صحيفة الاتحاد

رأي الناس

بيت سعيد لا يهدده الطلاق

حديث الأزواج الطيبين والأزواج الذين لا تهمهم العشرة ولا تؤثر فيهم روح العائلة لا ينقطع في عصر تغيرت فيه الكثير من المفاهيم الزوجية، فكثيراً ما نسمع عن تصدع البيوت لترقد في مهبط الطلاق الضيق، بعد أن كانت تحلق في سماء العيش الهانئ والحياة المنطلقة من غير خوف، إذ أصبح هذا العصر يعج بمشكلات الطلاق بين الأزواج الجدد والأزواج الذي عمروا البيوت سنوات طويلة، فما الذي حدث لنسيج الأسرة ومن السبب في تمزيق أوصالها وتفككها؟ الحسابات كثيرة والدراسات عجيبة التي أظهرت نتائج حقيقية تلمس واقع حياة ما بعد الطلاق، وحياة الأزواج الذين هم على حافة الوقوع في فخ الخلافات، فمن يصدق أن الأجيال التي تربت في كنف أمهات صابرات وآباء أصحاب مهابة لم يتمثلوا هذا الجيل، ولم يعرفوا سر نجاحه، فضاقت بهم الحياة واستقر بعضهم في دوامات العزلة، مضحياً بالزوجة والأطفال والبيت إن لزم الأمر، ومن يصدق أن الزوجة التي كان حلمها، بالأمس وهي فتاة، أن تتزوج وتسكن إلى رفيق العمر وشريك الحياة تتركه في أول الراوية أو في منتصفها، وربما في خريف العمر. من المؤكد أن هناك أشياء متغيرة، ووجهات إنسانية جعلت بعض الناس لا تستقر في الحياة التي يؤانسها زوج وزوجة، ويظللها بيت بسقف وجدران، من المؤكد أن هناك انبعاثات ضارة وهزات متلاحقة تترصد الأسرة بمكوناتها العريقة، فهل من المعقول أن تتزايد معدلات الطلاق، وتتفتت الأسر، وتهوى في مستنقعات الوحدة والفراغ لأسباب عصرية وغير عصرية كما تذكرها بعض الدراسات، وأسباب قهرية أيضاً يرصدها علم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ والثقافة وعلم التربية؟ إذن كيف تأهلت الأمهات القدامى ليصبحن في سن صغيرة سيدات بيوت من الدرجة الأولى؟ إن جميعهن بلا استثناء لم يحضرن محاضرات عن تأسيس الأسرة وكيفية التعامل مع الزوج والاهتمام بالبيت وأطفاله كأولوية، كونهن تأثرن بأمهاتهن في الصبر والحكمة، وفي المقابل الرجال الذين تنفسوا الهيبة قديماً فالتزموا البيوت وطوعوا الزوجات بحب واحترام للمسؤولية الحقيقية والقيمة الأكبر التي رفعت دعائم البيوت. إن العصر الحالي بكل بواعثه التكنولوجية وشوامخه الرقمية وبنائه المعرفي يسبح بعيداً عن الأسرة وصلابتها، وهو ما يستدعي أن تكون كل وسائل التواصل الاجتماعي أدوات فاعلة في تدعيم الأسرة وترابطها، وأن يعي كل زوج قديم أو جديد أن الأهم من الطلاق هو حل الخلافات، والبحث عن تهيئة القلب لامتصاص الغضب، وتقبل الآخر الذي يعيش معه في البيت بحب وحنان، وماذا سينقص من قدر المرأة لو تعاملت مع الرجل بشيء من الخضوع والإذعان، ومنحته الهيبة التي يستحقها، ماذا سيضير كل رجل لو أنه هبط من برجه العاجي ونفسه العالية ليراعي المرأة بحب وحنان، ويهجر الصمت داخل جدران البيوت ليدير حواراً دافئاً؟ إن كل رجل وامرأة في حاجة إلى الوقوف على أسباب بقاء الأسرة الأم القديمة، لكي يستمد القوة ويحافظ على الأسرة الصغيرة التي كونها، حتى لا يضيع الصغار تحت معاول العناد، ويحرم طفل من أبيه، وتحرم أم من بنيها، وتصبح المحاكم ساحة لمن يرغب في الحضانة، ومكان آمن لمن يريد أن يولي ظهره ويترك الجمل بما حمل هرباً للوحدة وللذات، إن مجتمعنا هو أسرتنا، ويجب أن نتماسك ونلتحم لكي تتكاثر الأسرة ولا تفترق في مفترق الطرق بكل الحيل العصرية والإنسانية الأصيلة، حتى يكبر الصغار بلا تبعات نفسية، ويهنأ الرجل والمرأة تحت عرش بيت سعيد على مدى الأيام والسنين.

محمد الهاشمي - أبوظبي