تقارير

الاتحاد

مصر تستعد لإجراءات تقشفية

أبيجيل هوسلونر
القاهرة



تستعـد الحكومـة المصريـة لمواجهـة التداعيات السياسية المحتملة للإجراءات التقشفية المزمع إقرارها في الوقت الذي تسعى فيه للحصول على قرض بقيمة 4,8 مليار دولار تحتاجه بشدة من صندوق النقد الدولي خلال الشهر المقبل، وفيما انخفض الجنيه المصري إلى أدنى مستوى له يوم الأحد الماضي أطلع رئيس الحكومة، هشام قنديل، الصحفيين على أن القرض يمثل الفرصة الوحيدة للخروج من الأزمة الاقتصادية لمصر، وجاءت تصريحات قنديل بعد يوم واحد على تطبيق البنك المركزي المصري للنظام الجديد في مجال بيع وشراء الدولار وذلك بهدف وقف النزيف في احتياطي البلد من العملة الصعبة.
وفي هذه الأثناء تواجه مصر عجزاً متصاعداً في الموازنة العامة وإحباطاً اجتماعياً متنامياً بعد سنتين من مطالب الثورة المتمثلة في خلق الوظائف والتكافؤ الاقتصادي والعدالة الاجتماعية التي كانت وراء الإطاحة بنظام مبارك. وقد حرص الرئيس محمد مرسي في خطابه ليوم السبت الماضي أمام مجلس الشورى على التوجه مباشرة إلى المصريين بحثهم على قبول الإصلاحات المقبلة ودعم الاستقرار بعد شهر من التجاذبات السياسية، ولكن هذه الإصلاحات لن يكون من السهل تسويقها، ولاسيما في ظل تأكيد الاقتصاديين على أن المكاسب ستكون بالقطع مقرونة ببعض المصاعب في أكبر دولة عربية، حيث نسبة 40 في المئة من السكان تعيش على أقل من دولارين في اليوم للشخص الواحد.
ويضاف إلى ذلك عامل الوقت الذي لم يعد يصب في صالح الحكومة مع تراجع إيرادات السياحة بسبب الاضطرابات السياسية التي عرفتها مصر منذ الإطاحة بمبارك وانخفاض الاستثمار الأجنبي، وهو ما دفع الحكومة إلى استخدام الاحتياطي من العملة الصعبة لخدمة الدَّين العام وللوفاء بالتزاماتها الإنفاقية.
وفي هذا السياق يقول المسؤولون المصريون إنهم على وشك التوقيع على قرض مع صندوق النقد الدولي بنهاية شهر يناير الجاري، ولكن الوفاء بتوقعات الصندوق خلال الأسابيع المقبلة لن يكون أسهل، أو أقل وطأة من التحديات التي رافقت المفاوضات مطلع الشهر الجاري عندما توقفت المباحثات مع الصندوق للحصول على القرض بسبب التجاذبات السياسية التي شهدتها البلاد، حيث طالبت مصر بتأجيل المفاوضات بعد التجاذب في الشارع اعتراضاً على الدستور المصادق عليه.
وهذه الاضطرابات التي عرفها الشارع المصري دفعت الحكومة إلى تأجيل محاولاتها لترشيد النفقات وإصلاح النظام الضريبي للتخفيف من وطأة الأزمة، وإن كان المسؤولون في الحكومة عادوا ليؤكدوا أن الزيادة في الضرائب على الدخل والسلع الأساسية بما فيها الغاز والإسمنت سيتم إقرارها في الوقت المناسب، وهو ما أوضحه محمد جودة الذي يقود اللجنة الاقتصادية للحزب الحاكم قائلا «علينا توضيح الحقائق الاقتصادية للناس، وعلينا التأكيد أن هذه الإجراءات الاقتصادية لن تمس الفقراء، بل ستؤثر فقط على الأغنياء»، مضيفاً أنه «لو أوصلنا هذه الرسالة بوضوح سيبدي الناس تعاوناً أكبر مع هذه الإجراءات».
ومع أن القرض المنتظر من صندوق النقد الدولي لن يغطي العجز البالغ 21,6 مليار دولار، إلا أنه حسب الاقتصاديين سيفتح الباب أمام إمكانية الاستفادة من قروض أخرى، ويعطي فرصة لتعزيز مصداقية مصر في الأسواق الدولية، وهو ما عبر عنه حازم الببلاوي الذي تولى منصب وزير الاقتصاد مؤخراً بقوله «إذا لم نحصل على قرض صندوق النقد الدولي فإن باقي المانحين لن يتشجعوا على منح مصر قروضاً أخرى».
والحقيقة أن الأزمة الاقتصادية تأتي في وقت حرج من الناحية السياسية، فالخلاف حول الدستور وسع من رقعة المعارضة السياسية للحكومة المصرية وحلفائها من الإسلاميين مع تعهد المعارضة بمواصلة مواجهتها السياسية ضد الحكومة وهي تستعد لخوض الانتخابات البرلمانية خلال شهرين من الآن. ويضاف إلى ذلك الاستياء الشعبي الذي تنامي مع ارتفاع الأسعار وتنامي البطالة خلال السنتين الماضيتين، فيما يقول العديد من المصريين إن مطالب الثورة ما زال كثير منها لم يتحقق، ويبدو أن الحكومة تواجه صعوبة في التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية، محملة مسؤولية النقص في الدولار للاضطرابات السياسية والشائعات التي تنشرها المعارضة، وهو ما حدا بالرئيس مرسي في خطابه ليوم السبت الماضي أمام مجلس الشوري إلى حض المصريين على نبذ الانقسام السياسي، مندداً بالشائعات التي تتحدث عن إفلاس وشيك للدولة.
والمشكلة أن ما تواجهه مصر من صعوبات يرجع بالأساس إلى عقود من الفساد المستشري في نظام الحكم السابق الأمر الذي سيستغرق سنوات قبل معالجته، فقد غذى عهد مبارك بيروقراطية متضخمة ورعى نظاماً قائماً على الدعم والريع أفاد المقربين من النظام من عمليات الخصخصة خلال السنوات الأخيرة لحكمه، وعلى رغم فائدة ذلك النظام في شراء صمت فئات واسعة إلا أنه لم يستحدث شبكة أمان أساسية للشعب الذي تمرد في الأخير بسبب التضخم والبطالة.
وعن الإصلاحات الاقتصادية المنتظرة يقول محمد الدهشان، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس بالقاهرة: «هناك حاجة ملحة لإقرار الإصلاحات الاقتصادية التي لابد أن تكون مؤلمة، ولكن من جهة أخرى هناك الفئات المجتمعية التي عانت على مدار العقد الماضي من سياسة السوق الاقتصادية التي غيبت تماماً البعد الاجتماعي».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا