الاتحاد

الملحق الثقافي

مقاطعة لم تثمر·· ومواجهة لم تتم

شعار معرض الكتاب الفرنسي

شعار معرض الكتاب الفرنسي

قد لا يعرف الكثيرون أن الدعوة لمقاطعة معرض الكتاب الفرنسي لهذه السنة انطلقت من اسرائيل ذاتها، وذلك عندما طلب الشاعر ''آرون شابتاي'' سحب اسمه من قائمة الأربعين كاتبا المدعويين، رافضا المشاركة في ''حدث دعائي'' لصالح اسرائيل ـ كما قال ـ بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس دولة يعتبر سياستها ''استعمارية وعنصرية''· وقد نشرت جريدة ''لي غرون سوار'' الفرنسية يوم 5 فبراير الماضي رسالتين: رسالة الدعوة التي وجهت للشاعر والمترجم ''آرون شابتاي''، للمشاركة في المعرض مع رسالة إجابته برفض المشاركة، وقد نشرتا تحت عنوان كبير: ''الحضور الاسرائيلي في معرض الكتاب بباريس: الشاعر آرون شابتاي يقول لا''·

يقول شابتاي في رسالته الرافضة الموجهة إلى منظمي المعرض ما حرفيته: ''لا أعتقد أن دولة تقيم استعمارا وترتكب يوميا جرائم ضد المدنيين، تستحق أن تُدعى لأي أسبوع ثقافي مهما كان· إنها حركة ضد الثقافة، إنها حركة بربرية متنكرة بالثقافة· هذا يبرهن على مساندة لاسرائيل وربما أيضا لفرنسا التي تؤيد هذا الاستعمار·
وأنا، لا أريد المشاركة في هذا''· تبدو رسالة شابتاي أكثر حدة من كثير من المواقف العربية التي أعلنت، على مستويات رسمية وغير رسمية، رفض المشاركة في معرض باريس السنوي للكتاب احتجاجا على استضافته اسرائيل كضيف شرف بمناسبة الذكرى الستين لتأسيسها· ومع ذلك جرى تحميل المواقف العربية أكثر مما تحتمل المعاني الثقافية لهذا الحدث ولتلك المقاطعة·
من إسرائيل
''بيرنار لوبياس'' المراسل لصحيفة ''النوفو أوبسيرفاتير'' الفرنسية سافر إلى اسرائيل وأجرى تحقيقا ـ بين مدينتي تل أبيب والقدس ـ مع ثلاثة عشر كاتبا اسرائيليا· منهم من هو من أصول عربية أو يجيد اللغة العربية أو ولد أو عاش في إحدى البلدان العربية كمصر وسوريا والعراق والمغرب· وفي هذا الملف إجابات وأراء كثيرة تتعلق بتأييد أو رفض مقاطعة معرض الكتاب الفرنسي، برؤى وخلفيات متعددة، نشير في ما يلي إلى بعضها:
يشرح ''باني زيفار'' وهو كاتب ورئيس تحرير الملحق الثقافي لصحيفة ''هآرتس'' الإسرائيلية أسباب دعوته بقية الكتاب الاسرائيليين لمقاطعة معرض الكتاب الفرنسي قبل الانطلاقة الرسمية للمعرض بأيام قليلة، فيقول: ''من الوقاحة ذهاب الكتاب الاسرائيليين إلى باريس لتلقي التقديرات والتمجيدات بينما الأمهات الفلسطينيات يبقين عالقات في البرد عند نقاط التفتيش''· ويشرح زيفار العديد من المشاكل التي سبقت الدعوة إلى معرض الكتاب أو رافقتها على النحو التالي: ''أولا سفارتنا التي قامت بالاختيار، لم تختر إلا كتاب اللغة العبرية مقصية ثلثي الساحة الثقافية الاسرائيلية، في حين أن هذه تضم نسبة كبيرة تعتمد اللغة الروسية اضافة إلى أخرى تعتمد العربية''·
أما المشكلة الثانية في رأي زيفار فهو: ''الاختيار العشوائي للكتاب من قبل بيروقراطيي السفارة الذين ألغوا أسماء كبيرة مثل الشاعر ''ناثان زاخ'' بالرغم أنه يكتب بالعبرية''·
ويحدد زيفار المشكلة الثالثة بقوله: ''تعتبر الحكومة الاسرائيلية أن الكُتاب هم مندوبو دعاية· انطلاقا من اللحظة التي توفر لهم فيها الإدارة بطاقة الطائرة، تتوقع من كل كاتب أن يخدم القضية الاسرائيلية وهي تطالب رسميا بهذه الدعاية من خلال عقد يتوجب على كل كتاب توقيعه''·
