صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

الصابئة·· رحلة البحث عن ضفة نهر هادئ

كاهن من الصابئة يقوم بتعميد سيدة من الطائفة قرب أربيل

كاهن من الصابئة يقوم بتعميد سيدة من الطائفة قرب أربيل

الحديث عن المعتقدات الدينية في إقليم كردستان العراق، يشبه السير في حديقة واسعة مليئة بنوع واحد من الزهور ولكنها تحتضن بين جنباتها أصنافا نادرة من الورود تجعل منها حديقة فريدة· إن أغلب سكان كردستان هم من المسلمين السنة بنسبة تزيد على 95%، هذه النسبة تجعل البعض يراها بقعة مغلقة عقائدياً، فيما الاقتراب يجعلك ترى مشهداً مغايراً· فالإسلام هنا يحمل سمات الوسطية المنفتحة والحاضنة للآخر، وحركات الصوفية تجذب مئات الآلاف من الانصار والمريديين، وهناك أيضاً المسيحيون الذين يقطنون المكان منذ ألفي عام من أبناء الأشوريين والكلدانيين المحتفظين بتراث ثقافي ولغة سريانية تعود إلى أكثر من 4 آلاف سنة، وإذا اقتربت أكثر ستجد نفسك تغوص في عقيدة ''الإيزيديين'' الغريبة والمثيرة للجدل بما تحمله من اتهامات بعبادة الشيطان، وتسير إلى جانب النهر الصغير فترى ''الصابئة'' وقد حطوا رحالهم من جنوب العراق هنا في الشمال بحثاً عن ملاذ آمن، ونهر يقيمون بجانبه طقوسهم الدينية·
إن الخوض في تنويعات العقائد الدينية في كردستان، مهمة محفوفة بالمخاطر، لعل أخطرها هو أن تغوص قدماك في مناطق يعتقد الكثيرون أنها من المحرمات، ولكننا قررنا أن نخوض التجربة ولنا شرف المحاولة ونرفض أن ينكر احد حقنا في أن نخطئ أحياناً··

بدأت محال ذهب كبيرة تفتح أبوابها في أربيل والسليمانية بإقليم كردستان، '' فقد جاء الصابئة'' على قول شاب كردي، فعندما يحل الصابئة المندائيين في بقعة بالعراق تزدهر صياغة الذهب، هذه الطائفة الدينية الصغيرة نزحت من بغداد والجنوب إلى الشمال بعد أن ضاق بها العيش ونهبت محالها وهددت بالقتل من زعماء ''الإرهاب''، وبدأت رحلة ''تغريبة'' جديدة هي بمثابة ''الرحيل الثاني'' للطائفة الآرامية، حيث كان الرحيل الأول لها من فلسطين إلى جنوب العراق بسبب اضطهاد اليهود الوحشي، واليوم يصرخ الصابئون ''أيها العالم أنقذنا·· التفت إلينا·· فليست الباندا أفضل منا''·
مصير ''الباندا''!!
'' نحن نواجه تطهيراً عرقياً، فقد كان 75 ألف مندائي يعيشون في العراق قبل ،2003 واليوم لا يتجاوز عددنا 5 إلى 7 آلاف شخص، فقد فر الباقي بسبب القتل والتهديدات والنهب إلى سوريا والأردن ، فنحن طائفة تاريخية جذورها تعود إلى آلاف السنين تحمل أسرار التوحيد الأول، ولا يهتم أحد بناء، بينما العالم يصرف الملايين ليحافظ على الباندا من الانقراض، ونحن نطالب العالم أن يحافظ علينا أيضاً!''
هكذا تكلم صبحي مبارك مال الله رئيس ''جمعية الثقافة المندائية'' في أربيل، وعيونه تحمل حزناً لا يخفى على أحد، صبحي - العضو السابق عن الصابئة في هيئة كتابة الدستور الدائم للعراق وعضو المجلس الوطني المؤقت السابق- نزح من بغداد إلى أربيل بعد أن وصلته بشكل شخصي تهديدات ولأسرته، فترك خلفه ذكريات الصبا ومنزله ليجد نفسه في شمال العراق تلاحقه صفة ''النازح'' الكريهة على نفسه· وصبحي هو واحد من بين 125 صابئياً مندائياً نزحوا إلى أربيل في الفترة الأخيرة بالإضافة إلى 25 عائلة في السليمانية، وهؤلاء هم الأقلية من الصابئة الذين لم يغادروا العراق نهائيا، حيث توجهت الأغلبية إلى سوريا والأردن وبعضهم غرق في مراكب ''الهجرة غير الشرعية'' إلى أستراليا، ويشير صبحي إلى أن هناك اليوم 1800 عائلة من الصابئة في سوريا ومثلهم في الأردن·
ويبلغ عدد الصابئة في العالم نحو 100 ألف شخص فقط، بينهم 20 ألف في إيران والباقون توزعوا في أنحاء العالم بعد حرب العراق ما بين سوريا وإيران والبلدان الأوروبية وأستراليا·
ويذكر الصابئ ''م·ن'' (رفض ذكر اسمه خوفاً من القتل على أيدي الإرهابيين) أن ما تعرض له الصابئة من الإرهابيين والتنظيمات المتشددة كان فوق تصورات الصابئة أنفسهم، ويقول '' لقد خطف الإرهابيون زوج ابنتي ولم يطلقوا سراحه إلا بدفع 50 ألف دولار، واستولت الميليشيات على بيته وأثاثه وممتلكاته ونهب محله للصياغة في الفلوجة''·
والتاجر الصابئي ''م·ن'' هو أحد أبناء مدينة الفلوجة الذي ورث عن آبائه وأجداده مهنة الصياغة في هذه المدينة، وعاش فيها طفولته وتزوج فيها وكان يعد أشهر صائغ فيها، لكن المتشددين أجبروه على مغادرتها ، ورغم رفضه الحديث طويلاً خوفاً على حياته وحياة أولاده، فإنه يقول ''لن أترك العراق فأنا انتظر اليوم الذي سأعود فيه إلى الفلوجة، فقد سرقوا حياتي كلها بطردي من مدينتي التي تحمل كل ذكرياتي''·
ويشير الصابئة الذين التقينا بهم (جميعهم رفضوا ذكر أسمائهم) إلى أنهم أصبحوا بعد انتشار الفوضى في العراق في 2004 هدفاً مغرياً للميليشيات المسلحة بسبب أن أغلبية الطائفة من الأغنياء وأصحاب محال الصاغة، وانتشرت عمليات خطف الصابئة لابتزازهم مالياً، أو نهب محالهم والاستيلاء على أموالهم·
ويقول صبحي مبارك مال الله إن ما يدعى تنظيم ''الدولة الإسلامية في العراق'' أصدر بياناً يشير إلى الصابئة والمسيحيين كأهل حرب وليس أهل ذمة لأنهم اخترقوا وفقا للتنظيم المتشدد ''الشروط العمرية''، وخير التنظيم الصابئة صراحة بين القتل أو الرحيل فوراً، ويؤكد أن الميليشيات استولت على منازل الصابئة واختطفت نساءهم وأطفالهم، ويشير صبحي إلى أنه تم تطهير عرقي كامل ضد الصابئة والمسيحيين في حي الدورة ببغداد، وأصبحت الفلوجة خالية تماما من الصابئة، وأُجبرت الفتيات من الطائفة على ارتداء الحجاب في عدد من أحياء بغداد·
حضن كردستان الدافئ
''نحن نلاقي هنا في كردستان ترحيب ورعاية حكومة الإقليم، فهنا هو المكان الذي جعلنا نشعر بالأمان مع بقائنا في داخل العراق''، هكذا عبر صبحي مال الله مبارك عن احتضان إقليم كردستان للعدد الصغير من الصابئة حيث يوفر لهم الملاذ الأمن مثلهم مثل الكثيرين من العراقيين·
وفي مدينتي أربيل والسليمانية استقرت العائلات من الصابئة المندائيين الذين رفضوا مغادرة العراق، ومن أشهر من وصل أربيل سعدي ثجيل الرئيس السابق لمجلس شؤون الطائفة ، حث قدم برفقة عائلته ومجموعة من الشبان العاملين معه حيث فتح مشغلاً لصياغة الذهب·
وجاء نزوح الصابئة باتجاه كردستان بعد لقاء بين ستار جبار حلو رئيس الطائفة مع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، ووعد بارزاني بتقديم التسهيلات لأعمال الطائفة المشهورة بصناعة والعمل في تجارة الذهب·
ووفقا لـ ''ل·ك'' فإن الصابئة منذ مئات السنين بدأوا في العمل بصياغة الفضة ثم انتقلوا عبر السنوات إلى صياغة الذهب، وأصبحوا بعد رحيل جزء كبير منهم من الجنوب إلى بغداد في الخمسينيات صاغة القصر الملكي ثم صاغة القصر الجمهوري للرؤساء المتعاقبين·
ويشير ''ل·ك'' إلى أن حكومة كردستان استفادت من قدوم الصابئة، حيث إن الإقليم يستهلك ويستورد الذهب وقدومنا سيجعل من كردستان منطقة مصنعة للذهب وليست فقط مستهلكة له''·
ويقول ''س سعد'' إنه شعر للمرة الأولى منذ حرب 2003 بالأمان في أربيل، '' كنت أخشى أن اخرج من منزلي في بغداد خشية السرقة أو الاختطاف، أما اليوم فأشعر للمرة الأولى بقدرتي على السير بدون التفكير في مخاطر الخروج إلى الشارع والسهر حتى منتصف الليل''·
وقامت حكومة إقليم كردستان إلى جانب توفير الأوضاع المناسبة لانتعاش تجارة الصابئة بتوفير أماكن لتأدية طقوسهم الدينية بجانب المياه الجارية، حيث يمارسون طقس ''التعميد'' المركزي في العقيدة المندائية·

سر الماء الجاري

من نهر الأردن إلى ضفة دجلة جنوب العراق إلى ضفة نهر صغير قرب أربيل، هذه هي رحلة الصابئة التاريخية ''المقدسة'' التي ترتبط دائماً بالمياه الجارية·
يقول س·ق'' إن '' أحد الهواجس قبل الوصول إلى كردستان كانت هي البحث عن مياه جارية يمكن أن نمارس بجانبها طقوسنا الدينية''، فعقيدة الصابئة تقوم على 5 أركان أهمها على الإطلاق هو ''التعميد''، حيث يرتبط الصابئة ارتباطاً وثيقا بالمياه الجارية كمطهر للجسم من الآثام، فكافة الطقوس الدينية حتى الزواج تبدأ بالتعميد في مياه جارية، فصابئة مشتقة من صبأ باللغة الآرامية أي عمد أو غطس·
فالعقيدة الصابئية المندائية تعتبر أن يوحنا المعمدان أو النبي يحيي هو آخر المرسلين من الله إلى المندائين ، والنبي يحيي عاش طوال حياته بجوار المياه يعمد الناس طالباً منهم الاغتسال لمغفرة خطاياهم، ووفقا للكتاب المقدس عند المسيحيين فقد عمد يحيى السيد المسيح في نهر الأردن قبل أن يبدأ الأخير رسالته التبشيرية، و''التعميد'' عند الصابئة مفتوح في كل مناسبة دينية ولو حتى يومياً، وليس مرة واحدة مثل العقيدة المسيحية· ويعتقد الصابئة أن المياه الجارية محروسة من قبل الأرواح الخيرة النورانية، فالمياه الجارية تمثل الخير بينما الشر هو الظلام والمياه الميتة المالحة في إشارة واضحة للبحر الميت في فلسطين في مقابلة نهر الأردن الذي عمد فيه يحيى تلاميذه، ويعد التعميد هو الطقس المركزي أو طقس ''المصبتا= الصباغة'' والذي يجري في المياه الجارية، وتعتبر الأساطير الصابئية أن ''المصبتا'' سماوية وليست أرضية، فهي تمارس من قبل جميع الملائكة في عالم ''الأنوار''·

عقائد الصابئة

ذُكر الصابئة في القرآن 3 مرات، ففي الآية 62 من سورة البقرة ''إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون''· وفي الآية 69 من سورة المائدة '' إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون'' وفي الآية 17 من سورة الحج '' إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد''·
ولدى الصابئة المندائيين كتابا مقدساً رئيسياً هو ''كنز ربا'' أو ''الكنز الكبير'' ويقع في 600 صفحة ، وهو كتاب لوجهين متعاكسين، أحدهما يقرأ من اليمين لليسار ويحتوي على الوصايا الدينية ويتضمن سفر التكوين وتعاليم ''الحي العظيم'' والصراع بين الخير والشر وتسبيحات للخالق وأحكام فقهية، والوجه الآخر يقرأ من اليسار الى اليمين ويحتوى على أسرار الموت وانتقال الأرواح إلى عالم ''الأنوار''، ويعتقد الصابئة أن ''كنز ربنا'' نزل على سيدنا آدم أبو البشر، ويسمى عندهم '' صحف آدم''· وهناك أيضا كتاب ''دراشة اد يحيى'' أو ''تعاليم يحيى'' الذي يتضمن تعاليم النبي يحيى، بالإضافة إلى ''أسفر ملواشه'' أي سفر البروج لمعرفة حوادث السنة عن طريق الفلك، وكتب دينية آخرى مثل القلستا ( طقوس الزواج)، وكتاب النياني ( الصلاة)
ويقوم الزواج عند الصابئة على كونه عهدا بين الرجل والمرأة، لا يسمح بتعدد الزوجات نهائياً، ولكن في حالات المرض أو عقم الزوجة يسمح للرجل بزوجة ثانية فقط، ويبدأ الزواج بتعميد الرجل والمرأة ثم يبنى بيت من القصب قرب المياه الجارية تجرى فيه المراسيم· ويتعهد خلالها الزوج باحترام زوجته ومقاسمتها في كل شيء، ثم تقسم ''لقمة'' (خبز) إلى نصفين إحدهما للزوج والأخرى للزوجة، وبعدها يقسم القائم على الزواج ''لقمة'' ثانية وبين القسمتين لو لم يعترض أحد من الحضور على الزواج يعتبر الزواج قد تم ولا يحق لأحد الاعتراض بعد ذلك على الزيجة، وفي حال تزوج فتاة من الطائفة من خارج الطائفة تعد بالنسبة لأهلها ''متوفاة''·
ولدى الصابئة 3 صلوات يومياً ولا تتم إلا بعد الاغتسال ''الوضوء'' وهو عبارة عن غسل الأعضاء الرئيسية في الإنسان والحواس بالماء الجاري مع ترتيل مقطع ديني صغير· ويصوم الصابئة مرتين الصوم الكبير والصوم الصغير ويتم الصوم الكبير بالكف عن تناول لحوم الحيوانات لمدة 36 يوماً، ويدفنون الميت باتجاه الشمال ويحرمون اللطم والبكاء والحزن على الميت·
واشتهر الصابئة المندائيون بالإنتاج الأدبي والعلمي في التاريخ الإسلامي، فمن أشهر رموز الصابئة هناك أبو إسحاق الصابئي وزير عضد الدولة البويهي، وثابت بن قرة وولده سنان بن ثابت اللذان اشتهرا ببراعتهما في الطب والرياضة والفلك، وفي العصر الحديث نجد عبد الجبار عبد الله صاحب الإنجازات العلمية في علم الفيزياء وشارح نظرية النسبية لاينشتاين·
·
لماذا يكرهون اليهود؟!

يحمل الصابئة المندائيون تراثاً تاريخيا من كراهية اليهود، قد لا يصرحون به بشكل واضح بسبب طبيعتهم المتسامحة، ووفقاً لتاريخ الصابئة فإن الطائفة التي كانت ملتفة حول يوحنا المعمدان أو النبي يحيى تعرضت لاضطهاد عنيف من قبل اليهود بعد وفاة يحيى، التي يقولون إنه مات على سريره ولم يقتل بقطع رأسه وفقا لما جاء في الكتاب المقدس للمسيحيين، وقتل اليهود نحو 360 من رجال الدين الصابئة في أورشليم (القدس) وبعدها انتقل الصابئة إلى جنوب العراق تحت وقع الاضطهاد اليهودي، وهو التاريخ الذي لم ينسه الصابئة حتى اليوم·

لعنة التيفوئيد

قاربت طائفة الصابئة على الاختفاء بسبب تعرضها للعنة الاضطهاد من قبل السياسيين ورجال الدين بل كذلك من الأوبئة والحروب، ففي عصر العثمانيين تعرض الصابئة لاضطهاد قاس مثلهم مثل غالبية الأقليات في المنطقة، وقتل منهم المئات كذلك فرضت الدولة عليهم التحول إلى الإسلام، وبالتزامن مع الاضطهاد السياسي جاء وباء التيفوئيد في عام 1663 ليقضي على مئات الآلاف من أبناء الطائفة الصابئة في جنوب العراق، هكذا عاش الصابئة في نهاية العصر العثماني بين كماشتي العنف السياسي والأوبئة، وتعرض الصابئة إلى جانب وباء التيفوئيد لعدة مذابح أهمها في 1782 بجنوب فارس و1780 في إيران أيضاً حيث قتل ناصر شاه نحو 20 ألفا من أبناء الصابئة، وتاريخيا هناك مذبحة 273 ميلادية في ايران ومذبحة القرن الرابع عشر في العمارة·


غـداً ··
الكردية·· الموت باسم الشرف