الاتحاد

عربي ودولي

تركيا ·· سكان يعتنقون المسيحية ومخاوف من فتنة طائفية

أنقرة: سيد عبد المجيد
أن توجد أعراق وإثنيات في عموم الأناضول، فهذا معروف ومفهوم· ومنذ ميلاد الجمهورية قبل ما يزيد على ثمانين عاما، حاولت الكمالية الجديدة صهر الكل في بوتقة واحدة، ألا وهي القومية التركية، وما تعنيه من: الملة الواحدة واللغة الوحيدة والأرض التي لا تتجزأ· وأمام الضغوط الأوروبية ظلت أنقرة عنيدة إلى أن جاءت لحظة الحقيقة، وحتمية الاختيار: فإما هذا أو ذاك· ولأن الاتحاد الأوروبي لا بديل له هنا لبت أنقرة الاستحقاقات المطلوبة· فاعترفت بحق الأقليات الكردية بوجه خاص في الثقافة واللغة· وعندما تطرقت المعايير إلى الأقليات الدينية، لم تذكر الأقلية المسيحية، ربما لقلة عدد المسيحيين الأتراك الذين لا تتجاوز نسبتهم حسب المصادر المسيحية التركية غير الرسمية 2 بالمائة من مجمل السكان وربما وهذا هو الأهم أن هذه الأقلية لا تعاني مشاكل حادة· وهو ما يعني أن وجهتي نظر أوروبا وتركيا الرسمية متطابقتان في هذا الشأن·
فجأة ودون إنذار
لكن قبل أسابيع قليلة، بدت تركيا وكأنها على موعد مع حدث، لم يكن مدرجا في أجندتها· والرأي العام من جانبه، بدا هو الآخر مذهولا، فالأناضول يعيش بوادر فتنة طائفية· بيد أن الدوريات السيارة والصور المتلفزة باتت تظهر وعلى نحو غير مألوف الهلال والصليب متباعدين دون أن يتعانقا، ليس لأنهم لا يريدون ذلك فقط لم يدر بخلدهم أن الرمزين يعيشان أزمة قد تجعل تركيا على موعد مع استحقاق جديد، وتلك مشكلة في حد ذاتها·
كان الرئيس السابق سليمان ديميريل ( 1993 ـ 2000 ) يحلو له أن يفاخر بأن بلاده بها ما يزيد على ثمانين ألف جامع· وللإنصاف لم يكن مطلوبا منه أن يذكر الناس كم هي عدد الكنائس في عموم الأناضول، ربما لسببين: الأول أن ما قاله الرئيس التاسع للجمهورية، كان يأتي دائما وأبدا للرد على هؤلاء الذين يغالون في نعت تركيا بأنها جمهورية تعادي الإسلام، كونها انتهجت صراحة النسق العلماني كمنهج حياة· والثاني، وقد يكون هو الأهم، هو كون الغالبية الكاسحة من الشعب التركي تدين بالإسلام· ورغم ذلك يمكن للمرء الوافد أن يلحظ عددا من الكنائس في بعض المدن التركية الكبرى مثل مدينة 'اسطنبول' بالإضافة إلى 'اوردب' و'انطاليا' و'بدروم' ومدينة 'أزمير' الواقعة في منطقة الجنوب الغربي على بحر ايجه·
الطريف في الأمر أن الأخيرة تظهر أمام العالم ككل، بكونها المدينة التي احتضنت بعض ساعات من حياة 'العذراء مريم' ( يقال ساعتين)· وهكذا صارت 'أفس'، والتي تقع في ضاحية 'سلجوق'
(بتعطيش حرف الـ ج) على بعد 70 كيلو مترا من وسط 'أزمير'، منذ ذلك التاريخ البعيد، ربوة عالية ( 3000 متر عن سطح البحر)، يفد عليها آلاف المسيحيين سنويا يضيئون شموعا في محراب المكان المقدس الذي مكثت فيه السيدة العذراء برفقة يوحنا المعمدان· أضف إلى ذلك أن أزمير نفسها تتفوق على مدينة اسطنبول التاريخية بيد أن بها واحدا من أقدم المعابد اليهودية في العالم·
