحياته معنى من دون حلم

سليمان العيسى

سليمان العيسى

بنبرة منكسرة كتب سليمان العيسى ذات مرّة: ''كُنَّا نحلُم··/ أنَّا سوف نَهُزُّ الشمسَ/ فتسقُطُ في أرضِ الفقراءِ/ بيادر من قمحٍ وغِلال·/ كنا نحلم··/ ثم قبَضْنا يوماً بعض الضوء/ لتُنْسَفَ فيه أصابعُنا/ ولنعرفَ أنَّ الحُلم مُحال''· إلاّ أن هذه النبرة أملتها، ربما، لحظة معينة، لا يمكن أن تكون إلاّ عابرة في حياة الشاعر السوري الذي وهب عمره وشعره للحلم، واعتبره ملازماً لمعنى وجوده·
في كتابه ''أوراق من حياتي''، الذي صدر عن وزارة الثقافة بصنعاء، بنصّيه العربي والفرنسي، أنجزت الترجمة ملكة أبيض، زوجة الشاعر، يشير سليمان العيسى إلى قول البعض إن الشاعر على امتداد عمره يكتب قصيدة واحدة، ويضيف: ''إنه في الوقت نفسه يحمل حُلماً يصبغ حياته، ويلوّن نتاجه، ويعطيه نكهته التي يُعرف بها''·
فمنذ أن رفعه الزعيم البعثي زكي الأرسوزي بيديه، ووضعه على منبر (نادي العروبة) في أنطاكية ليلقي أولى قصائده في جمهور حاشد، إبان انتفاضة اللواء، وهو تلميذ في المدرسة الابتدائية، إلى آخر قصيدة كتبها، ظل متشبثاً بحلمه العربي الذي فتح عينيه عليه، ولا يجد ما يعتزّ به من نتاجه سواه: ''أعتزُّ بشيء واحد، هو أحلامي التي كانت وراء كل كلمة قلتها في حياتي، ولا أرى لحياتي معنى من دون حلم، وهو من يحركنا، ويحمل العزاء إلينا، في أمرِّ الهزائم، وأقسى الانكسارات''·
والعيسى الذي حلم بوطن عربي كبير موحد ومستقل، تسوده العدالة والحرية، وكانت قصائده شعاراً لأحلام النهوض العربي في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، بقي مخلصاً للحناجر التي تماهى فيها الهتاف بشعره، واعتبر الجماهير هي قصيدته· وعلى الرغم من الزمن العربي المهشَّم، حسب تعبيره، رفض هزيمة الأحلام، أو استسلامها، بل أنه انتقد من دعا إلى هذا المنحى، في إشارة إلى قصيدة لنزار قباني، حيث قال: ''متى يعلنون وفاة العرب''؟ ''لن أعلن وفاتي· إن جذوري تزال في أعماق أعماق هذه الأرض، ونحن لسنا نهاية الدنيا''·
أمة أم مقبرة ضخمة؟
يسرد سليمان العيسى في هذا الكتاب الكثير من جوانب حياته، طفولته وعلاقته بحزب البعث، وتجربته في الشعر والكتابة للأطفال، وعمله مدرساً ثم موجهاً للغة العربية· ففي حارة (بساتين العاصي)، قرية (النُّعيرية) فتح سليمان العيسى عينيه على الحياة عام·1921 وفي (الكُتَّاب) الذي كان يُعَلّم فيه والده الشيخ أحمد العيسى، حفظ القرآن، وأتقن الخط، ودرس النحو والصرف والحساب، وراح يستظهر عشرات القصائد من الشعر العربي قديمه وحديثه، من المعلقات، إلى شعراء العصر العباسي، إلى شوقي وحافظ وخليل مطران والرصافي والزهاوي وبدوي الجبل· وقرأ المجلات التي وفّرها أبوه كـ (العرفان) التي تصدر في صيدا، و(الهلال) المعروفة·
وحين تيسرت الأحوال المادية بعض الشيء لوالده واستطاع إرساله إلى مدرسة (العفَّان) الابتدائية في أنطاكية، أُستقبل هناك بحفاوة ملفتة لقدراته اللغوية والشعرية، وتم إدخاله مباشرة إلى الصف الرابع· وعبر المدرسة انتشرت سمعته الشعرية، ليلقي بعدها في (نادي العروبة) قصائده التي فتحت أمامه أبواب الشهرة، وتوالت بعدها في التظاهرات الوطنية الصاخبة، مع أنه ما يزال في السنة الخامسة من المرحلة الابتدائية· وبعد عامين أو ثلاثة من اشتعالها أخمدت ثورة عرب لواء الاسكندرونة، واغتصب مهد الشاعر الأول، فترك مدينته وقريته الصغيرة، وانتقل مع رفاقه الطلاب إلى مدن سورية وعربية أخرى ما تزال تستوعب أحلامهم في (الأمة العربية)، هذه الأمة، أو كما يقول ''هذه (المقبرة) الضخمة التي تنهال على صدرها كل خناجر الموت منذ عصور طويلة·· ولكنها لا تموت''·
على مأدبة الارسوزي