ويسأل المراسل الفرنسي الكاتب الإسرائيلي: هل أنت جدي؟ فيجيب زيفار: ''بكل تأكيد، الكاتب الاسرائيلي الكبير ''ياهوشييا كاناز'' مثلا لم تتم دعوته إلى فرنسا لأنه رفض توقيع هذه الوثيقة· مع العلم أن ابداعاته مترجمة من العبرية إلى الفرنسية منذ سنوات وبصفة كبيرة''·
ويستفز الصحفي الفرنسي الكاتب رئيس تحرير الملحق الثقافي لصحيفة ''هآرتس'' بسؤاله: البلدان التي قاطعت المعرض هي بالأساس بلدان عربية مثل لبنان، اليمن، السعودية، تونس، الجزائر، المغرب··· ألا تخشى أن تتهم بأنك تلعب لعبة أعداء اسرائيل؟ فيجيب: ''أعتقد أنه وفي كل الحالات أن البلدان العربية كانت ستدعو للمقاطعة· من المهم أيضا أن يتحرك الكتاب الاسرائيليون وألا يتركوا لهذه البلدان امكانية النقد· إضافة إلى أنني أتعاطف مع الناشرين والكتاب العرب الذين وبسبب المقاطعة سيُحرمون من العرض في معرض الكتاب''·
القائمة المختارة
اما سعيد كاشييا الكاتب العربي الاسرائيلي الوحيد الذي دعي رسميا إلى المعرض، فيرى أنه ضحية لمبدأ القائمة المختارة من المنظمين للحدث والتي ألغت الكتاب الاسرائيليين الذين يكتبون بالروسية والبولونية والعربية و''الايديش'' ـ وهي لغة يهودية مختلفة تكونت في ألمانيا وروسيا ـ مكتفية فقط بدعوة الذين يكتبون بالعبرية· سعيد الذي يشكو من معاناته الدائمة بسب عدم تقبله المطلق ـ سواء من المجتمع العربي أو الاسرائيلي ـ وليقطع سريعا الطريق أمام أي تهمة بالخيانة، قرر أن يدفع تذكرته واقامته بالفندق أثناء مشاركته في المعرض·
من جهته ''رون براكاي''، وهو مؤرخ وأستاذ محاضر في اختصاص ''العلاقات بين المسيحية، اليهودية والاسلام في الأندلس في القرون الوسطى'' وصاحب رواية ''كفيلم مصري''، لا يخفي أسفه على هامش معرض باريس للكتاب فيقول:
''أنا هنا أحارب من أجل التحاور مع ''حماس'' فلماذا لا أذهب للتحاور مع الفرنسيين؟ خاصة اليهود الفرنسيين، الذين أريد أن أقول لهم شيئين أو ثلاثة حول اسرائيل:
لا تجعلوا هذا البلد مثاليا، هذا البلد الذي يرتكب انتهاكات فادحة بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي اسرائيل ذاتها· كيف يمكن تضييع هذه الفرصة؟ أرجو أيضا التحاور مع العرب المقيمين في فرنسا، وتبادل الآراء معهم وسرد ما يحدث هنا على مسامعهم''· ويرى رون براكاي أن مقاطعة هذا المعرض هي حماقة أخرى ويتساءل: كيف يُقاطعون كتابا أغلبهم يحارب لأجل السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين؟''·
حديث الأرقام
ليس من الغريب أن يسمي ''بيرنار لوبياس'' مراسل صحيفة ''النوفو أوبسيرفاتير'' الفرنسية ملفه: ''اسرائيل بلد الكتاب''، فالمتابعة الفرنسية للإصدارات والعناوين الجديدة في إسرائيل قديمة العهد، وحركة الترجمة من العبرية إلى الفرنسية ناشطة منذ سنوات طويلة، وتصب جهودها خصوصا على الأعمال الإبداعية في مجالات القصة والرواية· ومن يتابع هذه الحركة يلحظ أن دور النشر الفرنسية تتسابق إلى نشر الكتب الإسرائيلة سواء الأدبية أو التاريخية، ونحن هنا لا نحكي عن دور نشر صغيرة أو محدودة الانتشار أوروبيا وعالميا بل نحكي عن دور شهيرة مثل ''غاليمار'' و''سوي'' و''غراسيه'': دور نشر كل ما يصدر عنها سنويا من كتب يحمل شهادة رسمية في الجودة بالنسبة للمتلقي الفرنسي والعالمي··· والملفت أن ''المكتب العالمي للنشر الفرنسي'' أعد قائمة مدعومة بالأرقام والإحصائيات، بعد تحقيق أجراه حول وضع الكتاب في اسرائيل· وحينما نشر ''برنار لوبياس'' في ملفه الخاص عن إسرائيل، حصيلة تلك الأرقام والإحصائيات، مقارنا بينها وبين أرقام مبيعات الكتب الفرنسية أبدى تحسره على الفرق الشاسع بين البلدين لصالح اسرائيل· ما يجعلنا في مقابل ذلك ان نمتنع عن إجراء مثل هذه المقارنة بين عالمي النشر وحركة الكتاب في إسرائيل والدول العربية، لأن المقارنة لا تجوز وفقا للإحصاءات الرسمية وغير الرسمية·