انطلاق التعاليم المسيحية
يلعب كل من التاريخ والجغرافيا دورا مهما في شكل ومضمون العلاقة التي ستنشأ بين الإسلام والمسيحية في مجمل ربوع هضبة الأناضول· فالكنائس توجد في مدن لها سمات خاصة منها: أنها كانت محطات مهمة في تاريخ البلاد، فضلا على كونها متاخمة للقارة الأوروبية العجوز، مثل 'أدرنة' في شمال غرب الأناضول و'اسطنبول' (القسطنطينية سابقا) وتلك الأخيرة لها حكاية طويلة مع الآخر الديني بيد أنها كانت جزءا من سجال طويل ومعقد وقد يكون له علاقة بالحاصل الآن في المدينة نفسها· فمنذ أن دخلها فاتحها السلطان 'محمد الفاتح' عام ،1453 صارت القلب النابض في العالم التركي، وعاصمة الخلافة العثمانية وفي نفس الوقت باتت المدينة طرفا في التنافر الحاد بين ما هو إسلامي وما هو مسيحي· فـ'الفاتح' وهو يدشن عهدا جديدا، كان حريصا أن يؤكد أن اسطنبول استعيدت من يد الكفرة· هكذا كان توصيف السلطان العثماني الشاب في ذلك الزمان بالتزامن كان السجال على الضفة الأخرى من القارة الأوروبية دينيا محضا فهناك سيكون معسكر الإيمان وما دون المسيحية هم الكفرة الملاحدة· بيد أن الاتراك كانوا 'نقمة رب غضوب' و 'برابرة قساة غلاظ القلوب'·
أما مدن الجنوب الغربي، فقد شهدت نزوح مسيحيين هاربين من الصراع الدموي بين الكاثوليك والبروتستانت من جانب· ومن جانب آخر الخوف من محاكم التفتيش المرعبة، وكانت مدن ايجه المرفأ والملاذ لهم، ويقال إن هؤلاء لم يجدوا سوى الترحاب من السكان الأصليين· ولعل الكنائس القديمة الموجودة ما هي إلا انعكاس لروح التعايش والتسامح آنذاك، وهو ما ينطبق أيضا على مدن الجنوب الشرقي مثل: 'أنطاكيا' و'الاسكندرون' و'ديار بكر' والثلاث على تخوم مشتركة مع سوريا والعراق· ورغم كل ذلك، بدا الحاضر وقبله ماض قريب نسبيا كاشفا عن ملمح مشترك، سواء في مدن الشمال الغربي أو الجنوب الغربي أو الجنوب الشرقي، ألا وهو أن جميعها تبدو وكأنها تواجه مشكلة في بناء كنائس جديدة· وبالانتقال نحو وسط وشرق تركيا، الأمر يبدو مغايرا بصورة واضحة· فالآخر الديني يبدو غير ملموس في المدن المطلة على البحر الأسود بالإضافة إلى قلب الأناضول بما فيها العاصمة أنقرة، وبالتالي فالكنائس تكاد تكون نادرة· ورغم ذلك تبدو هناك ملاحظة مثيرة وجديرة بالتوقف عندها· فمدن مثل 'يوزجات' و'تشورم' القريبتان نسبيا من العاصمة أنقرة قيل إنهما كانتا نقطتي انطلاق للمسيحية نحو أوروبا وهو ما ذهب إليه علماء حفريات ألمان مكثوا شهورا طويلة في ربوعهما للتنقيب والبحث إلى أن خرجوا بعدها إلى تلك النتيجة·
المنازل بديلة للكنائس
