الاتحاد

ثقافة

سمر يزبك تلامس العلاقات المشوهة في رائحة القرفة

صدرت عن دار الآداب في بيروت مؤخراً رواية جديدة للكاتبة السورية سمر يزبك بعنوان ''رائحة القرفة'' وتقع الرواية في 176 صفحة من القطع الصغيرة، كما تعد هذه الرواية الثالثة لها بعد ''طفلة السماء'' و ''صلصال''·
ومن خلال هذه الرواية تحاول سمر يزبك أن تكشف المستور وأن تدخل عوالم قلما تم الدخول إليها في التجارب الأدبية العربية، وهي تتحدث عن علاقات خفية في مجتمعات تعتبر هذا النوع من العلاقات يوازي العار· وتكتب دار الآداب على الغلاف الأخير لرواية سمر يزبك تفتح عوالم مغلقة وممنوعة الإشهار، لأنها تمس أكثر مكامن الوجع في روح الإنسان الخائف والمقموع
تدور الرواية حول علاقة مثلية بين سيدة دمشقية من عائلة راقية وغنية حنان الهاشمي، وبين خادمة آتية من القاع الاجتماعي الأكثر بؤساً في محيط دمشق عليا · تبدأ الرواية من اللحظة التي تكتشف فيها حنان الهاشمي أن خادمتها تخونها مع زوجها المريض والممدد في غرفة أخرى، زوجها وابن عمها الذي تزوجته حتى يبقى نسل العائلة حياً، ولكنهما بعد زواج طويل لا ينجبان أطفالاً· تثور حنان على الخيانة وتطرد خادمتها عليا في الليل من فيلتها التي تقع في منطقة معزولة مع فيلات أخرى أقاموها أغنياء دمشق·
تخرج عليا من الفيلا مطرودة وتأخذ الرواية شكل الروي الاستعادي من ذاكرة المرأتين، لتصور عالمين متصادمين ومتفارقين، واحد واسع الغنى والثراء وآخر شديد الفقر والشح· ومن هذين العالمين جاءت المرأتين في رواية يزبك· تستعيد حنان حياتها في اللحظات التي تفكر فيها كيف طردت عليا في الوقت الذي تحتاجها أشد احتياج، وتشعر نفسها واقعة في غرامها، ولكنها تكابر في استعادتها، تتذكر البيت الذي عاشت فيه طفولتها، وعلاقتها مع زوجها الذي كان في البداية أخاً عندما كانت صغيرة ثم تحول إلى ابن عم ومن ثم إلى زوج كريه تنبعث منه رائحة الموت، ويشبه تمساحاً رخواً ·
لا تحاول الرواية أن تصور لقاء العالمين فحسب، بل تحاول أن تصور العوالم الداخلية التي أتت منها كل من حنان وعليا· فهذه العلاقة التي بدأت عندما أتى والد عليا إلى بيت حنان الهاشمي وسلمها ابنته مقابل مبلغ كبير من المال، ولم يعد لرؤية ابنته مرة أخرى، ما يعني أنه باعها· تأتي مفارقات العلاقة بين المرأتين من انقلاب العلاقة بينهما ليلاً ونهاراً· فحنان الهاشمي السيدة في النهار والتي تمارس سيادتها كاملة، في الليل تترك سيادتها إلى خادمتها التي تقودها في السرير·
يأتي هذا النوع من العلاقات من القيود الشديدة التي تفرضها العائلات الدمشقية الغنية على بناتها، ولأنها كذلك فهي لا تغامر في إقامة علاقة مع رجل، لأن انكشاف هذه العلاقة يقود الى كارثة، لذلك تلجأ النساء من الطبقة الراقية إلى إقامة هذه العلاقات المثلية، إنها علاقات غير خطرة، واجتماع النساء مع بعضهن لا يعطي أي شبه، ومن خلال استعادات حنان نكتشف أن عليا ليست علاقتها الأولى أو الوحيدة، بل أنها أقامت قبل ذلك هذا النوع من العلاقة مع نازك المرأة الدمشقية التي تنتمي إلى ذات طبقتها·
عليا الطرف الثاني في العلاقة تأتي من عالم سفلي عانت فيه الكثير، وعملت مع الصبيان في نبش القمامة من الحاويات، للبحث عما يصلح للبيع· جاءت من بيت فيه رجل يعيش على حساب امرأته التي تخدم في البيوت، كوم من اللحم يعيش في غرفة خربة، وفوق عذاباتهم يعذبهم طوال الوقت، عالم فيه من التشويه والجريمة والأحقاد والمآسي الكثير·
يدوم زمن الرواية جزءاً من ليلة واحدة، تتذكر فيها الخادمة المطرودة حياتها التعيسة التي ستعود إليها بعد أن طردت من الجنة· وتتذكر حنان الهاشمي حياتها وعلاقتها بعليا التي غيرت حياتها ولتكتشف نفسها غير قادرة على الاستغناء عنها· فتخرج باحثة عن عليا التي لا تجدها، بل لتجد الفراغ في انتظارها·
من حق الروائية أو الروائي أن يختار الموضوع الذي يعالجه، ومن حقه أن يعالجه بالطريقة التي يريد، وليس لأي أحد أن يطلب منه أو يملي عليه ما يعالج· ولكن هناك ملاحظة مهمة يجب أن تقال في الكتابة النسوية· إن الجرأة ضرورية في كتابة الأدب، ولكن بقاء الكتابة النسوية العربية عالقة في الكتابة عن الذات النسوية، واعتبار ذلك هتكاً للمحرمات، هي كتابة تحصر ذاتها في زاوية غاية في الضيق، فالعالم الروائي أرحب من ذلك بكثير· وللأسف يتم الاعتماد على هذا النوع من الكتابة لأنها تلفت النظر وتبتدع لنفسها صدى كاذباً، باعتبارها تدخل في الممنوع الجنسي·
بالتأكيد، ليست سمر يزبك أول من كتب عن العلاقات المثلية، فقد سبقتها اللبنانية إلهام منصور في روايتها أنا هي أنت وغيرها· ولكن هذا النوع من الكتابة وإصرار الكتابات النسوية العربية على اعتبار البوح الجنسي جزءاً أساسياً من الجرأة الروائية، وأغلب الأحيان بدون وظيفة سردية، جعل الكثيرين الذين يقرأون الأدب النسوي، يعتبرون هذه القراءة تلصصاً على حياة الكاتبات الفعلية، وليس معرفة حيوات بطلات الروايات بين دفات الكتب·

اقرأ أيضا

بملف عربي قادته الإمارات.. النخلة على قائمة اليونيسكو للتراث الثقافي