يعتبر بيرنار لوبياس تلك الأرقام انها ''مؤثرة وتكشف عن الحركة الثقافية الاستثنائية التي تشهدها اسرائيل''·
ففي مجتمع يضم 17,5 مليون ساكنا، يباع سنويا 35 مليون نسخة ـ بحسب الإحصاء الفرنسي ـ ما يعني أن كل شخص يعيش في اسرائيل يتحصل سنويا على 5 كتب، أي تجاريا ما يعادل 372,4 مليون يورو·
وإذا ما تم تجزئة هذا الإحصاء وفقا للأصول الاثنية للذين يعيشون في إسرائيل (عرب، يهود، مسلمون إلخ··)، ثم إذا تمت التجزئة وفقا لاعتبارات المستويات الثقافية والتعليمية والاقتصادية لكل مجموعة عرقية، فإن نتائج الإحصاء سوف تكون مذهلة على كل صعيد· وفي حديث الأرقام أيضا، ودائما بحسب الإحصاء الفرنسي، فإنه يوجد في إسرائيل 1452 ناشرا ـ منهم 996 نشاطهم الرئيسي هو النشر ـ يتولون إصدار 4000 عنوان سنويا· أما عملاقا النشر في إسرائيل فهما: ''كيتار'' و''كينارت''، فيسيطران معا على سوق الكتاب بما يزيد عن 70 بالمائة من حجمه المالي·
وبالعودة إلى معرض باريس للكتاب، وإعلانات المقاطعة العربية له من جهة، أو مواقف بعض الكتاب الإسرائيليين منه من جهة ثانية، فهل كان للمقاطعة العربية جدواها، وهل حققت إسرائيل من حضورها مرتجاها؟ لقد سأل ''بيرنار لوبياس'' الكتاب الإسرائيليين عن آرائهم في معرض الكتاب الفرنسي سواء من حيث مبدأ المشاركة أو في المقاطعة العربية، لكن أسئلته اجمالا ركزت على: الثقافة الاسرائيلية ومدى تماسها التاريخي والآني مع الصراع الفلسطيني (العربي) ـ الاسرائيلي، وحول البلدان التي أتى منها هؤلاء الكتاب··· لغاتهم الأولى، مدنهم الأولى والثقافات التي ينحدرون منها وقد كان سؤال ''هل مازلت تجيد اللغة العربية وهل تستعملها؟'' يتكرر كلما كان الكاتب قادما أو مولودا في بلد عربي···
وإذا عكسنا هذا السؤال عربيا، فهل يصبح ذا مغزى هنا نقول: كم مثقف، باحث، أو جامعي يجيد أو يفهم أو يحاول معرفة اللغة العبرية؟ منذ سنتين سألت صديقا مصريا ـ مُجاز في اللغة العبرية ـ
السؤال الكلاسيكي: ''كيف نقول أحبك بالعبرية ؟ ثم استدركت مندهشة ولكن هل يقول الاسرائيليون ''أحبك؟''·
إن عدم معرفتنا بلغة الآخر خاصة إذا ما كنا في مواجهة دائمة معه - يوقعنا في فخ العجز والجهل: كيف يفكر هذا الآخر ـ العدو؟ بماذا يفكر؟وكيف؟ وماذا يكتب؟ كيف هم أبطال حكاياته؟ وما هي حكاياته؟
ابداعيا، ما عدا رواية ''خربة خزعة'' للكاتب ''يزهار سميلانسكي'' التي ترجمت منذ سنوات بعيدة لا نعرف شيئا عن الابداع الاسرائيلي في حين أن ''أندلس'' وهي من أهم دور النشر الاسرائيلية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، متخصصة في ترجمة ونشر الأدب العربي إلى اللغة العبرية·
هل أضاع العرب فرصة معرض باريس، لإبلاغ العالم، أو الفرنسيين على الأقل، أن هذه الثقافة التي يحتفون بها تقوم على النفي، نفي الآخر كيانا وبشرا وثقافة وابداعا، ولو حضر العرب إلى باريس حاملين مثل هذه الرسالة هل كانوا سينقلونها على أفضل وجه، على عكس ما فعلوه قبل سنوات عندما حلوا هم ضيوف شرف على معرض فرانكفورت الدولي للكتاب؟ على امتداد التاريخ الانساني، كانت الثقافة هي السلاح الأكثر صمتا والأشد فعالية الذي تتوسله الحكومات الاستعمارية، و''اسرائيل ضيف شرف في معرض الكتاب الفرنسي لسنة ''2008 حدث ثقافي أسال حبرا كثيرا وفجر أسئلة أكثر··· ما بين المقاطعة والمواجهة العربية··· فهل نمتلك حقا السلاح الثقافي اللازم للمواجهة؟

اقرأ أيضا