في حي السبكي بدمشق، وحين كان طالبا في (التجهيز) في مدرسة اسمها الآن (ثانوية جودت الهاشمي) عاش في بيت من غرف ثلاث تطل على شارعين، كانت الغرفة الأولى تخص (الأستاذ) وهو الاسم الذي عرف به الزعيم البعثي زكي الأرسوزي، وفيها ''ينام على السرير الوحيد الذي عرفه البيت آنذاك· أطلال سرير·· كان في يوم من الأيام متماسكاً ثم تعب، فهبط سطحه وغار· حتى رأى الأستاذ نفسه يوماً على الأرض· وحول السرير الغائر، وفي أرض الغرفة، وعلى النافذة·· كانت عشرات الكتب الفرنسية والعربية تنشر بلا نظام ولا ترتيب''، كتب في الفلسفة والأدب واللغة والتاريخ والسياسة والاقتصاد·
أما في الغرفتين فكان يعيش عدد من الطلاب، ما بين خمسة إلى عشرة، يمدون الحصير على الأرض ويفترشون ما يشبه الفراش، متخذين من كتبهم وسائد، ويتبادلون المعطف الوحيد الذي كانوا يملكونه في الشتاء· وفي شتاء 1940 أبلغهم (الأستاذ) بتأسيس حزب (البعث العربي) وحدد لكل واحد منهم مهمة حزبية، وقام سليمان العيسى بمهمة إعادة كتابة مواد صحيفة (البعث) الأسبوعية التي صدرت أعدادها الأولى مكتوبة بخطه الجميل· وكان العيسى ضمن ''أول أربعة من البعثيين دخلوا السجن''، بعد قيام سلطة الانتداب العسكرية بنفي الأرسوزي إلى اللاذقية· وفي هذا البيت الصغير الذي عاشوا فيه أربعة أعوام أو خمسة مع (الأستاذ) نبتت (الموجة) وامتدت ''عبر النوافذ البائسة، المحطمة، لتصبح بعد ذلك (سلطة) تحكم قطرين عربيين''· كان الأرسوزي، حسب العيسى، يكتب باستمرار، ويعلّق على كل ما يقرأ، ويسجل خواطره بخط رديء· ولم يكن ينقطع عن الجلوس اليومي في المقهى إلاّ إذا لم يملك أجرة المقهى، وحينها يجمع الطلاب ما في جيوبهم من نقود، ويدسونها في جيب سترته دون أن يشعر·
ساقية الرصافي وشلال السياب
يمضي العيسى في الحديث عن تجربته في الحياة، ففي أواخر الأربعينيات من القرن الماضي دخل ثانوية المأمون في حلب مدرساً للغة والأدب، ويذكر أنه في الدروس الخاصة بالموشحات الأندلسية كان يُسمع الطلاب أثناء الشرح أغاني الموشحات التي لحنها الرحبانيان وغنتها فيروز·
ومرورا بدار المعلمين الابتدائية بحلب، تم اختيار العيسى عام 1967 موجهاً أول للغة العربية في وزارة التربية بدمشق· وعبر هذا الموقع التربوي عمل العيسى مع زملاء له على تغيير الكثير من أسس المنهج المتبع في الجانب الأدبي، ومن ذلك، كما يذكر، التعديل في قصة الحمامة والثعلب ومالك الحزين، حيث لم يعد النصر لقيم الحيلة والمكر والعدوان والظلم المتمثلة في الثعلب· كما تم الانفتاح على النتاج الأدبي العربي المعاصر من شعر وقصة ومسرح ومقالة وبحث، وكذلك الانفتاح على التراث العالمي الإنساني· واختار العيسى قصائد الشاعر بدر شاكر السياب لطلاب الشهادة الثانوية، منتقداً ما كان في المنهج السابق· وهو إذْ لا يعرف لماذا كان أبوه لا يحب الرصافي والزهاوي، فإنه صار يدرك مستوى شعر الرصافي بمقارنته بشعر السياب: ''فبين الرصافي والسياب في الشعر ما بين الساقية الضحلة الفقيرة والشلال الرائع الزاخر بالحيوية والجمال والأسرار''· وتم التجديد في مواضيع ومواد التعبير لتشمل كل ميادين الحياة، حيث ''مضى عهد كانت فيه كتب المنفلوطي والرافعي وجبران وأمثالهم رائدة الإنشاء وقدوة التعبير عند الناشئة والمتعلمين''، مع أن هؤلاء الأساتذة لم يقدموا لنا ''إلاّ القليل من النافع والمفيد· لقد ظلت تجربتهم على السطح، ولغتهم تدور في الفراغ، وتُلهي نفسها وتُلهينا بالانفعال الرومانسي والزخارف الفارغة والنظرة القاصرة لمشكلات الحياة والمجتمع''·
وكان العيسى الذي تعرف على مختلف الآداب العالمية، خاصة أنه يحسن اللغتين الفرنسية والإنجليزية، قد أتجه إثر نكسة حزيران 1967 إلى الكتابة للأطفال، حيث آثر الحنين إلى المستقبل، كما يقول· وظل الشعر القومي يلقي بظلاله وألوانه على كل ما في الوجود من حوله، فمن العروبة ينبع شعره وفي العروبة يصب·

اقرأ أيضا