على الصعيد المعاش لم يلحظ المراقب في هذا البلد وجود ضغائن أو أحقاد ظاهرة بين الغالبية المسلمة والاقليات الدينية الأخرى خصوصا المسيحية عزز من ذلك عدم وجود شكاوى أو تقارير تفيد بأن هناك اضطهادا للأديان التي تبدو في الظاهر حرة لا توجد ضدها قيود تحد منها هذا ما كان يشعر به المراقب المعايش زاد أنه لم توجد دعوات أو مظاهرات أو حالات احتقان في المجتمع· لكن، وعلى ضوء شواهد ظهرت أمام العيان، أن ما سبق لم يكن سوى سراب فتحت السطح بدا وكأن هناك بركانا على وشك الانفجار، ومع هذا الإرهاص يكتشف الرأي العام أن أقرانهم في الوطن يعانون الغبن والاضطهاد·
الطريف أن هذا الاكتشاف جاء بعدما ظهر وعلى نحو مفاجئ سيل من المنشورات 'التبشيرية' التي كادت تغطي اسطنبول وفيها دعوات صريحة بالعودة إلى الصواب واعتناق المسيحية·
ولم يقتصر الأمر على المدينة التاريخية، فأنقرة العاصمة وبعض مدن الجنوب الشرقي نالت جزءا من الحملة التي يبدو أنها لاقت استجابة، وتم بالفعل اعتناق نحو 1800 شاب المسيحية، زاد أن هؤلاء حصلوا على عقود عمل في اليونان وتلك في حد ذاتها مشكلة على أرضية العداء التاريخي بين البلدين ··
وعلى الفور التقطت الميديا المرئية القضية، وراحت تناقش أبعادها على الهواء مباشرة في إطار من الشفافية، وبنبرات حادة خرجت أصوات تركية مسيحية، تطالب بالحرية الدينية في تركيا الجمهورية العلمانية، متسائلين: أين نقيم شعائرنا ؟ فبناء الكنائس أمر صعب إن لم يكن مستحيلا في ظل القانون 'الهمايوني' بقيوده شديدة التعقيد الذي لم يتغير رغم أنه وضع في كنف الإمبراطورية العثمانية المنقضية، والنتيجة أن المواطنين اضطروا إلى تأجير أماكن سكن، وتحويلها إلى أمكان للتجمع وإقامة الشعائر الدينية·
ولأن الأمر مخالف للقانون، هكذا قالوا ولا زالوا يقولون، فهذه الأماكن معرضة وبشكل متعمد للتفتيش من قبل أجهزة الأمن بحجة عدم الحصول على ترخيص، في حين أن الأخير ممنوع بحكم القانون فكيف التصرف إذن ؟ ومضى الغاضبون يسردون وقائــع الاضطهاد بقولهـم إن الفقراء في مدينة 'بولو' (التي تقع في منتصف الطريق بين اسطنبول وأنقرة العاصمة) لم يجدوا مفرا سوى تحويل منازلهم لاماكن عبادة فيها يقيمون الصلاة·
الصحافة من جانبها، علقت على اعتناق بعض المواطنين للمسيحية في جنوب شرق البلاد الذي يعاني من أوضاع معيشية واقتصادية صعبة وتناقص فرص العمل بقولها: إن هؤلاء بعد أن كانوا فريسة سهلة للجنوح نحو الإرهاب الانفصالي وجدوا في اعتناق الآخر الديني بديلا أكثر سهولة ويسرا
وهكذا صارت 'تركيا' في أتون أزمة، هي في كل الأحوال مازالت في البدايات، وبالتالي فالنخبة مطالبة باحتوائها قبل أن تصبح معضلة· أما مسألة المنشورات، فالدولة التي تقترب من عضوية الاتحاد الأوروبي لا يمكن لها أن تجرم سواء القائمين عليها أو الذين يتداولونها ومن ثم فالمواجهة تتطلب معالجة دقيقة وواعية، وتلك ستكون مهمة المؤسسات الدينية الرسمية التي شرعت بالفعل في إعداد حملة توعية للشباب ·· فهل ستنجح هذا هو السؤال ؟؟

اقرأ أيضا

متظاهرون في كييف يطالبون زيلينسكي بعدم الرضوخ لضغوط موسكو